الجمعة 23-08-2019 18:12:08 م
مشكلة ارتفاع الاسعار في اليمن.. الاسباب والمعالجات
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 12 سنة و شهرين و 12 يوماً
الأحد 10 يونيو-حزيران 2007 03:50 م
الارتفاع في الاسعار إما أن يتم بشكل كلي أو جزئي. فالارتفاع الكلي هو ارتفاع أسعار كل السلع أو على الاقل معظمها، أما الارتفاع الجزئي فهو ارتفاع أسعار عدد قليل من السلع فقط.. فالأول يسمى "التضخم" وهو من الأمراض الاقتصادية الخطيرة لأنه يسبب العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية الضارة. إن علاج هذا النوع من الارتفاع أكثر صعوبة وتكلفة. أما التغير في أسعار عدد قليل من السلع فهو أمر طبيعي يحدث في كل الدنيا وفي كل الاوقات «تذبذب أسعار النفط والطماطم والقات».
من الواضح أن هناك سوء فهم عند الحديث عن ارتفاع الاسعار في اليمن. فالبعض يخلط بين النوعين فيقيس ارتفاع الاسعار الكلي باستخدام معلومات عن ارتفاع الاسعار الجزئي فيبالغ في ذلك، إن ادعاءات البعض بأن ارتفاع الاسعار قد فاق أكثر من 100% هو نتيجة لهذا الخطأ. ولا شك أن التعامل مع ارتفاع الاسعار في اليمن على هذا النحو غير مجدٍ بل مضر لأنه قد يؤدي إلى التهويل والتخويف الأمر الذي قد يزيد من تفاقم المشكلة بدلا من حلها.
وكذلك فقد وقعت اخطاء كبيرة من قبل العديد ممن أدلوا برأيهم في هذا الموضوع سواء من حيث أسباب الارتفاع في الاسعار أو من حيث المعالجات المقترحة.
إن التحليل الموضوعي لقاعدة الاقتصاد اليمني سيمكننا من معرفة الاسباب الحقيقية ومن ثم اقتراح المعالجات المناسبة وفقاً لذلك. فالمؤشرات الاولية حول الانتاج في عام 2006م والانتاج المتوقع في عام 2007م لا تشير إلى حدوث أي تطورات سلبية يمكن أن تفسر لنا ارتفاع الاسعار على هذا النحو. فقد كان حجم الاستثمار في عام 2006م أكبر من حجمه في السنوات السابقة. فالاستثمار العام قد زاد بما لا يقل عن 20% عن مستواه في عام 2005م. ومن المؤكد أن الاستثمار الخاص في عام 2006م هو الآخر قد ارتفع كنتيجة مباشرة لزيادة الاستثمار العام وكنتيجة غير مباشرة لزيادة الدعم المقدم من المانحين والمنظمات الدولية. ومما يؤيد ذلك ارتفاع نسبة السحب من القروض والمساعدات.
لم يشهد عام 2006م أي تغيرات مناخية مهمة «جفاف وفيضانات» مما يشير إلى تحسن الانتاج الزراعي. ولم يحدث أي انخفاض كبير في كمية الانتاج النفطي خلال عام 2006م وإن كان ذلك قد حدث في بداية عام 2007م. بل على العكس فقد ارتفعت أسعار النفط في عام 2006م عما كانت عليه في عام 2005م ومن المتوقع أن تستمر قريبة من هذه المستويات في عام 2007م.
كل المؤشرات تدل على تحسن الاداء المالي في عام 2006م فقد حققت الموازنة العامة فائضا. وعند تنفيذ موازنة عام 2006م واعتمادها الاضافي تم توخي زيادة الاستثمارات العامة وتمكين الجهات من الوفاء بالتزاماتها وخصوصاً في مجالات الطرق والتربية والتعليم والقطاع الخاص. ونتيجة لذلك فقد انتهت موازنة عام 2006م وهناك فائض في حساب الحكومة العامة يزيد عن 170 مليار ريال على الرغم من عدم إصدار أي أذون خزانة جديدة. أي أنه لم يحدث أي تطور في الجوانب المالية يترتب عليه أي ارتفاع في الاسعار.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها السلطات النقدية إلا أنه كان عليها القيام بجهود إضافية للحد من نسبة الارتفاع في الاسعار والعمل على تهيئة الظروف المناسبة لعدم حدوث ارتفاعات كبيرة في المستقبل.
