الثلاثاء 28-01-2020 16:49:09 م
نظرات نورانية في الإعجاز البياني للقرآن الكريم
بقلم/ دكتور/عبدالملك منصور حسن
نشر منذ: 12 سنة و 4 أشهر و 12 يوماً
السبت 15 سبتمبر-أيلول 2007 04:41 م
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء:88]
الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على النبي المصطفى والرسول المجتبى (صلى الله عليه وسلم)..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا على المحاجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.. وبعد
لقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون لكل نبي _غير سيدنا محمد_ معجزة تنتهي بانتهاء عصر هذا النبي. بيد أن المعجزة الخالدة التي لم تنته ولن تنتهي حتى قيام الساعة هي معجزة (القرآن الكريم) تلك المعجزة التي تفضل الله عز وجل بها على محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى أمته وعلى العالمين، وجعله تبيانا لكل شيء: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْء) [النحل:89) فالقرآن الكريم كتاب حياة ومنهج وجود للإنسان، وهو يقدم للمسلم كل ما يحتاج إليه في الدنيا والآخرة، ويجيب عن كل ما يخطر بباله من تساؤلات.. إنه هدى ونور ينزل على القلوب المؤمنة بردًا وسلامًا..
والمعجزة هي أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد النبي تصديقا له في دعواه. وقد تفضل الله على أنبيائه ورسله بأن أيدهم بالعديد من المعجزات التي تفوق ما تميز به قوم كل نبي. ولما كان العرب أهل فصاحة وبلاغة لا يباريهم ولا يضارعهم فيها أحد؛ فقد أرسل إليهم محمدا (صلى الله عليه وسلم) بمعجزة القرآن الكريم الخالد الذي هو من جنس ما تفوقوا فيه، وتحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ..!! ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا...!! على الرغم من أن هذا القرآن من جنس ما يتكلمون به.. فعن أبي هريرة قال: قال: النبي (صلى الله عليه وسلم) : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة). [أخرجه البخاري].
وللقرآن أسلوب لم يملك حياله العرب والعجم سوى السجود عند الاستماع إليه. أما الأدباء المنصفون فلم يملكوا أمام جمال محتواه إلا الوقوف أمامه بخشوع واحترام ([i]).
وقد شهد بفصاحة القرآن الكثير من العرب قديما. فقد جاء الوليد بن المغيرة حكيم العرب يساوم النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ مقلبًا له الأمور على كل وجوه الاسترضاء التي يقبلها البشر. وهنا يقول له النبي (صلى الله عليه وسلم): )أفرغت أبا الوليد)، يقول نعم، فيقول له: "فاسمع مني"، ثم تلا عليه سورة فصلت حتى وصل إلى قوله تعالى: "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ" [فصلت: 13) فوضع الوليد يده على فم النبي (صلى الله عليه وسلم) وناشده الله والرحم ألا يكمل. وعاد لقومه بوجه غير الذي ذهب به. ولما سئل قال: "سمعت منه كلامًا ليس من كلام الجن ولا من كلام الإنس، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعـلى عليه"([ii]).
وعلى الرغم من أن الكثير من غير المسلمين قد شهدوا للقرآن بالفصاحة والبيان، فإنه قد طعن فيه الكثير من الجاهلين، وأرادوا النيل منه، ولكن هيهات هيهات؛ فقد تكفل الله بحفظه من التحريف والتبديل أو العبث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛ لأن القرآن كلام الله عز وجل والكلام صفة المتكلم فعظمة القرآن مستمدة من عظمة قائله سبحانه وتعالى؛ ولمَ لا والله عز وجل هو الذي تكفل بحفظه ورعايته، قال تعالى:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَـا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) [الحجر: 9] وقال تعالى لإظهار إعجازه، وعجز غيره: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء:88]
والناظر في القرآن الكريم يلحظ بما لا يدع مجالا للشك وجوها كثيرة من وجوه الإعجاز سواء الإعجاز البياني واللغوي والتشريعي والعلمي والتاريخي والغيبي...الذي يؤكد للقاصي والداني على أن هذا القرآن هو كلام الله الخالد..
بل إن كل آية تمثل معجزة قائمة بذاتها في التعبير عما في هذا الكون من أسرار، أو في اشتمالها على أوجه كثيرة للإعجاز...
لذلك فإن قضية الإعجاز القرآني من القضايا المهمة التي يجب أن تفرد لها مساحات زمنية وورقية كبيرة في وسائل الإعلام؛ لتبصير المسلمين بإعجاز كتابهم الخالد أمام تيارات الكفر والإلحاد والتشكيك وبيان أنه بكر ومتجدد دائم العطاء هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لتفنيد الشبهات التي قد يثيرها الجاهلون به بين الحين والآخر
الإعجاز البياني:
القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه, ولا يخلق على كثرة الرد، ولذلك يقف العلماء عبر القرون- من يوم نزوله إلى الآن، وإلى أن تقوم الساعة يلتقطون من جواهره ويقتبسون من نور آياته. والقرآن كما هو بحر زاخر بالمعاني، ملئ بالأسرار، وهذا مما شجع العلماء والباحثين على مداومة النظر فيه، لم يقل واحد منهم لقد كفاني السابقون من العلماء مؤنة البحث.
والقرآن ملئ بالأسرار، عامر بالخيرات والبركات، وكل لفظة من ألفاظه درة غالية، من أي ناحية نظرت إليها أخذك بريقها، وإنما يظهر لك هذا بمقدار ما عندك من الإيمان وصدق اليقين، وحسن الإقبال على الله عز وجل ، وخير ما يعين على اقتباس نور القرآن واقتناص شوارده ومعانيه بعد التحقق من مقام العبودية لله، والتفوق في تحصل علوم القرآن.
إن سلطان القرآن على نفوس الذين يفهمونه، وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حق تلاوته، لا يساهمه فيه كلام، كما أن الكثير من حكمه ومعارفه، لم يكشف عنها اللثام، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام .
  لذلك لأردنا أن نعيش مع ددره الغالية من خلال هذا البحث المتواضع عن الإعجاز البياني في القرآن الكريم..
 يُقْصَد بالإعجاز البياني الذي يقوم على النظم: ذلكم الترتيب لكلمات القرآن في جملها من جهة، واختيار هذه الكلمات من جهة أخرى، ثم ترتيب الجمل والآيات في السورة. ويدركه صاحب السليقة دون شرح أو دلالة من أحد، ويدركه غير السليقي - سواء أكان عربيًا أم غير عربي - إذا فُسّرت له معاني القرآن. وكلمات القرآن مقدّرة خير تقدير، معبرة أفصح تعبير وأصدقه، فاختيار الكلمة في موضع دون آخر، وتقديمها في موضع دون آخر، وذكرها في موضع دون آخر، كل ذلك إعجاز. والقرآن لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية، من حيث المفردات والجمل وقوانينها العامة، بل جاء كتابًا عربيًا جاريًا على مألوف العرب من هذه الناحية، ولكن المعجز أنه مع دخوله على العرب من هذا الباب الذي عهدوه، وبلغوا الشأو الأعلى فيه، قد أعجزهم بأسلوبه الفذ، ولو دخل عليهم من غير هذا الباب الذي يعرفونه، لأمكن أن يلتمس لهم عذر أو شبه عذر، وأن يسلم لهم طعن أو شبه طعن (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ )[فصلت: 44].
