صحيفة 26سبتمبر
استخدم الشاعر في هذه القصيدة مراحل تطورالشعرالعربي فبدأ بالعصر الجاهلي والاسلامي ايام عمرو بن معدي كرب في شكل القصيدة ثم انتقل للموشحات
طالعتنا «26سبتمبر» في عددها (1210) عبر رحاب هذه الصفحة بقصيدة للشاعر السعودي عبدالله الفيفي بعنوان «فارق التوقيت بين غرناطة ومجريط» ومن قراءتي للقصيدة كان لحرف الدال اشارات سيمولوجية حاولت ان أقرأ تلك الاشارات في سياق القراءة للقصيدة..
وعند الدخول للقصيدة يجب ان نتوقف عند قول الشاعر :
إذا لم تستطع شيئاً فخذه
ولاتجتزه فهو سيستطيعُ
فالفيفي جاء بحكمة جديدة خالفت من تأثر به وهو الشاعر اليمني الفارس عمرو بن معدي كرب حيث يقول عمرو :
إذا لم تستطع شيئاً فدعه
وجاوزه إلى ماتستطيعُ
علي احمد عبده قاسم
فالفيفي يخالفة لأنه يقول : إذا لم يكن لدينا القدرة على فعل امر ما - فعلينا ان نأخذه ونحن لانستطيع عليه وله والأخذ هنا قد يكون أخذاً لتجربة نستفيد منها في حياتنا او اخذ الأمر برمته ونترك مسؤولية القدرة على الشيء نفسه ولذلك عبر الضمير الغائب «هو» وأتى بالفعل المضارع المتحرك المسبوق بالسين زيادة في الاستمرارية والحراك والقرب وكأن الشاعر سيحول ضميرالغائب الى حضور وخطاب جديد ومباشر كمثل الضمائر«نحن - أنت- أنا» والتي وردت في القصيدة لاحقاً لتكشف عن الارادة والتأني حتى لا يحدث الزللُ.
ولعل الأمرالذي يمتلك القدرة والاستطاعة يكون الزمن أو الشعر او تحولات الزمن وتقلباته.
وعندما خالف الشاعر من سبقه مخالفة في المضمون أراد ان يعطي رسالة موجهة للمتلقي ان الضعيف لايصنع شيئاً وان حكمة عمرو فيها شيء من الضعف وباعتباران التحدي وقوة العزيمة تخلق أموراً اشبه بالمستحيل.
ولقد جاء الشاعر بعد ذلك بعبارة «جدارية» والجدارية في لغة الفن التشكيلي مايرسم الفنانون عليها ملحمة فنية وتميز بالجذريات كثير من الفنانين امثال : مايكل انجلو التي صارت مزاراً لكثير من المهتمين.
وقد يرى الشاعران قصيدته ملحمة فنية شعرية او ان الشعر عبارة عن مرسم للشعراء والذين يمتلكون قدرات خلاقة في رسم الصور بالألوان التي تشكلها الحروف استجابة للحالة التي يقع فيها الشاعر واذا ما عدنا مرة اخرى لتأثر الشاعر بعمرو بن معدي كرب فإنه يكشف لنا عن حبه له او ان يريد الكشف ان اليمن مهد للعرب جميعاً وانه من هذا الاصل العريق بطريقة او بأخرى او يريد ان يقول ان الشعر العربي القديم هو الاساس لتطور الشعر بكافة مراحله.
