الخميس 09 سبتمبر-أيلول 2010

[ رقم العدد: 1396 ]  [ الموضوع: شئون عربية ]  [ رقم الصفحة: 21 ]  [ طباعة ] [ إرسال إلى صديق ] [ رجوع ]

خالد بن ققة

تنتابني مشاعر مليئة بالحيرة والحزن تارة وبالفرح والأمل تارة أخرى حين يؤرقني التذّكر لثورة هزّت العالم كلّه في زمن عطائها وفي انتصارها, وحرّكت الوجدان العربي, وأدرك أهميتها في ذلك التجاوب الإنساني من كل الأجناس والملل, مثلما أعرف أهميتها في الكتابات التي جسّدت بعضا من تفاعل أبناء الشعب معها والعرب جيمعهم, خصوصا الكتابات التي تروي حياة العامة, التي هي حياتنا جميعا, الأمر الذي ينتهي بنا إلى القول: أن تنشيط الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري  ولكل الشعوب العربية  يمر عبر تلك الكتابات, ولو عمل جميع المهتمين بالشأن العام على التأكيد عليها وشرحها للأجيال الراهنة, ما غرقت دولنا العربية - الجزائر خاصة - لسنوات في بحور الدماء, وربما كناّ أقرب إلى المودة وأبعد عن الفتنة والإرهاب.
هذه العودة أو التأمل جاءت من مطالعتي لكتاب جديد حمل عنوان لقبش.. سيرة ذاتية لحليب الطفولة» للكاتب والشاعر الجزائري عياش يحياوي الذي يعد في الوقت الرّاهن مرجعا في التراث الإماراتي, هو في جغرافية الماضي القريب من «الحضنة» وفي زمن الإدارة الجزائرية الحديثة من «المسيلة, وتحديداً من «عين الخضراء», ابن بار لقبيلة «أولاد  درّاج», وليعذرني القارئ عن ذكر هذه المعلومات فالدولة الجزائرية أكبر من أن تذكر الولاية أو المنطقة أو حتى القبيلة بدلا عنها, لكن الهدف من ذلك سرد الذكريات الخاصة التي يرويها عيّاش, باعتبارها ذكرياته الخاصة وذكرياتنا نحن جميعا, لذلك أراه محقا حين كتب لي في إهدائه: « هذه ليست طفولتي وحدي.. إنها طفولتنا.. طفولة جيل الإصرار والمعاناة والصبر»
  كتاب لقبش - الذي نشر هذا الأسبوع في الإمارت و سيطبع قريبا في الجزائر- ليس سيرة ذاتية أو ترجمة لحياة أحد أبناء الشهداء فحسب, إنما هو أيضا قصة المكان والزمان وفعل الإنسان, فقد أعاد الكاتب إحياء مفردات كثيرة غابت من حياتنا وأمثلة وعبراً كشفت عن دفء العلاقات بيننا, والأكثر من هذا جسّدت جزءا من  تاريخنا الثقافي والاجتماعي العربي, خصوصا في منطقة الحضنة, لذلك أجدني أحس بالانتماء إليها مع أني من واحات وادي ريغ , ربما لكون أصولي تعود إلى القبائل البدوية التي كانت تسكن الصحراء شتاء وترحل إلى التل صيفا بحثا  عن الهواء والكلأ والماء والرزق.. إذن عيّاش يروي تاريخنا الثقافي والإجتماعي, وكأنه يقول: إياكم والنسيان؟!
  في فقرة مؤثرة تختصر الوصف والتاريخ يتكلم عياش عن أطفال الثورة قائلا: «..إنهم أطفال من طراز آخر, حفاة, عراة, ما يأكلون كسرة القمح, تربّت بطونهم على أكل «الرّطباية» و«الرّقداية», لا يعرفون ماذا يوجد خلف حدود القرية ويحلمون بيوم يأكلون فيه الخبز والزلابيّة, لكنّهم أطفال ثوار, عيونهم أبدا مشدودة إلى زرقة الجبال, حيث يكافح رجال الجزائر من أجل الاستقلال»
  بالتأكيد أن كلّ الذين هم في سننا اليوم يدركون معنى هذا الكلام, ولاشك أنه أيضا يهز وجدانهم إلى تلك الأيام من تاريخنا, لهذا أرى من الضروري أن تروى حياة لقبش وغيره لأبنائنا, حتى يخشوشنوا, لأن الحضارة لا تدوم, وقد عايشنا السنوات الماضية هزة كبرى كادت أن تعصف بنا وتقتلعنا من الجذور لولا ذلك الإرث التاريخي الجهادي, الذي أوصلنا إلى الاستقلال, ورأينا تبعات ذلك في كثير من الدّول العربية الأخرى  وكان علينا أن نتحرّر أيضا من هوى النفس وطغيانها,لنعود إلى حيث الطعم الأول للاستقلال الذي يقول عنه عياش: « كانت كلمة الاستقلال مشحونة بسحر عجيب يهز النفس والجسد معا, وترتعش له الأرض والسماء معا, كأنها مطر غزير قادم من بعيد إلى أرض ألهبها العطش, كانت دنيا أخرى, ياحسرتاه..على ذلك الزمان ورجاله»
 ما أروع العودة إلى ذلك الماضي بما فيه من ألم, ففيه كان التمييز محددا للرؤية, حتى أن الحب لجيش التحرير الوطني وصل إلى درجة التضحية, حب يمثل الثقافة وإدراك المكان ومعرفة كنه الأشياء, للنظر للطفل لقبش, كيف كان يتحرّك ضمن ثقافة الثورة, وهو يلقّن بثقافة مبكرّة لمعنى الحفاظ على الجيش,هو ابن الشهيد الذي ذاق الويلات بعد استشهاد والده, حيث يقول في مذكّراته: «كان النمل مقسّما عنده- يقصد نفسه حين كان طفلا- إلى نمل جيش التحرير, و نمل عسكر فرنسا, ويذكر الآن انه كلّما كان يعثر على غار النمل المعادي خرّبه وقتل ما فيه, وإذا عثر على النّمل المجاهد فتّت له ما عنده من تمر أو كسرة ليتقّوت ويزداد قوّة»
  من يقرأ هذه الفقرة العابرة, وللعلم جاءت في بعض تجارب المسلمين الأخرى,الإيرانيين مثلا, لتكشف تصنيف النمل على أساس مذهبي, يدرك على الفور خلفية الثقافة العسكرية لدى الجزائريين, ورؤيتهم لدور الجيش في حياتهم وتسميته بجيش التحرير, ثم بالجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال, وأتصور أن هذا ينطبق على كل الجيوش العربيّة التي قامت بالثورات أو حاربت من أجل الوحدة, والاستقرار, قبل أن ندخل في عهد الديمقراطية, حيث الحروب ضد الجيوش تعتبر المدخل الأساسي لهدم الدول, في الوقت الذي تقوم الديمقراطيات الغربيّة على عسكرة المجتمعات.
  بالعودة إلى كتاب « لقبش» مرّة أخرى تتضح لنا أهمية هذه الذكريات في حياتنا العربيّة, ف(عيّاش) ظهر فيه ابن بار  بتاريخ  بلاده وشعبها مثلما هو بار بأمه «مباركة بنت سي نعمان» التي روت له في حوار حميمي , جاء في مستهل الكتاب, تاريخ الجزائر الذي هو هام وفاعل ضمن التاريخ العربي.. لقد قرأت كلماتها بعين الابن, فأحسست, وحسب مطالعاتي للتاريخ الاجتماعي والثقافي العربي, كأني أجالس بدوية في سيناء مصر, أو فلسطينية في غزّة, أو يمنية في صنعاء, أو عمانية في أعالي الجبل الأخضر أو امرأة من الجزيرة العربية في صحراء نجد, أو عراقية من المنطقة الغربية.. إنه الإحساس بتاريخ المجتمعات العربية في زمن العزة رغم الفقر والتخلف والحرب, من ينساه أو يتجاهله, سيكون خارج التاريخ, ومن عالم الأموات.

(#) كاتب وصحفي جزائري
benguega@hotmail.com



[ طباعة  طباعة ]      [ إرسال إلى صديق  إرسال إلى صديق ] [ رجوع ]

جميع الحقوق محفوظة © 2005-2010 صحيفة 26سبتمبر
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.176 ثانية
أعلى الصفحة