فسوق النقد الاجنبي في اليمن ما زال ضعيفا ومرتبكا، إذ لا توجد فيه مؤسسات قادرة على تحديد أسعاره أو على منع التلاعب في صفقاته. وذلك نتيجة للتأثير الكبير للصرافين ومحدودية تأثير البنوك التجارية والمؤسسات المالية الأخرى، ولمعالجة ذلك فإنه لابد من تحديث وتطوير نظام المدفوعات الداخلية بهدف تقصير فترة المقاصة وأتمت إجراءاتها المعتمدة بشكل كبير على الطريقة اليدوية.
كان من الممكن تنويع وتطوير أدوات سوق النقد الاجنبي. فما زال الوضع على ما كان عليه في عام 1997م عندما بدئ اصدار أذون الخزانة. فما زال التعامل بأذون الخزانة قاصرا على البنك المركزي ولم يتم تشجيع البنوك والمؤسسات المالية والنقدية الأخرى على التعامل بها بيعا وشراء وبشكل يومي.
لقد كانت الظروف في عام 2000م مواتية لتحرير سعر الفائدة. ولو حدث ذلك لكان البنك المركزي قد حرر نفسه من هذا القيد ولكان قادراً على استخدامها كوسيلة لمعرفة مايجري في سوق النقود ومؤشراً على اتجاهات مستويات الاسعار مستقبلاً. فبالإضافة إلى ذلك فإن تثبيت الفائدة قد منع البنك المركزي من تطوير واستخدام بعض السياسات والإجراءات الوقائية.
لقد نجح البنك المركزي في زيادة الاحتياطيات لكن طريقته في التدخل في سوق النقد الأجنبي قد أدت إلى تحويل سعر صرف الريال من سعر صرف معوَّم مقابل جميع العملات إلى سعر صرف شبه مثبت مقابل الدولار. وعندما تدهورت قيمة الدولار مقابل اليورو تدهورت قيمة الريال مقابل اليورو، وبما أن اليمن تستورد معظم احتياجاتها من المناطق المتعاملة باليورو فإن أسعار هذه السلع قد ارتفعت مما تسبب في ارتفاع أسعار هذه السلع والخدمات وكذلك السلع والخدمات المحلية.
تشير مؤشرات موازين المدفوعات إلى أنها مستقرة في الوقت الحاضر على الرغم من حدوث تطورات يمكن أن توثر عليها سلباً، فعلى الرغم من أن نسب الزيادة في الواردات والصادرات في عام 2006م كانت قريبة مما كان متوقعاً لها إلا أنه قد حدثت زيادة في أسعار بعض السلع الاساسية نتيجة لظواهر الجفاف والفيضانات في بعض مناطق العالم المنتجة لهذه السلع. وكذلك فقد كانت هناك زيادة أسعار بعض السلع المستوردة نتيجة لرفع الدول المصدرة لها الدعم عنها نتيجة لمتطلبات منظمات التجارة العالمية.
وقد ترافق مع هذه العوامل تعرض الرأي العام لكم هائل من المعلومات غير الدقيقة والمضللة حول مقدار وطبيعة الارتفاع في الأسعار. فقد خلطت احزاب المعارضة بين نسبة الزيادة في أسعار بعض السلع، والخدمات ونسبة الزيادة في أسعار كل السلع نتج عن ذلك المبالغة في تصوير الارتفاع في الأسعار بشكل عام.
وقد تعمد القطاع التجاري الربط بين الارتفاع في الأسعار وتطبيق ضريبة المبيعات. وترتب على هذه المعلومات المغلوطة تكالب المستهلكين على تخزين كميات كبيرة من السلع تفوق احتياجاتهم الحقيقية وإلى تعمد بعض تجار التجزئة عدم عرضها للبيع.
وانطلاقا من هذا التحليل فإن ارتفاع الاسعار كان نتيجة لارتفاع أسعار بعض السلع المستوردة دوليا ولعدم استخدام البنك المركزي سياسة نقدية صارمة وللمعلومات المضللة.
وعلى هذا الاساس فإن السيطرة على ارتفاع الأسعار تتطلب توخي احزاب المعارضة ووسائل الإعلام التابعة لها أو المتعاطفة معها الدقة في المعلومات التي تبثها حول الاسعار. وعلى الحكومة أن تكون صادقة في التعامل مع هذا الموضوع من خلال التنسيق مع البنك المركزي حول السياسات المناسبة لمنع استمرار التصاعد في الاسعار، وتوضيح الاسباب الحقيقية لها.