وإذا تناولنا بؤرة القصيدة فإننا سنلحظ ان الشاعر يتحدث عن ماضٍ مغمور بالحب والخيرات وفيه الأمل الذي يتحقق دوماً ويحدث التحول ويموت الخير والحب ولكنه على ثقة ان ما انتهى سيعود ففي بداية القصيدة يقول :
صرخت بالهوى إذ رمت أجلي
شاهتي «وأنثنت» طفلة المقلِ
من رأى بيننا فتنة الغزل
ففي البيت يعبرالشاعر عما يشبه الخلود لذلك يرغب في موته كمثل الذي يصرخ بالهواء فيحدث الضوضاء ويتعب الصارخ فقط، وجاء بالفعل صرَّخت مضعفاً العين ليدل على كثرة الصريخ ولم يبرز الفاعل لأن أراد تغييب فعله وهذا يجرنا الى شيء آخر من الذي لايموت؟ أظن أنه الشعرالذي يقوله الشاعر في كثير من المواقف المختلفة.. ومن الذي قصد أجله؟ هل طفلة المقلِ؟
ولكن عيناهما تدل على البراءة فكيف ترمي أجله؟ أم أنها الشاة؟ ايضاً الشاة لها من الوداعة والبركة وقد يكون رمي أجله يعني به التحول والغياب للارض الذي يتحدث وكيف كانت فتنة الغزل؟ تأتي فتنة الغزل واضحة كما في الابيات :
وشهاب الزمن الآفل ينداح ضياءً وجداء
وعلى ثهمد يلتاث كطيفين نواساً وغناء
وعيوناً سحباً تهطل خيلاً وخيالاً ولقاء
وتساميت بآكامكِ كرماً ونضالاً وغناء
فأتيناك فرادى بخطى تلتحف العشق سماء
وإذا كانت الابيات تعكس لنا مجموعة من الايحاءات كمثل الآتي «الضياء - الغناء- الرقص - الأمطار الشعر - اللقاء- الكبرياء -الكرم- النداء - القوة- الكبرياء». من أجل هذه المميزات قصدها القاصدون زرافات وجماعات كما جاء في البيت الاخير ثم يقص علينا الشاعرالاستقرار والامن والحب في تلك الارض حيث قال :
وتعلقتُ لغة الهوى قلباً تدله وأستهام
أمر الأوان زمانها فهفت حمامات السلام
فتعانقا... ماغاض بالصفواء ينبوع الغرام
وبعد ذلك يتحدث عن التحول والتغير في تلك الارض والذي حدث بعد مجيئ الغراب.. وإذا كان رمزاً للشؤم والموت والاحباط في القصيدة وعند الناس عامة فلقد جاء ليكون فاصلاً مابين الخير والشر.
وفي ذات عصر تسور طيف الغراب الجدارا
غريب المحيا قريب الحميا تدلى فدارا
ومرَّ على العاشقين يراود جاراً فجارا
ودار... ودار... ودار... ودار... ودارا
فإذا قرأنا حروف الدال في المقطع الأول من القصيدة نكتشف انها جميعها تدل على الخير والسكينة والحب والسعادة فمن الالفاظ التي اشتملت على حرف الدال في ذلك (حداء - ينداح - تدله- نداء - دفئاً- وعد) وإذا قارنا بين هذه الالفاظ والالفاظ التي جاءت في الابيات التي تلى سنلحظ انها تشير الى التقلب والاضطراب والفوراق والتحول فلفظ (دار) تكررت خمس مرات ولها دلالات منها ان الدارالمنزل والمثوى والمكان و(دار) من الفعل داراذا تحول وتعني ايضاً الدوران والاضطراب وجاءت الكلمة الاخيرة مسندة لألف الاثنين (دارا) فهل يعني الاسناد تغيرالزمن وحلول الشر مكان الخير أم انه تحول العاشق عن المعشوق وبُعدهما عن بعضهما.
أما اذا تأملنا كلمة (الجدار) فهي ترسل الينا الصلابة للحاجز وامتناعه ولفظ (الجدار) ونصفها يساوي حروف لفظ (دار).
ومن الألفاظ الاخرى التي اشتملت على حرف الدال (تدلى - يراود) الى جانب ما يشير اليه الفعلان من حركة فإن التدلي يعني الاقتراب كثيراً وان كان مازال مرتفعاً إلاّ انه قريب من متناول اليد والمراودة تعطي ماتشيراليه المساومة والمحاولة والمداهنة وان ذلك الغراب غريب وقريب وجاء في القصيدة حروفٌ للدال اخرى في المقطع الثالث من القصيدة وهي تعطي اشارة أخرى للتحول والتغيير ومن ذلك :
دمعه «د» ماء «د» ماء
مدى -الدال - تدول - الدول
يولد - وثم دال - دائماً
فماذا يريد الشاعر من وراء هذه الالفاظ؟ أظن انه يريد ان دموعه قد تمزج بالدم وانه حزين ام يريد القول ان شعره ممزوج بالدم خاصة عند البكاء؟ أو انه يريد القول شعره له القدرة على التغيير ام انه يريد ان يطرح علينا ان الشعر متغير؟ ام يرمي الى ان التغيير ظاهرة كونية ودوام الحال من المحال وان استمر الحال سيأتي الموت الذي يرشقه التداول وقصر العمر وبذلك يتغير الحال باعتباران الموت اداة تغيير للكون كله.
