ثورة الـ ١٤ من أكتوبر والإنجاز الأكبر
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية

لا يختلفا اثنان – منذ ما يزيد على خمسة عقود وحتى الآن- حول أهمية ثورة الـ١٤ من أكتوبر المجيدة التي مثلت وما زالت تمثل بشكل متواصل- بما حظيت بهِ من زخمٍ جماهيريٍّ يمنيٍّ حافل، وتأييد قومي عربي شامل- وسام فخرٍ يُزيِّن صدر اليمن السعيد.
ومن نافلة القول أن أهميتها التي يتفق عليها الخواص والعوام ويتشاركون الاحتفاء بذكراها في كلِّ عام تكمُن في ما تحقق لشعبنا في جنوب الوطن –كثمرة لأربعة أعوام من النِّضال الشاق واصطبار الثوار على تحتمُّل المشاق- من مكسب الخروج من تحت ظلم وقهر المحتل الأجنبي الأفّاق إلى رحاب التحرر والانعتاق.
وما كان لهذا الحلم الوطني الكبير أن يتحقق ويؤتي أكلهُ حرية وعزة وكرامة، لولا إصرار الثوار الأحرار على الاضطلاع بمهمة تحريك دفَّة الكفاح المسلح –وهو آخر ما أتيح لهم من خيار- نحو ما قد رُسم لها من مسار بجرأة وشجاعة وكفاءة واقتدار مُعرِّضين حياتهم ليل نهار للكثير من الأهوال والأخطار.
على أن ما كانوا يتسمون بهِ من إقدام كبير واستبسال مُنقطع النظير –بالإضافة إلى عدم اكتراثهم بما كان يُبثُّ في أوساطهم من سموم الشائعات وما كان يتناهى إلى أسماعهم من التحذير والإرعاب والتهويل- قد اضطر المحتل الدخيل إلى حزم حقائبه وأمتعته وإصدار توجيهاته لفلول قواته بسرعة الرحيل.
لكنَّ أهمية ثورة 14 أكتوبر لا تنحصر –على الإطلاق- في تحقيق هذا الإنجاز الوطني العملاق، إذْ لم يرحل المحتل إلاّ وقد عمل –وبكلِّ جد- على تكري سأسس نظريته»فَرِّقْتسُدْ» على الأرض بالطول والعرض من خلال دعم واقع التمزق الذي كان سائدًا على امتداد جغرافية جنوب اليمن التي كانت تعيش حالة من التشظي إلى كيانات سياسية متعددة انظوت انظواءً صوريًّا -برعاية بريطانيا- في ستينيات القرن الماضي تحت مسمى «اتحاد الجنوب العربي» الذي لم يعترف بهوية جنوب اليمن اليمنيَّة، وكان يضُمُّ ما يزيد على عشرين كيانًا سياسيًّا على قدرٍ من الهشاشة وعدم الثبات بدليل تنوّع ويبايُن التسميات التي توزعت بين السلطنات والإمارات والمشيخات، إذْ كان المحتل خلال سني وجوده قد عمل على تكريس هذا الواقع الذي تتسم العلاقة بين كياناته المتعددة بالكثير من أسباب التنازُع، حتى إذا ما أجْبِرَ –ذات يومٍ- على الرحيل يكون قد ضمن لرعاية مصالحه وتنفيذ أجنداته التفكيكية أكثر من عميل، لأنَّ أكثر الأشخاص الذين هيأ لهم المُحتل –قبل أن يُفرض عليه الجلاء- فُرَصَ تسنُّم تلك الكيانات السياسية مجرد عُملاء يدينون لهُ بالولاء.
فإذا بالثوار الذين شكَّلوا بتنوعهم البادي للعلن فُسيفساء معظم جغرافية اليمن قد صحُوا صبيحة التخلص من هيمنة وجبروت المحتل الذي جثم على صدور أبنا اليمن ردحًا من الزمن على واقع انحصارهم في مدينة عدن، بكل ما يمثله ذلك الانحصار والتأطير من فرض واقعٍ سياسي ومجتمعي خطير، فكلُّ سلطانٍ من أولئك السلاطين ظل متشبِّثًا بسلطته غير آبهٍ بما قد يترتب على ذلك من إضرار بوحدة وطنه ومصالح أمته، فلم يجد الثوار بدًّا من مواصلة خوض مُعتركهم الثوريّ بعزم جديد غايتهُ تحقيق ما يصبو إليه الشعب من الحرية المقترنة بالتوحيد الذي ما كان لهُ أن يتحقق إلاّ بالتغلُّب على مشاريع التمزيق والتفتيت، ولم يستغرق خوض هذا المعترك بكل ما آل إليه من حسم وإحراز –وهو معتركٌ قوميٌّ بامتياز- كثيرًا من الوقت، فقد أفضى التحرك الثوري القوي –كنوع من الإعجاز- إلى تحقيق ذلك الإنجاز الوطني الكبير المتمثل في توحيد تلك الكيانات السياسية المتناحرة –في زمنٍ قياسي- في كيانٍ سياسيٍّ وطنيٍّ وحيد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الثوار استطاعوا –بحِسِّهم السياسي المتنامي وبإخلاصهم لهدفهم التحرري القومي السامي- أن يُحققوا على هامش تحقيقهم الهدف الأساسي هدفًا ثانويًّا ذا مضمونٍ اجتماعيٍّ تربوي تمثل في القضاء على ما خلَّفه واقع التشرذُم من العصبيات والنعرات القبلية والأسرية وفي إخماد جذوة المُنازعات الثأرية بالرُّغم من أنها كانت ما تزال مرتبطةً بجذرٍ ماضويٍّ قوي، الأمر الذي هيأ لهم الأرضية المناسبة لإقامة دولة وطنية ذات ارتباطات قومية عنوانها الرئيس العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية بعيدًا عن التسييس، وأساسها المتين الأمن والاستقرار.


في الأربعاء 17 أكتوبر-تشرين الأول 2018 02:56:50 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=6822