يقول الدكتور / فضل حسن عباس: "..وعلى الرغم من أننا نؤمن أن للقرآن وجوهاً للإعجاز لكن أصلها الإعجاز البياني، ثم إن هذا الإعجاز البياني عام في آي القرآن جميعه، بينما أنواع الإعجاز القرآني الأخرى: التشريعي، والعلمي ليست عامة ولم ترد في كل الآيات، هذه ناحية، ثم إن الأصل في الإعجاز العلمي والتشريعي أنه إعجاز بياني، فمثلاً: لماذا قال القرآن في سورة التكوير) إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت) وفي سورة الانفطار قال: (إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت)، فحينما تحدث عن النجوم قال (انكدرت) وحينما تحدث عن الكواكب قال (انتثرت). نحن حينما ننظر إلى هذه الناحية ننظر لها من زاويتين: البيانية أولاً ثم العلمية ثانياً، نحن نعرف أن الانكدار للأجسام المضيئة، فانكدر بمعنى أن الضوء خَفَتْ، بينما الانتثار للأجسام الصلبة التي لا إضاءة فيها، مثلما يُكسر كأس الزجاج فنقول: انتثرت أجزاؤه على الأرض. من هنا ندرك السر العلمي في القرآن بأن عبّر عن النجوم بالانكدار وعن الكواكب بالانتثار، لأن النجوم أجسام مضيئة والكواكب مرتبطة بالأرض. وعليه أقول : إننا يجب أن لا نهمل هذه الأنواع من الإعجاز لكن أهمها وأعمّها الإعجاز البياني...
إن القرآن الكريم ليس بشعر ولا نثر ، بل هو قرآن كريم نسيج وحده ، لذلك سلّمت العرب ببلاغته وفصاحته ، ففي عصر أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) وبعد انتهاء حروب الردة ، قدم وفد من بني حنيفة ، إلى المدينة المنورة ، فقال أبو بكر : أسمعونا شيئاً من كتاب مسيلمة الكذاب ، فقالوا كان يقول                                                          :
[ يا ضفدع بنت ضفدعين ، لحسن ما تنقين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، نصفك في الماء ونصفك في الطين ، امكثي في الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين ] وكان يقول: [يا أيها الجائع ، اشرب لبناً تشبع ، ولا تضرب الذي لا ينفع] ، فقال أبو بكر                     :
إن لله وإنا إليه راجعون ، ويحكم أي كلام هذا ، لقد استرجع أبو بكر ، إذن هناك حالة وفاة ، فمن مات ؟؟ لقد مات ذوقهم الأدبي ، وماتت فصاحتهم وبلاغتهم ، لذلك قال : " ويحكم أي كلام هذا                                                                            .
   عموما فإن الإعجاز البياني للقرآن الكريم ملازم له في كل وقت وحين ، منذ أن نزل به الوحي الأمين على قلب رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، هذا من جهة الإعجاز البياني .
تاريخ المنهج البياني:
وهو المنهج الذي تدور مباحثه حول بلاغة القرآن في صوره البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وتمثيل ووصل وفصل وما يتفرع عن ذلك من استعمال حقيقي أو استخدام مجازي أو استدراك لفظي، أو استجلاء للصورة أو تقويم للبنية، أو تحقيق في العلاقات اللفظية والمعنوية أو كشف للدلالات الحالية والمقالية. والبحث في هذا الجانب يعد بحثاً أصيلاً في جوهر الإعجاز القرآني ومؤشراً دقيقاً في البلاغة القرآنية.
يقول الدكتور / محمد حسين الصغير: وقد بدأ هذا الفن -في جملة من أسراره- الجاحظ (ت: 255ه‍(، فخصص كثيراً من مباحثه في كتابه (نظم القرآن) إلى استيفاء جمال العبارة، واستخراج ما فيها من مجاز وتشبيه بمعانيهما الواسعة غير المحددة، إلا أن هذا العرض من قبل الجاحظ جاء مجزءاً ومفرقاً ولم يكن متفرغاً للقرآن كله بل لبعض من آياته _كما يبدو _ وذلك من خلال معالجاته البيانية في "نظم القرآن" والبيان والتبيين. حتى إذا برز الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت: 471ه‍(، في كتابيه: "دلائل الاعجاز" و "أسرار البلاغة" فكانت الحال مختلفة، فالجرجاني عالم واسع الثقافة، مرهف الحس، متوقد الذكاء، وقد استخدم ذلك في استنباط الأصول الاستعارية والأبعاد التشبيهية، والمعالم المجازية لآيات القرآن الكريم، وأخضعها باعتبارها نماذج حية للتطبيق العلمي، وهذه النماذج تتضح بها معاني القرآن في صوره البيانية، وجوانبه الفنية، فهو أوسع بكثير من الجاحظ في هذا المضمار، إلا أن الصورة التكاملية للقرآن مفقودة في كلا الكتابين على عظم قدرهما البلاغي، ومفتقرة إلى السعة لتشمل القرآن أجمع، حتى إذا جاء جار الله الزمخشري (ت: 538ه‍(، فتح لنا عمق دراسة جديدة في البلاغة القرآنية التطبيقية، انتظمت على ما ابتكره عبد القاهر الجرجاني، وما أضافه هو من نكت بلاغية، ومعان إعجازية، اعتمدت المناخ الفني فعدَّ تفسيره المسمى "الكشاف عن حقائق التنـزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" كنزاً من المعارف لا تنتهي فرائده، وقد تجلى فيه ما أضافه من دلالات جمالية في نظم المعاني، وما بحثه من المعاني الثانوية في تقديم العبارة وعائدية الضمائر، والتركيب اللغوي، وتعلق العبارة بعضها ببعض من وجهة نظر بلاغية تعتمد على عنايته بالكناية والاستعارة والتشبيه والمجاز والتمثيل والتقديم والتأخير، عناية فائقة فهو يفصل القول في الفروق المميزة بينها، ويشير من خلالها إلى المعاني الثابتة، وهو كثير التنقل بالألفاظ القرآنية من الحقيقة إلى المجاز، إذا كان المعنى الحقيقي يختلف عن نظريات المذهب المعتزلي وصميم أفكاره "ونكاد نقول: إنّ خير تفسير في العربية تحدث في بلاغة القرآن، وإعجازه وسر نظمه وروعة أدائه هو تفسير الزمخشري. وامتاز الزمخشري على عبد القاهر. إن عبد القاهر قد وجه عنايته بنظريته إلى المعاني ومدى علاقتها بالنظم، ولم يعر أهمية لبديع القرآن، بينما اهتم بذلك الزمخشري وجعله أساساً يندرج تحت مفهوم البيان باعتبار البديع أشكالاً وقوالب وصوراً، تفنن بها القرآن وأبرزها على نحو فني تتميز به أساليب القول.
وبعد هذا، فلا نغالي إذا قلنا: إنّ الزمخشري من أوائل العلماء البلاغيين الذي كرسوا الجهد في الكشاف لاستجلاء الإعجاز من خلال الاستعمال البياني في التفسير، وله لقطات أجاد بها في كثير من المواضع..
وقد سار على نهج الزمخشري في استجلاء الصور البيانية للقرآن الكريم جمع من المعاصرين، وتفوق عليه بعضهم بتحقيق أجزاء من الصورة الفنية للقرآن التي ترسم المواقف، وتصور المشاهد، وتشخص العقليات، حتى عاد ما كتب حديثاً، منهجاً جديداً في إضافته يمثله كل من:
1_ الاستاذ أمين الخولي في: محاضرات في الأمثال القرآنية ألقاها على طلبة الدراسات العليا في كلية الاداب جامعة القاهرة/ مخطوط.
2_ الدكتورة عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطىء" في:
التفسير البياني للقرآن الكريم.
الإعجاز البياني للقرآن الكريم.
3_ محمد حسين علي الصغير في:
الصورة الفنية في المثل القرآني/ دراسة نقدية وبلاغية .
وبعد هذا العرض الموجز لتاريخ المنهج البياني نوضح ما يحتاج إليه المتصدي للتفسير البياني بصورة موجزة:
إن الذي يتصدى للتفسير البياني يحتاج ما يحتاج إليه المتصدي للتفسير العام، إلا أن به حاجة أكثر إلى الأمور الآتية:
1ـ التبحر في علم اللغة.