وإذا تأملنا الأفعال التي استخدمها الشاعر في القصيدة خاصة في وسطها فهي :(جار- دار- دال - راد) سنعرف مباشرة انها افعال ثلاثية معتلة وأصلها في المعجم (جور- دور- دول - رود) بمعنى ان الفعل متغير وغير ثابت وبالرغم من التكثيف الدلالي لهذه الافعال إلاّ اننا نعرف انها وأمثالها من الافعال يحدث عليها حذف وقلب في حالات صرفية كثيرة منها عند صوغ اسم الفاعل واسم المفعول فالواو يتحول الى همزة وعند صوغ اسم المفعول يحذف واو مفعول او يدغم ويصبح على وزن (مفَعَل) وبعض هذه الافعال تدل على التقلب والاضطراب فمصدر (دار) دوراناً وكذلك الفعل (راد) معكوسها الفعل (دار) ولكي يتضح المقطع اكثرنورد ابياته :
والبارحات مرَّت ياحبيبي.. والحب مرَّ
كأغنيات معول
تسيل في مدارج الفضاء
عطشى تسيل دمعه (د) ماء
أقلت ماء أم «د» ماء
وثم دال ترشق الحياة بلثمة الفناء
ففي مدى الدال تدول بيننا الدول
أما اذا انتقلنا الى دلالة الاسطورة وهي طائر المعول الذي يستمطرالسماء ويصيح فإذا نزلت قطرات المطر خرجت منه وقد تحولت الى دماء.. فإذا كان الطائر هو الشاعر فهل شعره لايأتي إلاّ وقد تحول الى حزن.. ودماء؟ او ان شعره مرتبط بالخيرفالمطراشارة للخير والرغد او انه يريد ثورة ادبية نهضوية بدلالة اللون الاحمر الذي هو لون الدماء - لاسيما انه ذكرفي سطر من القصيدة حلماً يرجوه وهو رؤية الشعر ذائعاً منتشراً حيث يقول :
ليشرئب عن دفاتره غصنه
ولو بعد حين
ويقول في سطر آخر من القصيدة :
«وفي ذات عصر تسورطيف غراب الجدار»
فلم يذكر الشاعر الغراب الحقيقي ولكنه قال «طيف غراب» فهل الطيف انسان شؤم ام انه غراب حقيقي ام انه شعر جاء من شاعر يتشاعر عليه؟ ام طيف الغرب اشارة للتغير وحلول الشر مكان الخير ولكن التسور كان في ذات عصر وقد يكون في زمن من الازمنة التي يطلق عليها عصور؟
والشاعر يتحدث متأثراً بقصة القرآن التي وردت في سورة (ص) التي حكت نبأ الخصم الذين تسوروا المحراب وفزع منهم داوود عليه السلام.
قال تعالى :«خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا سواء الصراط» تتمة الآية «ان اخي هذا له تسع وتسعون ولي نعجة واحدة» صدق الله العظيم.
فأتى الحكم سريعاً من داوود بالآية التي تقول «لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه»..
فهل للشاعر خصم بغى عليه واخذ منه ما ليس له؟ او ان هناك من له؟ وقد يكون هناك من اصدر حكماً سريعاً عليه من خلال عرض دعوى المدعي او القصيدة جاءت لتحكي قضية يجب علينا الوقوف عندها واصدارالحكم عليها لفصل تنازع ما.
ومما يلفت النظر ان الشاعر يقول (وبين راحتيك نامت احجيات الحب والغناء) فهو يسمي الشعر بالاماجي والالغاز وفي مكان آخر من القصيدة يقول : انه يريد ان يرتفع الشعر من دفاتر السنين وهذه الصياغة تجرنا الى امرين : اما ان الشاعر مايزال يمتلك من الشعر الكثيرالذي لم يكتب له الظهور والشعر به من الترميز والابهام الكثير والأمر ان الشاعر يريد ان يذكرنا بالفردوس ارض الاندلس والتي عاش بها العرب بضعة قرون واقاموا دولة اسلامية مازال اثرها في الحضارة الحديثة لليوم.. والشاعر يكون كمثل طائر المعول الذي يشكو قحطاً طبيعياً والاندلس تشكو قحطاً ثقافياً عربياً لاسيما والشاعر اشار لذلك بعنوان القصيدة «فارق التوقيت بين غرناطة والجريط» وقد يقصد بالقصيدة كلها ذهاب الحضارة العربية الاسلامية من الاندلس الدولة العربية والتي تحولت قرون من الزمن الى دولة اوروبية صرفة وتعد الغراب رمزاً لاندثارالاندلس من ايدي العرب ودخول اوروبا مرة اخرى اليها.
وانتهى الحب والغناء من تلك الارض التي ملأت المشاعر بالموشحات وملأت الدور بشتى صنوف العلوم ايضاً مما يسترعي الانتباه والتكثيف الدلالي للالفاظ والصور في القصيدة مما يعني ان القصيدة ليست قراءتها هذه القراءة الاولى والاخيرة لاسيما والمتلقي قد يدركها بشكل آخر حسب الثقافة والفكر.
فإذا نظرنا الى الالفاظ (دار- جار- مرَّ - نرد - نحن) فلفظ الدار قد سبق قراءتها اما الجار فقد يكون من الجوار او الجور بمعنى الظلم وكذلك مرَّ من المرور والعبور وقد يكون المر عكس الحلو وكذلك نرد من الرد والاعادة او من الاراد والعزيمة والضمير (نحن) ضمير متكلمين ولكن استخدام نفس الحروف بمعنى الحنين والشوق (نَحّنُ).
وهذا يعكس قدرة لغوية بارعة وسعة اطلاع واسعة وقدرة شعرية متميزة خاصة وقد استخدم الشاعر في هذه القصيدة مراحل تطور الشعر العربي فبدأ بالعصر الجاهلي والاسلامي ايام عمرو بن معدي كرب في شكل القصيدة ثم انتقل للموشحات حيث بدأ القصيدة (صرخت بالهوى... اذ رمت اجلي)
ثم ينتقل للرومانسية بما يشبه قصيدة السيد آدم أغداً القاك وكأنه ينتظر غداً مشرقاً ينداح منه الادب والفكر ثم يأتي بالشعر الذي يشبه الشعر النبطي (البارحات مرَّت ياحبيبي... والحب) ثم يأخذ الحديث عامة- وكأنه يقول ان القصيدة لديه ليست شكلاً فالتجديد في الصورة واللفظ والتركيب عامة سواءً كان في القديم او الحديث فقد يكون هناك من الشعراء القدامى منهم في قمة الحداثة ولكن لم يلتفت اليهم النقاد بعد.
وإذا تأملنا العلامات التي استخدمت في القصيدة كانت علامة الحذف (........) وعلامة التنصيص «» الهلالين الصغيرين.. والشاعر لم يستخدم هذين اعتباطاً ولكن استخدم ذلك وهو يدرك مايرمي اليه ذوقه وانه يرمي الى شيء يقصده من هاتين العلامتين فإذا درسنا علامة الحذف فما المحذوف؟ قد يكون المحذوف الزمن الذي كان مليئاً بالحب والخير والسلام وقد يكون المحذوف ارض الاندلس التي ولت من الخريطة العربية والاسلامية وتحولت الى ارض اوروبية ومازال عطاؤها الفكري متدفقاً لليوم.. او ان المحذوف الخير وحلول القحط الثقافي والفكري والهوية الحقيقية التي يجب ان يكون عليها العرب جميعاً.. ولعل المحذوف التدفق العاطفي الذي كان قبل التحول والتغير مابين الحبيب والمحبوب.
اما العلامة الثانية « » فهي تدل على النص المستقل بذاته والمأخوذ من غيره وقد ورد في هذه العلامة حرف الدال «د» فهل الحرف مستقل بذاته مأخوذ من غيره؟ وان كان مأخوذاً فمم اخذ؟ قد يكون اخذ الشاعر من «دَوَلَ» وهي التناوب والتتابع يعني الزمن وقد يكون اخذها من الدماء، او اخذها من «دور» التي بمعني الدار والمكان والمثوى وهي المنزل ويكون الزمن لأنه اور د في القصيدة مدى ودائماً الظرفية وقد يريد بذلك استقلالية حرف الدال لان له القدرة على التحويل والتبديل باعتبار ان الشاعر اورد قوله : وفي مدى - الدال - تدول بيننا الدولُ.