الخميس 19-09-2019 11:14:34 ص
من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة التشرذم :المسألة الجنوبية.. شعار يخفي وراءه وعي قبلي متخلف
بقلم/ دكتور/نجيب غلاب
نشر منذ: 11 سنة و 9 أشهر و 26 يوماً
الخميس 22 نوفمبر-تشرين الثاني 2007 07:26 ص
تعاملت الدولة التي أسستها النخبة في جنوب اليمن (سابقاً) مع السياسة كمدخل لتغيير المجتمع، فتحولت إلى أداة قسر قاهرة، ما دفع المجتمع إلى الانعزال عن الدولة خصوصاً بعد تبنيها أيديولوجيا متناقضة مع طبيعة المجتمع وحاجاته، وتحولت الدولة مع الوقت إلى أداة نخبوية يتم من خلالها تكريس شرعية النخبة ومصالحها.
أما الماركسية فقد تحولت إلى شعارات توظفها النخب لمواجهة بعضها في صراعها على غنائم الدولة، ولتبرير قبولها في موسكو الداعم الأساسي للدولة باعتبار الدولة في الجنوب كانت تعبير عن حاجة «موسكو»، بما يعني أن الدولة والفكر كانا يمثلان قشوراً لدى النخبة وأداة في الصراع، ولكنهما كانا غير كافيين، في تعبئة القوة الداخلية لتحقيق المصالح لدى كل الأطراف، ما دفع النخب لبناء تكتلات استنادا على وعي القبيلة الغائر في بنية الثقافة المجتمعية، لم يكن المجتمع قادراً على الانفعال مع فكر متناقض مع طبيعته، ولا مع دولة لا تعبر عن ثقافته وحاجاته، لذلك فقد لجأت النخبة إلى الثقافة التقليدية لإدارة صراعاتها، كنتاج طبيعي للوعي الفاعل لتصبح التحالفات الحقيقية في الواقع تحالفات مؤسسة على وعي قروي.
وتأسيس الصراعات على ولاءات ما قبل الدولة، نتاج لطبيعة الفكر المتناقض مع المجتمع التقليدي، وطبيعة الدولة الحديثة، فهو فكر ينفي الدولة في مجتمع ظل منقسماً على نفسه فترة طويلة، وتهيمن عليه ثقافة القبيلة المنطوية على ذاتها، ومن جانب آخر فان النخبة تستخدم الدولة لتغيير المجتمع بأفكار وقيم مؤسسة على فكر ينفي ثقافة المجتمع، وهذا ما أفقد الدولة قيمتها في المجتمع وأصبحت أداة قهر وهيمنة واستلاب، وكان رضوخ المجتمع للدولة نتاج خوف من أدواتها العنيفة التي تم استخدامها بشكل واسع.
ونتيجة فرض النظام بالقوة والقهر فقدت الدولة معناها، وتحولت أدواتها إلى أداة بيد القوى المسيطرة، بعد انسحاب المجتمع من خلال استسلامه لمنطق القوة والقهر، مما أدى إلى انتقال الصراع إلى بنية الدولة بين النخب المسيطرة عليها، بعد أن أصبحت القوى المتحكمة بالدولة هي الدولة.
طبيعة إدارة الدولة لم تكن نتاج توافق النخبة التي أصبحت هي الدولة، ولكن ظروف التحالفات الدولية وصراعات الحرب الباردة كانت هي المتحكمة بطبيعة الدولة وفكرها وطريقة عملها، فالدولة تحولت إلى حاجة خارجية، بمعنى أن الدولة في حركتها ووظيفتها لم تكن تعبيراً عن المجتمع، وإنما حاجة خارجية، ولكنها قوة بيد النخب، وهذا ما جعلها دولة ضعيفة رغم بنيتها الخارجية المتماسكة بفعل دعم القوى الاشتراكية، وهذا ما أجل انفجار الصراع بين النخب المتنافسة حينها.