2ـ التبحر في علم التصريف.
3ـ التبحر في علم النحو.
4ـ التبحر في علوم البلاغة.
وبعبارة موجزة (التبحر في علوم اللغة العربية) فلا تغني المعرفة اليسيرة، بل ينبغي للمفسر البياني أن يكون على اطلاع واسع في علوم اللغة.
جاء في (البرهان): "وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسير شيء من الكتاب العزيز، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها، فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين"..
وجاء في (الإتقان) أن المفسر يحتاج إلى التبحر في لسان العرب.
وجاء فيه أيضا أن المفسر يحتاج إلى اللغة والنحو والتصريف لأن به تعريف الأبنية والصيغ والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع.
تعريف إعجاز القرآن الكريم
القرآن في اللغة : مأخوذ مِن قرأ -مرادف للقراءة- ، ومنه قوله تعالى : ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) (القيامة:18)
وفي الاصطلاح : هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر صورة منه، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس.¨ قال تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82) فهو إذن كلام الله .
وقد تكفل الله بحفظه من التحريف الذي لحق بالكتب التي سبقت قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).
يقول الشيخ حسنين مخلوف: "ومعجزة القرآن أعظم المعجزات على الإطلاق قدرا، وأبهرها إعجازا، وأدومها بقاء، لم يؤت رسول مثلها، إذ هو كلام الله المنزل على عبده وخاتم رسله وأفضل خلقه محمد (صلى الله عليه وسلم) آيات بينات وبراهين ساطعات، وأحكاما وحكما وأمثالا، وعظات بالغات، وهدى ونورا، وفرقانا بين الحق والباطل، وحجة قائمة، ودعوة خالدة، ورسالة عامة إلى الخلق كافة".
والإعجاز: مأخوذ من التعجيز والتثبيط والنسبة إلى العجز ، يقال أعجزه الشيء أي فاته ، ومنه قوله تعالى : (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (المائدة:31)
ويقال معجزة النبي (صلى الله عليه وسلم) أي ما أعجز به الخصم عند التحدي ..
حال العرب قبل و بعد نزول القرآن :
لقد عجزت العرب رغم فصاحتهم بالإتيان بمثله لما فيه من حسن بلاغة وقوة في المعاني وبراعة الألفاظ ودقة التشبيه وحسن ترابط وتسلسل ورغم ذلك كان بلسان عربي بليغ ومبين ، قال تعالى : ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) - الشعراء 195 ، وأعجزت بلاغته فصحاء قريش وخطباءها ، فاتهموا محمداً (صلى الله هليه وسلم) بأنه شاعر ثم سرعان ما رأوا أنه ليس بشعر ، قال تعالى : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يّـس:69) ، ثم قالوا إنه ساحر كما فعل الوليد بن المغيرة ، فقال تعالى على لسانه : ( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) - المدثر 23-25 ، ثم قالوا إنه كاهناً تارة وتارة إتهموه بالجنون ، قال تعالى : ( فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُون * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) ٍ- الطور29-3. ، ومنهم من قال إنه يقول أساطير الأولين ، قال تعالى : ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) - القلم 15 ، كل هذا بكفرهم وعنادهم وقد استيقنت أنفسهم بأنه من عند الله وعرفوا أنه الحق ولكن الكبر وإتباع الآباء والخوف على الجاه والمكان بين الناس منعهم من قبوله.
يقول الشيخ الشعراوي –رحمه الله- : "الذي حدث أنهم انبهروا.. ذهلوا.. وهم ملوك البلاغة والفصاحة وأساطينها.. فجاءهم كلام أعجزهم.. وجدوا أنفسهم عاجزين.. فتخبطوا.. قالوا ساحر.. قالوا مجنون.. وقالوا أشياء لا تخضع لأي منطق.. والقرآن يواصل التحدي أن يأتوا بمثله.. ثم يمعن في التحدي ليقول بعشر سور.. ثم يمعن في التحدي ليقول سورة من مثله.. كان هذا هو أول إعجاز للقرآن.. معجزة تحدت القوم الذين نزل فيهم بما نبغوا فيه ..".
ولما ألقيت الآيات الأولى من القرآن على قوم ما كان مقتنع بأنه حق، آت من الله، فلم تزل آياته تتابع، فيطمئن إلى صدقها الفرد ثم الفرد والجماعة ثم الجماعة، حتى انسلخت عن عداد المكذبين المرتابين جمهرة من المطمئنين المصدقين ، هم الذين هاجروا وآوا ونصروا الإعلاء كلمة الله ، فكانت دعوة القرآن هي العامل في تكوين تلك الأحداث التي التي تولد منها التاريخ الإسلامي.
ثم تبدلت حال العرب بعد الإسلام وأصبحوا أمة علم وقوة وسلطان ورفعهم الإسلام إلى أعلى المنازل حيث إختارهم الله من بين الأمم ليكونوا حملة الإسلام إلى العالم فنالوا ذلك الشرف وكانوا خير مبلغين وتوسعت رقعة الدولة الإسلامية حتى فتحت للنبي (صلى الله عليه وسلم) قصور كسرى وقيصر وحكموا العالم وأعزهم الله بنوره نور الإسلام وأصبحوا قادة العالم وفي الآخرة أنالهم الله شرف أن يكونوا شهداء على الناس ، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة:143)
إنه القرآن الذي يخاطب العقل والقلب معاً ، فتجد له وقعاً على كليهما ، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونورا ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين) ( يونس: 57 ) ، وقال : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) (الاسراء:82) ، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله ، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) ( الأعراف 185 )، وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبَّت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ( النحل 102) ، كما جعله مصدر راحة وإطمئنان للمؤمن ، قال تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ( الرعد 28 )، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقاءه ، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن ، وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى .
الإيقاع المنتظم للقرآن الكريم:
لقد جاء القرآن معجزا في بلاغته وبيانه منتظم الإيقاع جعل كفار قريش يتهمون محمداً بالسحر مرة ومرة بالشعر ومرة بالكهانة ، قال تعالى : (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) (يونس:76) ، ومن ذلك ما نسمعه عندما نقرأ سورة القمر مثلاً ، ولنستمع لروعة البيان ومزمار من مزامير داود ، ولنتلو سورة الرحمن ونستمع لما يعجز المتنبئ وأبي فراس وأحمد شوقي وغيرهم عن الإتيان بكلام كهذا.. فكلام الله تعالى لا يأتيه الباطل ولا يخلق من كثرة الرد ، فعن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به). من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى الصراط المستقيم.
ولا شك أن المعاني التي تضمنها القرآن المعجز والتي سداها ولحمتها من الحق الخالد أساس لهذا الإعجاز.. فتصوير المعنى الصادق حتى يبرز في الحروف كما يبرز الجمال الإنساني في أبهى حلله، وحتى ينتقل سناه إلى الأفئدة نفاذا أخاذا – ركن ركين في خدمة الحقيقة وبسط سلطانها، وإزاحة العوائق من أمامها.
الأسرار البيانية في التكرار في القرآن المعجز:
على الرغم من أن التكرار في القرآن الكريم يعد وجها من أوجه الإعجاز البياني في في القرآن الخالد، فإنه قد تنطع بعض الملحدين فاتخذ من التكرار (إفتراء وجهلا) تكئة يعتمد عليها في النيل من الكتاب المنير..
على أن جمهورا من العلماء قد ردوا هذا المطعن، وأثبتوا بالدليل والبرهان أن التكرار إعجاز عظيم من أوجه الإعجاز القرآني..
