عباس الديلمي
هذه هي الشمعة التاسعة عشرة، أضأناها وسط مباهج وافراح عمَّت الوطن بأكمله، احتفالاً بعام جديد من عمر العلم الخالد خلود اليمن في جزيرة العرب.
في العيد الثامن عشر للوحدة المباركة، وامتلاك الهوية السياسية الواحدة لليمن.. ونحن نشعل الشمعة التاسعة عشرة، ما اشبهنا بالمزارع الذي يقف وسط حقله المليء بالسنابل الخيَّرة، فيسعده ويشرح صدره ما اثمرت جهوده فيدفعه ذلكم الشعور الى المزيد من العناية بحقله، فيتجول في ارجائه مزيلاً ما هناك من أعشاب ضارة، ونبت طفيلي، ويصلح قنوات ريه وتنقية تربته ثم يرفع قامته ليمسح حبيبات من العرق، ويمتع بصره بمنظر الحقل وخضرته، ويستدعي ذكرياته حلوها ومرّها.. وهو يعمل ويبذل الجهد المتواصل من أجل تحقيق ما يراه أمامه حقيقة وثمرة طيبة.
ها نحن في عيد أعيادنا نجد خلال ساعات الفرح ما يمكننا من التأمل واستدعاء ذكريات نسعد باسترجاعها بغض النظر عمَّا إذا كانت حلوةً أو مرةً.. ما دامت النتيجة بين أيادينا ثمرةً ونصراً وانجازاً نفخر به.
نتذكر كيف كانت الوحدة وامتلاك الهوية السياسية لوطننا، همنا جميعاً وما نتسابق من أجله ، وندلل به على ان التوجه الوحدوي هو ما يتصدر البرهنة على الولاء للوطن والحرص على خير أجياله.
كانت الوحدة هي ميدان التنافس لرفض ظروف واحداث سياسية ومطامع استعمارية جعلت من وطننا أو من اليمن - أرضاً لا إنساناً- شطرين ونظامين وهويتين لكل منهما إيديولوجيتها.. لأن شرخ التشطير الذي أصاب الأرض لم يصل الى الإنسان والبنية الثقافية.
كانت الوحدة ميدان التنافس وحماسه وقوته، حتى عندما كنا نتنافس كنظامين في مجالات التنمية، والإبداع، والعمل الجماهيري كانت الوحدة ما نستمد منه الحماس.
بل عندما كنا نتواجه عسكرياً كنظامين كنا نبرر ذلكم الاقتتال بأنه من أجل توحيد الوطن، وعندما كان يحاول طرف أن يؤذي طرفاً آخر بالعنف أو بأعمال تخريبية كان ذلك يتم باسم العمل من أجل إزالة عراقيل توحيد الوطن.
وهكذا كانت الوحدة، وغسل عار التشطير، وامتلاك الهوية السياسية الواحدة.. الشيء الذي لا تفريط فيه والهدف النبيل الذي يسعى كل طرف لكسب الجماهير وتأييدها من خلاله، حتى وان حدث اقتتال أو تراشقات إعلامية.
كل ذلك لشعور الجميع أن الطرف الخاسر هو الذي لا يؤمن بوحدة الوطن ولا يعمل من أجلها.. ولأن الجماهير عبر أجيال متعاقبة كانت ترى أن الخروج عن مبدأ الوحدة النبيل كفر أو في منزلة الكفر.. والخيانة، ولهذا كان المتردد أو من لا يؤمن بذلك كمن ابتلي في دينه وخلقه.. يستر بلواه ولا يجرؤ أن يظهرها حتى لأقرب الناس إليه..تلك هي بعض الذكريات التي يصطادها الخاطر ونحن نحتفي بالعيد الثامن عشر على استعادة وحدة وطننا التي رفع علمها في يوم خالد خلود الزمن، وكم هو حري بكل متهور وأحمق أن يدرك جيداً أن وحدة الوطن هي ملك لشعب بأكمله ولأجيال متعاقبة.. وإنها أكبر من أن تكون وسيلة للادعاء والمزايدة والتوظيف للمصالح الشخصية.