عبدالعزيز المقالح
يتساءل البعض عن السر الذي جعل الكاتب والروائي والقصصي الكبير زيد دماج يتجاوز المحلية الى العربية، والاجابة تكمن في مقدرة زيد على استيعاب الخصوصية المحلية بقدر عال من الصفاء والبساطة العميقة والنجاح في تقديم الواقع المحلي بطريقة جمالية فيها الكثير من الدقة والعمق.
لم يحاول زيد في قصصه وفي روايته الوحيدة الرهينة ان يكون عالمياً بالمفهوم السطحي للعالمية كان يكتب عن باريس وسويسرا و السويد، ولكنه تحدث عن طاهش الحوبان، وعلى بن علي العائد من البحر، وعن سمسرة ورده، وعن عكفة الامام والمدفع الاصفر في قلعة تعز الى آخر هذه المشاهد المغمورة بمياه الواقع المحلي بكل خصائصه وتفاصيله.. ومن هنا دخل زيد العالمية من اوسع الابواب.
وزيد يشبه في هذا المنحى الروائي الكبير نجيب محفوظ الذي قفز الى العالمية من خلال رواياته التي لم تخرج شخصياتها عن محيط مدينة القاهرة، وربما عن بعض حاراتها القديمة، لكنه عرف كيف يجعل القارئ يتنسم عبق ترابها وحكايات ناسها وما تضج به حياتهم من افراح واحزان ومقاومة وسلبية، وكانت النتيجة ان اوصلته تلك المحلية المفرطة في خصوصيتها الى العالمية ومنها الى جائزة نوبل. لم يكن النقاد ولا الصداقات او الشللية الادبية هي التي صنعت الروائي الكبير نجيب محفوظ وبالمقابل فان موهبة زيد دماج وابداعه الادبي المميز هما اللذان اخرجاه من المحلية الى العربية ومنها الى العالمية. وفي امكان كل مبدع موهوب وقادر على التقاط التجربة الانسانية في محيطه ان يصل الى ما وصل اليه نجيب محفوظ وزيد مطيع دماج وامثالهما.
كان زيد طالباً في جامعة القاهرة عندما تعرفت عليه لاول مرة، وكان قد بدا في كتابة القصة القصيرة معتمداً في موضوعاتها على ما اختزنته ذاكرته القوية من المشهد الوطني وواقع هذا المشهد الذي يشكل مادة خصبة بالغة الثراء للمبدع الموهوب الذي يعرف أين تكمن الصورة القادرة على شد انتباه القارئ عربياً كان هذا القارئ أو اجنبياً دون حاجة الى فصل الحقيقة عن الخيال .. ومن المؤكد ان فكرة المحلية والعالمية لم تكن واردة في ذهنه وهو يغترف من الواقع المحلي شخوصه ووقائع هذه الشخوص، كما انه كان ابعد ما يكون عن نقل الواقع في «فوتوغرافية» باهتة وسطحية على نحو ما كان يفعله بعض كتاب الواقعية في الاربعينيات والخمسينات من القرن العشرين وانما احب بلاده وفنها وصنع من مزيج الحب هذا اعمالاً ادبية اثارت كل هذا الاهتمام في الداخل والخارج ومن أناس لم يعرفوا زيداً ولم يكونوا في قائمة اصدقائه.
منذ فترة كنت اقلب في مجلة (المصور) المصرية، وهي واحدة من المجلات التي احرص -منذ الستينات- على متابعة ما تنشره عن الادب والادباء ولفت انتباهي عنوان مقال تذكرت معه زيداً والعنوان هو (العائد من البحر) جزء من عنوان قصة معروفة من مجموعة طاهش الحوبان، وما كدت امص في القراءة حتى ادركت ان المقال عن زيد وعن قصته (علي بن علي العائد من البحر) والمقال بقلم الاديبة والاعلامية المعروفة (مرفت رجب) التي تكتب في المصور مقالاً اسبوعياً تحت عنوان ثابت (بدون احراج) وقد احتفظت بالمقال الخاص بزيد لكي يعاد نشره في ذكرى رحيله في مثل هذه الايام من ستة اعوام تبدو في غيابة ثقيلة مملة وخالية من حديثه الراقي الجذاب.
ان سطور المقال البديع الذي كتبته الاستاذة «مرفت» تذكرني بالعشرات ممن زاروا اليمن، وفي اعماقهم رغبة جارفة الى التعرف على البلد الذي خرج منه زيد وكتب عنه اعمالاً ادبية تثير الاعجاب والانبهار والمتعة. بعض هؤلاء لم يكن يدري ان المنية قد اختطفته من بيننا بعد صراع عنيف.. أول ما يسألون عنه كيف يستطيعون اللقاء به ثم لاتلبث ملامح الصدمة والالم ان تغمر وجوههم حين يعلمون انه صار في رحاب الله بعيداً عن هذا العالم الذي كان قاسياً واصبح بعد رحيله اكثر قسوة ومرارة.