حيث أبان العلامة السكاكي –رحمه الله- أن مرد ذلك لاختلاف المقامات الداعية إلى مجئ الآيات المكررة على هذا النسق العالي، والصياغة البليغة.. أما العلامة الزركشي–رحمه الله- فأوضح لنا الأسرار البيانية للتكرار القرآني وفوائده وأغراضه فيما يلي:
1.                                                التأكيد: حيث يأتي التكرار ليؤكد المعنى في نفوس المخاطبين
2.                                                زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، كقوله تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد0 يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) (غافر:38-39).
3.                                                طول الفصل بين أجزاء الكلام، وحينئذ يخشى نسيان الأول فيعاد الكلام تطرية له وتجديدا بعهده، كقوله تعالى: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) (النحل: 119).
4.                                                إفادة التعظيم والتهويل، كقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة) (الحاقة:1-2) (القارعة ما القارعة) (القارعة:1-2).
5.                                                الوعيد والتهديد، كقوله تعالى: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) (التكاثر:3-4). 
6.                                                التعجب،كقوله تعالى: (فقتل كيف قدر0 ثم قتل كيف قدر) (المدثر:19-20). 
7.                                                التحسر، كقوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا0 يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) (الفرقان:27-28). 
8.                                                تعدد المتعلق (كالنعم) في قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) (كما ورد في سورة الرحمن) ([xxi]).
وبعد فقد تبين لنا بوضوح أن التكرير ليس عيبا كما يدعي الملحدون؛ بل هو من دلائل الإعجاز القرآني، كما أنه إذا كان لغير التقرير فإنه يصحبه معنى تأسيسي في كل موطن. وهو أسلوب تربوي نفسي معجز, يمهد للاقناع من جهة, ويطرد النسيان من جهة أخرى، كما أنه لا تخلو منه أساليب البلغاء ([xxii]).
الإعجاز البياني في القصص القرآني:
  القصص القرآني ضرب آخر من ضروب الإعجاز في القرآن الكريم.. وبادئ ذي بدء نقرر بأنه لا مفاضلة ولا معادلة ولا موازنة بين قصص القرآن وغيره بأي حال. فقد عبر عن أحداث وقعت بدقة فائقة, وأمانة تامة، ليس فيها شيئ من الخيال بأي حال، فقد بنيت القصة بناء محكما من لبنات الحقيقة المطلقة التي لا يطوف بحماها طائف من زيغ أو تشويه، بخلاف القصص الذي يجرى على ألسنة الناس، فإنه مشوب بذلك كله، مع إفراد في الخيال – غالبًا– مبالغة في أوصاف المشاهد وأقدار الأشخاص.
  يقول الدكتور محمد بكر إسماعيل: "إن قصص القرآن الكريم قد جاء على وفق الحياة التي يحياها الناس، ولم يخرج على مألوفها، ولو جاء على غير هذا لما كان للناس التفات إليه، ولا انتفاع به، فهو وإن يكن سماوى المطلع فهو بشري الصورة، يقرأه الناس ويسمعونه، فكأنما يقرأون أطواء أنفسهم، ويسمعون همس ضمائرهم، ووسوسة خواطرهم، ومن هنا فهم يعيشون فيه، ويحيون معه. إن القصص القرآني ليس تأريخًا للبشرية على النمط الذي يسلكه علماء التاريخ والسير في تتبع الأحداث وتسلسلها، وتحليلها وتعليلها في أزمانها وأماكنها المختلفة، ولكنه قصص مختار مقتطع من التاريخ بالقدر الذي يخدم الدعوة إلى الله عز وجل، ويفتح للناس أبوابًا واسعة للتأمل والنظر، والعظة والاعتبار. على أن القدر الذي جاء به القرآن كاف في توجيه النفوس إلى ما يصلح شأنها ويقوم عوجها بأسلوب مقنع ومؤثر، شأنه في ذلك شأن القرآن كله، فالنظم القرآني معجز في تعبيره.. دقيق في تصويره.. رائع في بيانه.. وفي قصص القرآن توزيع عادل للمشاهد القصصية بين الحدث والشخصية بحسب متطلبات المقاصد السامية من عرض القصة في موطنها المناسب لها بحيث تبدو الشخصية بارزة إذا كان في بروزها عظة وعبرة، وتتلاشى أمام الحدث عندما لا يكون للشخصية تأثير مباشر على السامع، وكذلك الشأن في الأحداث التي يعرضها القرآن في قصصه إنها ليست إلا محاك اختبار تظهر فيها معادن الرجال، وتختبر بها مواطن القوة والضعف فيهم، ومنازع الإحسان والسوء منهم، بخلاف القصص البشري فإنه تغلب عليه الصبغة التاريخية، والاهتمام بإبراز معالم الشخصية على حساب الأحداث، كما أن عنصر الزمان وعنصر المكان لا يعد كل منهما من العناصر الأساسية في القصة القرآنية، لأن القصص القرآني ليس من باب التأريخ - كما أشرنا – ولكنه عظات وعبر ونصح وتوجيه، فلا يذكر فيه الزمان ولا المكان إلا إذا تعلق بذكرهما فائدة. وذكر الأسماء في القصص القرآني أمر ثانوي أيضًا، فكثير من الشخصيات التي تحدث القرآن عنها لم يذكر لنا أسماءهم كالخضر ومؤمن آل فرعون، وفرعون موسى، وعزيز مصر في قصة يوسف، والملك الذي أسلم ليوسف زمام الأمور في مصر، والذي حاج إبراهيم في ربه ... إلخ، لأن ذكر هذه الأسماء ليس هو المقصود بالذات، ولكن المقصود هو ما وقع لهم أو ما جرى على أيديهم من الأحداث التي تخدم المقاصد والأهداف التي جاء القصص من أجلها. أما أسماء أصحاب الرسالات السماية فقد كررت لأن الإيمان بهم واجب. ومن الإعجازالبياني في القصص القرآني أنك ترى القصة الواحدة تتكرر في عدة مواضع بأساليب مختلفة لحكم بالغة وأهداف سامية. فهذه الظاهرة لا تعد تكراراً في الحقيقة؛ ولكنها صور للمواقف والمشاهد المختلفة. فالتكرار الذي يحدث في بعض مشاهد القصة القرآنية يؤدي وظيفة حيوية في إبراز جوانب لا يمكن إبرازها على وجه واحد من وجوه النظم، بل لابد أن تعاد العبارة مرة ومرة لكي تحمل في كل مرة بعضًا من عناصر المشهد، وإن كانت كل عبارة منها تعطى صورة مقاربة للمشهد كله. وهكذا فالقرآن الكريم يعرض المشاهد بأبعادها وأعماقها، وحركاتها وسكناتها، بحيث يستطيع القارىء أن يعايش القصة معايشة صادقة إن كان يحمل في قلبه إيمانًا قويًا، وعقلاً ذكيًا، ونظراً ثقابًا، حتى كأنه مع أشخاص هذه القصة يشاركهم آمالهم وآلمهم ويجازبهم أقوالهم وأفعالهم. ولو جمعت القصة كلها في موطن واحد فات الكثير والكثير من مواطن العبرة والعظة ولضاعت معالم الإعجاز البياني ومناحية المختلفة، ووجوهه التي لا تتألق إلا في ظل هذا التكرار ولأشبهت القصة القرآنية القصة التاريخية التي لا تعنى إلا بإبراز الشخصيات والحوادث من غير نظر إلى الاعتبار والتوجيه. إن تكرار الأحداث القصصية في القصص القرآني هو إعجاز من إعجاز القرآن الكريم تتجلى فيه روعة الكلمة وجلالها بحيث لا يرى لها وجه في أية لغة وفي أية صورة من صور البيان يقارب هذا الوجه في جلاله وروعته وسطوته. إن هذا القصص يتميز بتعبيره الفني العجيب عن المواقف المختلفة بأساليب متنوعة تنسجم الإنسجام كله مع تلك المواقف دون أن يؤثر ذلك على الإطار العام للقصة والنسق الفريد للنظم.فأنت ترى نفسك حين ينقلك أسلوب القصص القرآني من مشهد إلى مشهد من غير أن تشعر بالنقلة أو تجد فجوة تقطع عليك حبال تفكيرك، وكأنك تجول في بستان متشابك الأغصان متماسك الأفنان. إن قصص القرآن المعجز، يعد -بالإضافة إلى إعجازه- تقويمًا للأخلاق وتزكية للنفوس وتهذيبًا للطباع من خلال ما يبثه على مسامع الناس من المواعظ والعبر.. ومن ثم فهو منهج تربوي حكيم ليس له نظير؛ لأنه تعبير عن واقع الإنسانية كلها.." ([xxiii]) ولمَ لا وهو من عند الله تعالى، الذي مزق به حواجز الغيب الثلاثة: حاجز المكان، وحاجز الزمن الماضي، وحاجز الزمن المستقبل..