عند انفجار الصراع الداخلي بين النخب كان ثمة صلة مباشرة بين القوى المتصارعة في الداخل بأيادي خارجية تولي هذه القوى الدعم من المركز في موسكو، وهذا ما يفسر مبالغة كل نخبة في التغني بالفكر الماركسي أثناء إدارتها للصراع الداخلي، رغم ان وعي القبيلة كان هو المحدد الجوهري لطبيعة الصراع، وفي الغالب ما كان يخسر الطرف الباحث عن انعتاق من الهيمنة السوفيتية على قوته المجتمعية.
إلى ذلك فقد شكلت الوحدة اليمنية حلاً أسهم في تأجيل صراعات النخبة داخل الدولة في الجنوب، بما يعني أن الوحدة ظلت محكومة في فكر النخبة بطبيعة الصراع الداخلي فيما بينها طبيعة وتركيباً، ومحكوم أيضاً بالرؤية الماركسية التي هي بطبيعتها كأيديولوجيا لا تشكل الوحدة في بنيتها ضرورة وطنية، أي أن الوحدة كانت محكومة بصراع عالمي وصراع داخلي بين القوى المتناقضة على مستوى المصالح، فالوحدة في حقيقة الأمر رغم وجود قوى وحدوية خالصة، إلا أن الوحدة لم تكن هدفاً حقيقياً لدى النخب المهيمنة على طبيعة الصراع على القوة، والتي يهيمن عليها في إدارة الصراع وعي قبلي متناقض مع فكرة بناء دولة حقيقية.
الوحدة شعار اتخذه البعض لإخفاء التناقضات الداخلية والصراعات القروية من جهة، وهروباً من سيطرة إحدى النخب المتحالفة على الدولة في الجنوب، وكان الصراع والحروب التي قادتها النخب في دولة الجنوب الشيوعية ضد ما كان يسمى ب"الشمال" سابقاً حالة هروب من مشاكلها وصراعاتها الداخلية، إلى جانب أنها استجابة لحاجة خارجية في ظل الحرب الباردة، وهذا الصراع غالباً ما كان يتم تسليم ملفاته للقوى الوحدوية الحقيقية داخل النخبة المهيمنة بغية إضعافها، وبالمقابل تقوية شوكة الدولة الجنوبية لصالح القوى المسيرة بوعي القبيلة وسلوكها واقعاً لا شعاراً.
وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى ماضي الدولة الشمولية للمقارنة والحروب التي أدعت أنها قادتها من أجل الوحدة، سنجد إن تلك الحروب عادة ما تحدث وقت الأزمات في بنية الدولة في الجنوب، والتي غالباً ما كانت تصل بالنخبة الحاكمة لدولة الجنوب إلى حالة الانفجار، وهذا ما يفسر أن فترة السلام بين الشمال والجنوب تتزامن مع لحظات الانفجار داخل الدولة في الجنوب.
فبعد سقوط المنظومة الاشتراكية، أصبحت النخب داخل الدولة وخارجها في مواجهة بعضها البعض، مع قوة النخبة الخارجية ورفعها شعارات الوحدة ووجود نخبة داخل الدولة تشكل الوحدة بالنسبة لها هدفاً حقيقياً، حينها شعرت النخبة المسيطرة على الدولة بفقدان شرعية وجودها الحقيقي، لذلك فإن هروبها إلى الوحدة كان نتاجاً حتمياً لحل أزمة الدولة النخبة من جهة، ومن جهة أخرى خوفاً من أن تتحول الدولة في الشمال إلى داعم للقوى الوحدوية داخل النخبة، فكان المجتمع متهيئا في أي لحظة لثورة داخلية تدمر الدولة التي عانى منها ويلات التسلط والقهر، في ظل وضعية دولية حققت فيها الدول الغربية انتصارها على «الدب الأحمر» وحلفائه، ويمثل سقوط أية دولة اشتراكية بآليات ثورية يقودها المجتمع انتصارا للمنظومة الرأسمالية.
ولأن النخبة المهيمنة على الدولة في الجنوب لم تكن قادرة على حماية مصالحها ومواجهة المجتمع المستعد للثورة ومنافسة النخب الوحدوية والمتضررة، لذلك فقد أصبحت الوحدة هي الحل، بما يعني أنها أتت إلى الوحدة حفاظاً على غنائمها، يؤكد ذلك الاتفاقات السرية بين النخب من أجل اقتسام دولة الوحدة مع النخبة المهيمنة حينها، مع الإشارة إلى استبعاد القوى الأخرى، رغم أنها تتحرك في إطار حزبي وفكري واحد، وهذا يعبر بصفة أو بأخرى عن الوعي القبلي الباحث عن الغنيمة لدى النخبة المهيمنة في الجنوب وساعدت على ذلك ظروف معينة حدثت في الشمال.
وعندما دخلت النخبة الدولة الوحدوية بدأت تدير صراعها بشكل واضح مع القوى المختلفة في المجتمع على أساس الوعي القبلي، ولكن هذه المرة باسم المشروع الحضاري لا الفكر الماركسي، ولكن فهمها للواقع رغم اعتماده على نظريات حديثة، إلا أنه محكوم بالوعي القبلي، فقد تعاملت مع السياسة بعقلية فككت المجتمع إلى تحالفات قبلية وطائفية.
وبدأت تنادي بشعارات حداثية ولكنها على مستوى الواقع قد فجرت التناقضات الداخلية في الشمال من خلال بعث الوعي القبلي في الشمال، واستغلال ذلك في توظيف النخب الشمالية لصالح أهدافها، والعمل أيضاً على تأسيس وعي قبلي مؤسس على فكرة الشمال والجنوب من جانب آخر.
ومع نمو بروز "غنائم النفط" في مناطق الجنوب، وتغير الظروف الإقليمية والدولية، بدأت نخبة جنوبية مهيمنة تبحث عن تضخيم غنائمها بفك عرى الوحدة، وبدأت تدير الصراع في دولة الوحدة بطريقتها القديمة، بحيث تخفي أهدافها برفع شعارات براقة ولكنها على مستوى الواقع تتعامل بعقلية قبلية متناقضة مع طبيعة الشعار المرفوع..وقد قادت معركتها بذكاء شديد وكان بإمكانها أن تنجح ولكن في ظل الانقسام الجنوبي ووجود قوى وحدوية ومجتمع يمني في الجنوب مازال يرى في الوحدة طريق خلاصه.
وفي معركة الانفصال الباحثة عن "غنائم النفط ودولة جنوبية مستقلة تهيمن فيه النخبة التي قادت الانفصال" انتصرت الوحدة من أجل دولة حديثة، ورغم هيمنة الوعي القبلي لدى جميع الأطراف، ويمكن القول أن النصر هذا جسد بدوره رغبة جامحة لدى الشعب في تجاوز وعي القبيلة لصالح وعي وحدوي يبحث عن دولة حقيقية في ظلها، إذ بغيرها تفقد أية دولة في الشمال أو الجنوب شرعيتها.
انتصر الشعب اليمني وانهزمت جماعة "غنائم النفط"، وانهزم معها الوعي القبلي المتخلف، لصالح الدولة اليمنية الحديثة، فالوحدة هي المقدمة الفعلية لبناء دولة حديثة، مع التأكيد أن جزءاً من النخبة التي انتصرت في الحرب لديها وعي قبلي واضح، ولكنها في صراعها تبحث عن شرعية وجودها في شرعية الوحدة ودولتها الحديثة مما يجعلها قابلة للانتقال إلى وعي الدولة مستقبلاً.
كان من المفترض أن تقود النخبة المنهزمة في الحرب بعد فشلها المتكرر في تحقيق انتصارات حقيقية بالاستناد على وعيها القبلي، أن تتبنى رؤية فكرية منفتحة على العصر لمواجهة هزائمها، ولكن أصحاب الوعي القبلي عادة ما يكونوا مرتهنين لمصالحهم الآنية ويتعاملوا مع كل شيء بفكر القبيلة المحكوم بالغنيمة في تعامله مع الدولة.
بدأت النخبة تأسس لشرعيتها على وعيها الذي يحكمه وعي القبيلة، ومن التفسيرات التي قدمت لفهم ما جرى كان تفسير مسنود برؤية محكومة بالوعي القبلي، مثل: الشمال مهيمن ومسيطر على الجنوب، ودولة الشمال هي دولة قبلية عسكرية تأكل غنيمة الجنوب، الجنوب غني والشمال فقير، موارد الدولة كلها في الجنوب...الخ وكلها تفسيرات لا مشروع لها إلا بعث الوعي القبلي هذه المرة باسم الجنوب لا باسم أبين أو يافع أو حضرموت، والهدف خلق مواجهة باسم الجغرافيا بعد أن عملت خلال الفترة السابقة على بعث الوعي القبلي في أرجائه.
في تصوري المسألة الجنوبية من أعظم المخاطر التي تهدد كل القيم العصرية، وتشتت طاقة القوى الجديدة شمالاً وجنوباً في ممارسة ضغوطها على النخبة الحاكمة من أجل بناء الدولة الحديثة، كما أنها تضعف المجتمع المدني في مواجهته للوعي القبلي، لأن القوى التي تتحرك باسم المسألة الجنوبية تسهم في بعث الثقافة التقليدية وتفجر صراعات داخلية تتحرك باسم العصبية ووعيها القبلي مما يجعل المجتمع المدني عاجزاً عن التأسيس لرؤية عصرية، ويتم إجباره في ظل هيمنة وعي القبيلة على الانخراط فيه.
كما أن نقل الصراع من أجل القضايا الملحة التي يعاني منها الواقع إلى مسائل تبحث عن الغنيمة وتأسيس هذا الصراع لدى أبناء الجنوب على هذا الأساس، يولد الانتهازية في الثقافة الشعبية ويدمر وعيها الحديث لصالح وعي تقليدي لا يهتم بأي غايات إلا غاية الاستحواذ على الثروة باسم الجنوب، وهذا يؤسس لكراهية متبادلة المستفيد منها القوى الفاسدة.
ختاماً: أية مصلحة جاهدة لاستغلال النضال من أجل وحدة حقيقة بدعاوى قائمة أصلاً على ثقافة وحدة بالقسمة، أو التهديد بالانفصال وشعارات تقرير المصير، وهذا ما يجعلنا نرى أن المسألة الجنوبية شعار يتم استغلاله بهدف تحقيق مصالح النخب السياسية التي تعمل على تحويل أبناء الجنوب إلى أدوات في صراعها المحموم على غنائم السلطة، هذه النخبة التي ظلت طوال تاريخها تعيش على وعي قبلي يبحث عن الغنيمة بصرف النظر عن مصالح المجتمع والتضحيات التي يمكن أن يقدمها على مذبحة نزعاتها الأنانية. إن إصرارها على النضال تحت يافطة المسألة الجنوبية لن يؤثر على الوحدة، فالقوى التي ترتبط مصالحها بالوحدة من القوة بما يجعل أية محاولة انفصالية محكومة بالفشل، حتى لو كانت مدعومة خارجياً، بما يعني أن النضال باسم الجنوب هدفه إعاقة التطور والتقدم، وتحويل مسارات النضال بما يخدم القوى الفاسدة، ويعمل على بقاء الأوضاع على ما هي عليه، وفي هذه الحالة فإن المتضرر لن تكون النخب التي مصالحها مع الوحدة، ولا النخب الرافعة لشعار المسألة الجنوبية، ولكن الشعب اليمني كله شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. 
 # مدرس العلوم السياسية بجامعة صنعاء
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
مابعد عملية توازن الردع الثانية
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: قصف «أرامكو» وانفراط عِقْد الاحتياط
عبدالسلام التويتي
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةمن يبني ليس كمن يهدم!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد