نافذة على الاحداث:اهمية ارساء قاعدة تعايش سلمي عربية
كاتب/احمد ناصر الشريف
كاتب/احمد ناصر الشريف

لا نلوم الاخوان المسلمين على إخفاق تجربتهم في الحكم لأنهم جزء من تركيبة معقدة في العالم العربي مايزال فيه الوعي السياسي والقبول بالآخر متأخراً ولذلك فقد تحققت حرفياً مقولة الرئيس الراحل محمد انور السادات الذي قال في احدى خطاباته: ان الاخوان المسلمين يجب ان يحاكموا بسبب غبائهم السياسي.. لم أكن أتصور ان طرفاً سياسياً يصل الى الحكم بإرادة شعبية وبعد تجارب فاشلة لحكم العسكر والقوميين والاشتراكيين وكنا نعتقد انه سيحدث ثورة تغيير كبرى ويثبت للشعوب كطرف مدني وصل إلى الحكم عبر الانتخابات وليس عبر انقلاب عسكري بأن العرب بخير وانهم قادرون على مجاراة الدول المتقدمة في الحكم واشاعة الحرية والديمقراطية .
لكن مع الأسف الشديد فإن الطبع الذي تطبع به العرب قد سيطر على فكرهم الأحادي وما يقال عبر الشعارات المرفوعة من كلاماً معسول يتم من خلاله دغدغة عواطف الجماهير لكسب تعاطفها وثقتها ليس إلا كلام لذر الرماد على العيون بينما الافعال من قبل حكامها وانظمتها تخالف الأقوال .. لقد كانت المراهنة كبيرة جداً على جماعات الاخوان المسلمين في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن لاحداث نقلة نوعية في الحكم وبالتحديد في مصر التي ظلت فيها هذه الجماعة ملاحقة ومعرض قادتها للاعتقال والسجون فترة طويلة جداً وخاصة من بعد قيام ثورة 23 يوليو في مصر بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر عام 1952م حيث اختلفوا معه وانقلبوا عليه وهو الأمر الذي جعله يصدر قراراً بحل جماعة الاخوان وحظرها.. ومنذ تلك الفترة ظلت تمارس عملها السياسي سراً.. ورغم الانفراجة التي حدثت لها في عهد الرئيس الراحل انور السادات الذي أطلق قادتها من السجون للاستعانة بهم ضد التيار الناصري إلا انهم سرعان ما اختلفوا معه وأعيدوا الى السجون مرة اخرى.
وفي عهد الرئيس المطاح به محمد حسني مبارك الذي استمر حكمه ثلاثين عاماً ظل الاخوان يمارسون عملهم السياسي على استحياء تحت مسميات مختلفة ووصلوا الى عضوية مجلس الشعب اكثر من مرة لكنهم كانوا غير مؤثرين في المجلس كونهم اقلية داخله.. وعندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011م وجدوها فرصة لا تعوض فشاركوا فيها بقوة ووضعوا كل ثقلهم خلف هذه الثورة التي أعادت لهم الاعتبار ولأول مرة يشكلون لهم حزباً سياسياً في تاريخهم.. وبحكم انهم اكبر قوة سياسية مؤثرة حينها واكتسبت تعاطف الجماهير فقد برزت اثناء الانتخابات مدغدغة عواطف الناس بشعاراتها ومطلقة الوعود لاحداث التغيير واشاعة الحرية والديمقراطية.
ولأن جماعة الاخوان عانت كثيراً خلال اكثر من تسعين عاماً منذ تأسيسها على يد الشيخ حسن البناء عام 1928م وما تعرضت له خلال هذه الفترة من ملاحقات واعتقالات لقادتها فقد تعاطف الشعب المصري معها وصوت لمرشحها في الانتخابات الرئاسية الدكتور محمد مرسي لا سيما وان منافسه كان احمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المطاح به حسني مبارك وخشية من ان يفوز احمد شفيق فيتم انتاج نظام مبارك من جديد فقد وضعت المعارضة المصرية بكل اتجاهاتها السياسية والفكرية ثقلها خلف الدكتور محمد مرسي لضمان فوزه بالرئاسة وقطع الطريق على منافسه وهذا ما حدث.
وقد كان الشعب المصري يعلق أملاً كبيراً على وصول الاخوان المسلمين الى الحكم باعتبار انهم لم يجربوا من قبل كغيرهم من القوى السياسية الأخرى وان معارضتهم الطويلة للأنظمة السابقة قد أكسبتهم تجربة سياسية عميقة وخبرة ادارية جيدة.. إضافة الى ان خطابهم السياسي والاعلامي وحتى الديني كان يصب في هذا الاتجاه وهو مازاد الشعب المصري ثقة بهم .. لكن كما هو حال من سبقهم في الحكم من العسكريين والقوميين والاشتراكيين لم يكادوا يستقروا فيه حتى اختصروا كل شيء في انفسهم فتعاملوا مع الشعب المصري وكأنه جناح تابع للاخوان المسلمين مطلوب منه السمع والطاعة ولم يتعاملوا معه كشعب عريق تمتد حضارته الى سبعة آلاف سنة تتعايش فيه الديانات والمذاهب والاتجاهات السياسية والفكرية المختلفة وهو ما يذكرنا بتلك المقولة الشهيرة للرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول باني فرنسا الحديثة حين سألوه من هو الرجل القادر على حكم فرنسا؟ فقال أن فرنسا تنتج اربعمائة نوع من الجبن وكل نوع منها له خاصيته والذي يستطيع ان يأكل من كل هذه الانواع ولا يصاب بالامساك او يشكو من الهضم فإنه القادر على حكم فرنسا.
والمعنى في هذه العبارة واضح فالجنرال ديغول يقصد ان فرنسا تعيش حالة من التنوع حيث يوجد بداخلها العرقيات والديانات والمذاهب والاتجاهات السياسية المختلفة ومن يستطيع ان يتعامل مع كل هذه الاختلافات بحكمة فهو القادر على الاستمرار في الحكم.. وهذا ما كان يجب ان يطبقه الدكتور محمد مرسي الرئيس الذي تم عزله وإيداعه السجن فتوفاه الله فيه وعلى اساس إرساء قاعدة التعايش السلمي والقبول بالآخر.. لكن مع الأسف فقد تعامل خلال فترة رئاسته القصيرة كما تقتضي سياسة الاخوان على اساس انه رئيس للاخوان وليس للشعب المصري بكل فئاته المختلفة فضلاً عن انه كان يعلم جيداً ان نسبة 48% من اصوات الناخبين قالت له: لا .. وهذه النسبة الكبيرة تشكل له ولحكمه معارضة قوية كان عليه ان يتعامل معها بحكمة ولا يستفزها بإصدار قرارات تخرجها تماماً من المعادلة السياسية وتشعرها بأنها اصبحت رقماً مفقوداً فكانت النتيجة كارثية حيث خرجت الجماهير بكثافة كبيرة جداً تطالب بإسقاط حكم الاخوان ولم يمض عليهم في الحكم سوى عام واحد وسحبت الشرعية منهم التي مُنحوها في الانتخابات الرئاسية وانحاز الجيش المصري الى هذه الارادة الشعبية بعد ان رفض الاخوان تلبية طلب الجماهير المصرية المتمثل في القبول بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.. فاضطر الجيش ان يسلم السلطة للمحكمة الدستورية التي اختير رئيسها عدلي محمود منصور رئيساً مؤقتاً لمصر خلال الفترة الانتقالية قبل ان يتسلم عبدالفتاح السيسي الرئاسة.. وقد كانت ردة فعل الاخوان عنيفة حيث لم يسلموا بالأمر الواقع وإنما لجأوا إلى الاعتصامات وتعطيل الحياة حتى انتهت الاوضاع الى ما لا يحمد عقباه فدفع الشعب المصري الثمن غالياً من دم ابنائه!! ورغم هذه التجربة المريرة للإخوان المسلمين فإنهم لم يستفيدوا منها وإنما أخذتهم العزة بالإثم ومازالوا يسيرون في الطريق الخطأ.


في الثلاثاء 27 أغسطس-آب 2019 10:52:34 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=7324