الإعجاز البياني في سر النفي بـ (لن) و(لا) في القرآن
قال الله تعالى في حق اليهود: ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين( )البقرة:94- 95                                                                              (                        
وقال سبحانه في الآية الأخرى ): قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ( (الجمعة:6- 7                                  (                          
لماذا نفى الله تعالى تمني اليهود للموت في الآية الأولى بـ لن ، ونفاه في الآية الثانية بـ لا ، وما معنى لن ، ومعنى لا؟ وما الفرق بينهما؟                                           
وفي الإجابة عن ذلك                                     :         
أولاً- كان اليهود يدعون في جملة ما يدعون أن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله تعالى، وأنهم أولياء لله من دون الناس، وكان النصارى بقولون مثل قولهم هذا. وقد حكى الله تعالى ذلك عن الطائفتين، فقال جلَّ ثناؤه: (وقالوا لن يخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى) (البقرة:111). وقال في آية أخرى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه)
)المائدة:18                                                                                                      (   
ولما أراد الله تعالى أن يبطل ادعاءهم، ويبين فساد أقوالهم، ويفضح أمرهم، أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: إن صحَّ قولكم، وصدق زعمكم، وكنتم على ثقة من أنكم على حق، فتمنوا الموت؛ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة، وأنه وليٌّ لله من دون الناس، اشتاق إلى الجنة، وتمنى سرعة الوصول إليها، ليستريح من كرب الدنيا وهمها وغمها، ويصير إلى رَوْح الجنة؛ فإن الله لا بعذب أولياءه فيها. ثم أخبر تعالى عنهم مرة بقوله ) : ولن يتمنوه أبدًا ، (ومرة أخرى بقوله) ولا يتمنونه أبدًا )؛ وذلك بسبب كفرهم وعصيانهم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في اليهود : لو تمنوا الموت، لغصَّ كل إنسان بريقه، فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهوديٌّ . وفي رواية أخرى: والذي نفسي بيده، لا يقولها أحد منكم إلا غصَّ بريقه. أي : لا يقول أحد منكم- والخطاب لليهود-: أتمنى الموت. أو : ليتني أموت. فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقالوها. ولكنهم كانوا يعلمون أنهم لو قالوها، لماتوا من ساعتهم، ولحقهم الوعيد. فانكشف بذلك لمن كان مشكلاً عليه أمر اليهود يومئذ كذبهم، وبهتانهم، وبغيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهرت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجة أصحابه- رضي الله تعالى عنهم- عليهم.. ولم تزل- والحمد لله- الحجة ظاهرة عليهم، وعلى غيرهم من الملاحدة والكفرة إلى يوم الدين.                                        
ومن هنا كان هذا الإخبار من الله تعالى عن اليهود من المعجزات التي دلَّت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق رسالته؛ لأنه إخبار بالغيب. والإخبار بالغيب معجز.
ثانيًا- لقد نفى الله تعالى تمنيهم الموت في آية البقرة بـ لن فقال جل شانه: (ولن يتمنوه أبدًا ( ونفاه في آية الجمعة بـ لا ، فقال سبحانه ) ولا يتمنونه أبدًا ( فدلَّ ذلك على أن بينهما فرقًا في اللفظ، ينبني عليه فرق في المعنى.. ولكن الزمخشري في كشافه يقول: ولا فرق بين لا و لن ، في أن كل واحدة منهما نفيٌ للمستقبل؛ إلا أن في لن تأكيدًا، وتشديدًا، ليس في لا ، فأتى مرة بلفظ التأكيد، ومرة بغير لفظه.                                      
وعلَّل الفخر الرازي، وغيره لذلك بأن دعوى اليهود الأولى أعظم من دعواهم الثانية؛ لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية؛ لأن الثانية تُرَاد لحصول الأولى.. ولمَّا كانت لن أبلغ في النفي من لا ، وأقوى منها، جعلها الله تعالى لنفي الأعظم.
وجمهور النحاة والمفسرين قدماء، ومتأخرين، ومعاصرين على القول بأن لن أبلغ، وأقوى في النفي من لا ، وأن النفي بها أبديٌّ بخلاف لا.
من أسرار الإعجاز البياني : دخول الواو على لو الشرطية
قال الله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به ( (آل عمران:91)                     
ما نوع الواو الداخلة على لو في قوله تعالى ": ولو افتدى به " من الآية الكريمة السابقة، ونحوها، وما سر دخولها؟                                                         
وفي الإجابة عن ذلك نقول: هذا التركيب الذي صيغت به هذه الآية الكريمة كثير الاستعمال في القرآن الكريم. وقد كان، وما زال محطَّ خلاف، ومثار جدل بين علماء النحو والتفسير.. وحقيقته أنه مركب من عبارتين                                :
الأولى : هي جملة تامة مستقلة بذاتها؛ وهي قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا)، والثانية: هي عبارة شرطية، جُعِلت شرطًا للأولى، وقيدًا لها؛ وهي قوله تعالى) : ولو افتدى به)                                                    
وهذه العبارة الشرطية إما أن تكون مجردة من الواو؛ كما في قولنا: يعطى السائل، لو كان فقيرًا . أو تكون مقرونة بالواو؛ كما في قولنا: يعطى السائل، ولو كان غنيًا.
فالإعطاء الأول في العبارة الأولى مشروط، أو مقيَّد بكون السائل فقيرًا، وليس كذلك الإعطاء الثاني في العبارة الثانية.. والفرق بينهما : أن الأول يجري بوجود الشرط؛ لأن كون السائل فقيرًا يناسب أن يعطَى. ولهذا يُسمَّى هذا النوع من الشرط: شرطًا إيجابيًّا. وأما الإعطاء الثاني فيجري رغم وجود الشرط؛ لأن كون السائل غنيًَّا لا يناسب أن يعطَى، بخلاف الأول. ولهذا يسمى هذا النوع من الشرط: شرطًا سلبيًّا. ولكونه سلبيًّا أدخلت عليه الواو. ويمكن أن نعبِّر عن معنى هذا التركيب بقولنا: يعطى السائل رَغْمَ كونه غنيًّا. وهذا يعني أن الواو مع لو أفادت معنى: رَغْم. 
وهذا هو المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم” أعطوا السائل، ولو كان على فرس“؛ لأن كون السائل على فرس مشعرٌ بغناه. والغنى لا يناسبه الإعطاء، ولا ينسجم معه؛ ولهذا أدخلت الواو على لو، فصار معنى التركيب : أعطوا السائل رغم كونه غنيًا.
ومن هنا ينبغي أن تسمَّى هذه الواو: رَغْمِيَّة. أو: واو الرَّغْم، مع التنبيه إلى أنه لا يجوز حذفها؛ لأن حذفها يُخلُّ بمعنى الكلام، ونظمه. ألا ترى أنه لو قيل : أعطوا السائل، لو كان غنيًا، جُعِل الغنى شرطًا في الإعطاء.. وهذا خلاف المراد. وبهذا ترى أن وجود هذه الواو قبل لو حصَّن المعنى من هذا الفهم، وربط بين العبارة الشرطية، والعبارة الأولى، التي لا تنسجم معها في الدلالة انسجامًا مباشرًا.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به .( أي : لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا، رَغم افتدائه به. أو: على الرَّغم من افتدائه به.
وأنت إذا تأملت الشرط في العبارة الشرطية- وهو الافتداء بملء الأرض ذهبًا- وجدته غير ملائم، لما تقدم لو من كلام؛ وهو نفي قبول الفدية. وبيان ذلك أن الافتداء لا يرَد؛ لأن قبول الفدية واجب شرعًا، وواجب عُرفًا، وكان يلائمه أن يقبل من الكافر. ولكنه لم يقبل منه بسبب موته على الكفر.. وهذا يعني أن الافتداء لم يكن سببًا مباشرًا- أي: شرطًا- في نفي القبول، فاختلف بذلك وجها الكلام.. ومن هنا كان لا بد من إدخال الواو على لو ؛ لتقوم بوظيفة الربط بين الافتداء، وعدم القبول، الذي لا ينسجم معه في الدِّلالة، ولتجعل منهما وحدة لغوية متلاحمة، يكمل بعضها الآخر بأسلوب بديع جمع بين الإيجاز البليغ، والمعنى الرفيع، فصار معنى الآية الكريمة : إن الذين يموتون على الكفر فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا، ولو جعله فدية يفتدي به نفسه من عذاب يوم القيامة. بمعنى : أنه لن يقبل منه على الرغم من افتدائه به.
وجاءت الفاء في قوله: (فلن يقبل منه (؛ لتؤكد هذا المعنى الذي ذكرناه. وبيان ذلك : أن الفاء، التي تقع في جواب الشرط، وفي خبر الذي، أو ما يقوم مقامه، تفيد أن ما بعدها محقق الوقوع، لا محالة؛ نحو قولك: إنْ زيدٌ أتاني فله درهم- الذي يأتيني فله درهم- إن الذي يأتيني فله درهم. المعنى في ذلك كله: أن الدرهم مستحق لصاحبه عقب إتيانه. ولهذا كان المتكلم ملزمًا بدفع الدرهم، وللمخاطب الحق في المطالبة به، إن لم يدفع له. فإن نزعت الفاء من ذلك، كان المتكلم على خيار من أمره إن شاء دفع الدرهم، وإن شاء لم يدفع.
فإذا عرفت ذلك تبين لك الفرق بين هذه الآية، وبين قوله تعالى في آية أخرى في سورة آل عمران ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم) ، لم يقترن الخبر هنا بالفاء؛ لأن قبول التوبة من الذين كفروا ممكن، إن رجعوا عن كفرهم؛ لأنهم ما زالوا في الدنيا.. فتأمل هذه الفروق الدقيقة، والأسرار البديعة، في البيان الأعلى.
ولست أظن بعد هذا الذي ذكرته أن أحدًا ممن يعرف جوهر الكلام، ويدرك أسرار البيان، يمكن أن يسلم بما ذهب إليه النحاة والمفسرون من القول تارة بأن هذه الواو زائدة، وتارة أخرى بأنها عاطفة، أو حالية، وأن لو بعدها بمعنى إن الشرطية، وأنها وصلية. يريدون بذلك : أنها زائدة                                        .
وما بين لو  و إن  فرق في المعنى، لا بد من مراعاته، والوقوف عليه، ويتلخص في أن الأصل في لو أنها أداة تمنع، ثم نقلت إلى الشرط؛ وذلك من باب تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد.. ومن خواصها فرض ما ليس بواقع واقعًا. ولهذا تستعمل فيما لا يتوقع حدوثه، وفيما يمتنع حدوثه، أو فيما هو محال، أو من قبيل المحال. أما إن فهي في الأصل موضوعة للشرط، ومن خواصها أن الفعل معها ممكن الوقوع، وغير ممكن. ومن هنا لا يجوز القول بأن معنى (ولو افتدى به: ( وإن افتدى به ، كما ذهب إلى ذلك الجمهور؛ لأنه يقوم على حجة واهية، وهي زعمهم أن الفعل بعد لو لا يجوز أن يكون ماضي اللفظ، مستقبل المعنى- كما في هذه الآية- خلافًا لـ إن الشرطية. فتأمل ذلك في القرآن الكريم، تجده على ما ذكرنا، إن شاء الله. ثم تأمل بعد ذلك قول الشيخ السهيليِّ في هذه الواو الداخلة على إن الشرطية، وقارن بين التركيبين، ثم لاحظ الفرق بينهما. قال- رحمه الله- في حديث من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق ” ولو لم يكن في الكلام الواو، لكان الزنى شرطًا في دخول الجنة. ولكن الواو حصَّنت المعنى“     
([xxv]).
سر دخول اللام على جواب لو الشرطية في القرآن الكريم:
قال الله تعالى :(أفرأيتم ما تحرثون* أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون* لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكهون) (الواقعة:63- 65) وقال) : أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون) ) الواقعة:68- 7(
تضمنَّت هذه الآيات الكريمة امتنانًا عظيمًا من الله تعالى على عباده بالزرع الذي يحرثون، والماء الذي يشربون. وهي دليلٌ على عظمة الله تعالى، وكمال قدرته، ومطلق مشيئته، وشدة حاجة الخلق إليه سبحانه. وقوله تعالى) أفرأيتم ما تحرثون - أفرأيتم الماء الذي تشربون) استفهام يراد به التقرير، والتوبيخ، دلَّ عليه وجود الفاء عقِب الهمزة. ومعناه: خبروني عمَّا تحرثون من أرضكم، فتضعون فيه البذر) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) ، وعن الماء، الذي تشربون) أأنتم أنزلتموه من المزن، أم نحن المنزلون ).
والجواب الذي لا يملكون غيره في الموضعين هو قولهم: أنت- ياربنا- منبتُ الزرع من الحب، ومنزِّل الماء من السحاب، ونحن لا قدرة لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا عرفتم ذلك، وأقررتم به، فكيف تكفرون بالله العلي القدير، وأنتم تأكلون رزقه، وتشربون ماءه، ثم تعبدون غيره؟ ولمَ لا تلزمون أنفسكم الإقرار بتوحيده سبحانه، وطاعته، والتصديق بالبعث شكرًا له تعالى على نعمه، التي لا تعدن ولا تحصى عليكم؟
ونقرأ قوله تعالى ) : أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) ، فنجد فيه لمحة من لمحات الإعجاز البياني؛ حيث كان الظاهر أن يقال: أأنتم تحرثونه أم نحن الحارثون؟ أو يقال: أفرأيتم ما تزرعون؟ بدلاً من: أفرأيتم ما تحرثون؟ فيتطابق الكلامان. ولكن كلا القولين يُخِلُّ بمعنى الكلام، ونظمه.. وبيانُ ذلك أن بين الحرث، والزرع فرقًا؛ وهو أن الحرث يكون أوائل الزرع، ومقدماته، من إثارة الأرض، وطرح البذر فيها، وقد يتبع ذلك سقيُه، وتعهده بالرعاية. أما الزرع فهو ما يترتب على الحرث، من خروج النبات، وإنمائه، واستغلاظه، واستوائه على سوقه، وانعقاد الحب في سنبله. فقوله تعالى) أفرأيتم ما تحرثون) عني : أن ما تبتدئون به من الأعمال، أانتم تُبلغونها المقصود، أم الله تعالى؟ ولا يشك أحد في أن إيجاد الحب في السنبل، ليس بفعل الناس؛ وإنما هو بفعل الله العلي القدير. وفي ذلك إشارة منه سبحانه إلى البعث والنشور!
وفي قوله تعالى) لو نشاء لجعلناه حطامًا ) ،( لو نشاء جعلناه أجاجًا ( لمحة أخرى من لمحات الإعجاز البياني؛ حيث كان الظاهر أن يقال : لو شئنا، بدلاً من: لو نشاء؛ لأن(لو ( لا تدخل- عند النحاة والمفسرين- إلا على الفعل الماضي؛ فإن دخلت على فعل مستقبل، وجب تأويله بالماضي. ولهذا تأولوا ( لو نشاء ) في هاتين الآيتين، وفي غيرهما على معنى: ولو شئنا.. وعلى قولهم يكون الفعل( نشاء ) مستقبلاً في اللفظ، ماضيًا في المعنى.
ولعل الصواب في ذلك أن يقال: إن ( لو) من الأدوات الشرطية، التي تربط بين جملتين؛ بحيث تجعل بين مضمونيهما تلازمًا، لم يكن مفهومًا قبل دخولها. وهذا ما يُعبَّر عنه بالتعليق الشرطي؛ وهو نوعان: خبريٌّ، ووعديٌّ.
أما الخبريُّ فهو الذي يكون مُضَمَّنًا جوابًا لسؤال سائل: هل وقع كذا؟ أو يكون ردًّا لقول قائل: قد وقع كذا. فهذا يقتضي المُضِيُّ لفظًا، ومعنى، ولا يصِحُّ فيه الاستقبال بحال. ومن الأول قوله تعالى) فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟ قالوا: لو هدانا الله لهديناكم) (إبراهيم:11) ومن الثاني قوله تعالى) لو شئنا لآتينا كل نفس هداها) (السجدة:13). فهذا تعليق بـ( لو ) زمنه الماضي؛ لأنه خبريٌّ.
أما الوعديُّ فالغرض منه هو التعليق المحض المجرد من أيِّ معنى آخرَ. وهذا يقتضي الاستقبال، ولا يصلح فيه المُضِيُّ بحال من الأحوال؛ كما في قوله تعالى) لو نشاء ) في الآيتين السابقتين. وفي قوله تعالى في الزرع) لجعلناه حطامًا ،( ثم في قوله تعالى في الماء) جعلناه أجاجًا ( إعجاز آخر من إعجاز القرآن؛ وهو إدخال اللام في الأول، ونزعها منه في الثاني؛ فأفاد دخولها في الأول تأخير وقوع العقوبة- وهي جعل الزرع حطامًا- لعقوبة أشدَّ منها؛ كما في قوله تعالى) حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس ) (يونس:24(
وكثيرًا ما تدخل هذه اللام على جواب (لو) فتدل على المماطلة في جعله واقعًا؛ كما يشير إليه قوله تعالى في صفة الكافرين) وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) ( الأنفال:31( والزركشيُّ يسمي هذه اللام: مسبوقة . وينبغي أن تسمَّى: لام التسويف ؛ لأنها تفيد ما يفيده كلٌّ من(السين، وسوف) ، من دلالة على التسويف تارة، والمماطلة تارة أخرى في إيقاع الفعل.
أما نزعها من الثاني فيفيد التعجيل بوقوع العقوبة فورًا- وهي جعل الماء أجاجًا- أي: جعله كذلك لوقته دون تأخير. وكلا الفعلين مرتبط بمشيئة الله تعالى.. يدلك على ذلك أن قوله تعالى) لو نشاء جعلناه أجاجًا) قيل على طريقة الإخبار؛ لأن جعل الماء المشروب المنزل من المزن أجاجًا لوقته- أي: شديد الملوحة، والمرارة، والحرارة- لم يشاهد في الواقع؛ لأنه لم يقع، بخلاف جعل الزرع حطامًا- أي: يابسًا متكسرًا- فإنه كثيرًا ما وقع كونه حطامًا، بعد أن كان أخضرَ يانعًا. وهذا ما عبَّر عنه تعالى بقوله) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعًا مختلفًا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرًّا ثم يجعله حطامًا إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب) ( الزمر:21 ). فلو قيل: جعلناه حطامًا؛ كما قيل: جعلناه أجاجًا، تُوُهِّم منه الإخبار.
ومما يدل على ذلك أيضًا أن دخول اللام على جواب (لو) لا يكون إلا في الأفعال، التي لا يُتخيَّل وقوعها؛ ولهذا كان جعل الماء المنزل من المزن أجاجًا لوقته، قبل أن يصل إلى الأرض، ويستقر في أعماقها أدلَّ على قدرة الله تعالى، من جعل الزرع حطامًا، وإن كان الكل أمام قدرة الله سواء. ولهذا عقَّب سبحانه على الأول بقوله ( فظلتم تفكهون) ، وعقَّب على الثاني بقوله: (فلولا تشكرون) فتأمل هذه الأسرار البديعة، التي لا تجدها إلا في البيان الأعلى!! ([xxvi]).
سر الابتداء بالنكرة وسر العدول بها من الفتح إلى الضم في القرأن الكريم
قال الله تعالى في حق أهل الجنة) والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) (الرعد:23- 24 ) وقال سبحانه في صفة عباده) وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا) )الفرقان:63 (
ما سر ابتداء الملائكة- عليهم السلام- تحيتهم لأهل الجنة بقولهم: (سلامٌ) ، بالتنكير؟
وما الفرق بين تسليمهم، بالضم، وتسليم عباد الرحمن، بالفتح، في المعنى؟
وفي الإجابة عن ذلك نقول:
حدُّ المبتدأ- في اللغة- أن يكون معرفة. أو: نكرة مفيدة؛ وإلاَّ، فلا فائدة في الإخبار عنه. وتفيد النكرة في مواضع كثيرة؛ كأن تكون منعوتة، أو مستفهمًا عنها، أو منفية . فإن لم تكن كذلك فلا يجوز الإخبار عنها إلا أن يكون الخبر شبه جملة مقدَّم عليها؛ نحو قولنا: في العلم نورٌ، وفوق كل ذي علم عليمٌ.
وفي العربية أبواب رفعت فيها النكرة بالابتداء سوى ما ذكرنا ؛ وذلك لمعان مازجت الكلام، وأخرجته عن أن يكون خبرًا محضًا. ومن ذلك ما دخله معنى الدعاء، من المصادر، والأحداث؛ نحو قولك : سلامٌ عليكم. فـ) سلام ( مرتفع على الابتداء، وارتفاعه من وجهين:
- أحدهما أنك لما كنت داعيًا، وكان الاسم المبتدأ النكرة هو المطلوب بالدعاء، صار كالمفعول، ووقع موقعه؛ فكأنك قلت : أسال الله تعالى سلامًا عليك ، ولكنك لم تنصبه؛ كما نصبت ) سقيًا ( في قولك: سقيًا لكم؛ لأنك تريد أن تشوب الدعاء بخبر عن نفسك؛ وكأنك تريد أن تقول : سلامٌ مني عليكم. فصار السلام في حكم المنعوت بقولك) مني) فقويَ الرفع فيه على الابتداء. وهذا هو الوجه الثاني من الوجهين اللذين حسَّنا الابتداء بالنكرة، والتقديم لها.
ألا ترى أن كل من يقول: سلامٌ عليكم؛ إنما يريد أن يشعر المخاطب أنه مسلِّم، ومحيٍّ ؟
فالسلام صادرٌ منه؛ لأنه في معنى التحيَّة                               .
وليس كذلك : سقيّا لكم؛ لأن المتكلم ليس بساقٍ، وإنما هو طالبٌ السقيَ من الله تعالى للمخاطب؛ فهو مفعول. ولو كان السلام مقتصرًا على معنى الدعاء فقط، لما جاز فيه غير النصب، ولكان قولنا: سلامًا عليكم؛ كقولنا:  سقيًا لكم، في دلالة كل منهما على معنى الدعاء                                                   .          
فإذا تأملت ما ذكرناه، تبين لك أن المراد من قوله تعالى) سلامٌ عليكم بما صبرتم ( هو الدعاء لهم بالسلامة والعافية، مع السلام عليهم الذي هو عبارة عن التحيَّة .. وأن المراد من قوله تعالى) قالوا سلامًا (هو الدعاء لهم بالسلامة، فقط.
تأمل بعد ذلك كيف جاء سلام الملائكة منصوبًا، وجاء في مقابله سلام إبراهيم- عليه السلام- عليهم مرفوعًا، في قول الله تعالى) هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام)) الذاريات: 25-24).
 قال الزمخشري في كشافه: ” سلامًا- مصدر سادٌّ مَسدَّ الفعل، مستغنى به عنه، وأصله: نسلم عليك سلامًا. وأما سلامٌ فمعدول به إلى الرفع على الابتداء، وخبره محذوف، معناه: عليكم سلامٌ، للدلالة على ثبات السلام؛ كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذًا بأدب الله تعالى.. وهذا- أيضًا- من إكرامه لهم“.
وقال الشيخ السهيليُّ:” نصب الأول؛ لأنه لم يقصد الحكاية، ولكنه جعله قولاً حسنًا، وسمَّاه سلامًا؛ لأنه يؤدي معنى السلام، في رفع الوحشة ووقوع الأنس. وحكي لنا عن إبراهيم- عليه السلام- قوله ، فرفع بالابتداء ، وحصل من الفرق بين الكلامين- في حكاية هذا ورفعه ، ونصب ذلك- إشارة لطيفة ، وفائدة شريفة ؛ وهو أن السلام من دين الإسلام، والإسلام ملة إبراهيم- عليه السلام- وقد أمرنا بالاتباع ، والاقتداء به ؛ فحُكيَ لنا قوله ، ولم يحك لنا قول أضيافه؛ إذ لا فائدة في تعريف كيفيَّته ، وإنما الفائدة في تبيين قول إبراهيم ، وكيفيَّة تحيَّته ، ليقع الاقتداء به“. 
فإذا عرفت ذلك أدركت سر البيان في تسليم الله تعالى على أنبيائه- عليهم السلام- برفع السلام، وتنكيره. ومن ذلك قوله تعالى في التسليم على نوح- عليه السلام) سلامٌ على نوح في العالمين) ) الصافات:79 ( فهذا سلام من الله تعالى على نبيه نوح- عليه السلام- تضمن معنيين: أحدهما: التحيَّة. والثاني: الدعاء له بالسلامة، وثبوتهما في العالمين جميعًا. بمعنى: أن لا يخلو أحد منهم منها؛ كأنه قيل: ثبَّت الله تعالى التسليم على نوح- عليه السلام- وأدامه في الملائكة، والثقلين، يسلمون عليه من آخرهم.
تأمل بعد ذلك كله قول الله تعالى في جزاء المؤمنين الصابرين) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامًا) ) الفرقان :75).
 ومن ثم نكون قد تعرفنا على الفرق بين السلام الذي يراد به التحية، والسلام الذي يراد به مجرد الدعاء بالسلامة([xxvii]).
لقطات من أسرار الإعجاز البياني في القرآن
السر البياني في مجيء لفظ السماء مجموعًا ومفردًا ، خلافًًا للفظ الأرض
قال الله جل جلاله ) : أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) ( الأنبياء:3).. وقال عز من قائل : (وفي السماء رزقكم وما توعدون* فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون) (الذاريات:22- 23).
والسؤال الذي يتردد كثيرًا : لماذا جاء لفظ السماء في القرآن الكريم مجموعًا تارة؛ كما في آية الأنعام السابقة، وجاء مفردًا تارة أخرى؛ كما في آية الذاريات، خلافًا للفظ الأرض الذي لم يرد في القرآن الكريم إلا مفردًا؟
والجواب عن ذلك من وجهين:
 أحدهما لفظيٌّ. والآخر معنويٌّ.
1- فأما الوجه اللفظيُّ فإن لفظ السماء هو اسم جنس، يطلق على المقابل للأرض. والأصل فيه التأنيث؛ كقوله تعالى) إذا السماء انشقت ) (الانشقاق:1 ( وقد يُذَكَّر؛ كقوله تعالى) السماء منفطر به ) (المزمل:18 (. ويستعمل للواحد؛ كما في الآيات السابقة، وللجمع؛ كما في قوله تعالى) ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ) (البقرة:29(
ويطلق لفظ السماء ويراد به العلوُّ. قال بعضهم: كل سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض؛ إلا السماء العليا فإنها سماء بلا أرض.. أما لفظ الأرض- وإن كان اسم جنس مؤنث، يطلق على الجرم المقابل للسماء- فإنه في الأصل مصدر لقولك: أرَضَ، على وزن فعَل؛ كضرب. ويُعبَّر به عن أسفل الشيء؛ كما يعبَّر بالسماء عن أعلى الشيء.                               
ويماثل الأرض في لفظها: السَّفْل، والتحْت؛ وهما لا يثنَّيان، ولا يجمعان. ويأتي في مقابلهما: الفوق، والعلو؛ وهما كذلك، لا يثنَّيان، ولا يجمعان؛ لأن المصادر لا تثنى، ولا تجمع، خلافًا للأسماء.. ولهذا جمع لفظ السماء، ولم يجمع لفظ الأرض.                                      
أما قولهم: الأراضي، والأرَضون فهما خلاف القياس. يضاف إلى ذلك أنه ليس فيهما من الفصاحة والعذوبة ما في لفظ السموات، بدليل أنك تجد السمع ينبو عنهما بقدر ما يستحسن لفظ السموات.. فلفظ السموات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته، وعذوبته. أما لفظ الأراضي، أو الأرضون فلا يأذن له السمع إلا على كره.                      2- وأما الوجه المعنوي فإن الكلام متى اعتُمِد به على السماء المحسوسة، التي هي السقف الرفيع، وقُصِد به إلى ذاتها، دون معنى الوصف ، صحَّ جمعها.. ومتى اعتمِد الكلام على معنى الوصف- أي : معنى العلو والرفعة- جيء بلفظها مفردًا.. أما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت، والسفل- أي: معنى الوصف- دون أن يقصَد ذواتها وأعدادها. ولهذا جاء لفظها في القرآن مفردًا.                                                                                          فإذا جاءت الأرض مقصودًا بها الذات والعدد، جيء بلفظ يدل على التعدد؛ كما في قوله تعالى) الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا) (الطلاق: 12)
وقد قيل في تفسير هذه الآية: إن الأرض واحدة، وأن المماثلة بينها، وبين السماوات في التركيب والخصائص. وقيل) في الإبداع والإحكام): والصحيح الذي عليه الجمهور أنها سبع، وأن المماثلة بينها، وبين السماوات في التعدد، وفي كونها طباقًا بعضها فوق بعض. هذا ما نصَّت عليه الآية الكريمة، وأيدته الأحاديث الشريفة، وأكده العلم الحديث. فأرضنا هذه التي نعيش فوقها هي سبع أرضين، بعضها فوق بعض، وليست أرضًا واحدة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
الانتصارات الأهم في عام الحسم
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: جُوْدُ مُتَصَعْلِك بكل ما يملك
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث: شجاعة الاعتراف بالأخطاء
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانيسجون.. ومفارقات..!!
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالبكاء على الأطلال
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
كاتب/عبد الرحمن الراشدهل فقدت أشرطة بن لادن سحرها؟
كاتب/عبد الرحمن الراشد
كلمة  26 سبتمبرشهر التوبة والغفران
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد