الحج إلى الجبهات .. فريضة اليمنيين الخامسة
فؤاد الجنيد
فؤاد الجنيد

أعيادنا جبهاتنا، شعارٌ جعل منه اليمنيون عنواناً عريضاً ﻷعيادهم في ظل العدوان والحصار، يتركون منازلهم ويودّعون أسرهم وذويهم لﻼلتحاق بإخوانهم المجاهدين في جبهات العزة والكرامة لقضاء أيام العيد معهم، يتقاسمون تغاريد الرشاشات وإيقاعات المدافع، ويرقصون على أوتار اﻻنتصار وهم يمضغون “ جعالة ” العيد الرطبة بلعاب النشوة والسعادة التي منحتهم إياها قداسة التلال والشعاب.

يرون في الدفاع عن وطنهم الجريح عيدية يتوجّب عليهم دفعها، وفي اﻻنتصار لقضيتهم ومظلوميتهم فرض عين ﻻ يسقط عن مؤمن إسلامه الوﻻء وعقيدته اﻻنتماء، يذبحون اﻷضاحي في العيد وﻻ تغيب عن مخيّلتهم طقوس العدوان وهو يقدّم إخوانهم أضحيات بالجملة على مدار العام تقرّباً وطاعة ﻷرباب الكفر وعتاولة الطغيان، ومع هذا ﻻ يغزوهم الخوف وﻻ تجتاحهم مهوﻻت القنوط، بل يزدهم ذلك صلابة وشدة، وعزيمة وقوة للثأر والعقاب والدفاع عمّا تبقى من آدمية تحت رحمة اﻹبادة واﻻحتراب .

ﻷربعة أعوام متتالية، تأتي فريضة الحجّ لتأخذ نصيب اﻷسد من تبعات الصراع وظلال الحرب، فلم يستطع اليمنيّون أداء الركن الخامس من أركان اﻹسﻼم، وأن يأخذوا حقّهم الديني في ضيافة الرحمن، بالتزامن مع استغلال السعودية لجغرافيا المشاعر المقدّسة وطقوسها، ومحاولة إقحام الخلاف السياسي في أمور الدين، فمشاعر المسلمين المقدّسة، ابتداءً من بيت الله الحرام، مروراً بمنى ومزدلفة، وانتهاءً بعرفات، ليست ملكاً لدولة دون أخرى، وليست حكراً على نظام دون آخر، ومن حقّ أيّ مسلم، أيّاً كان مذهبه أو كانت جنسيّته، أداء هذه الفريضة بعيداً عن ملفّات الصراع.

وبعيداً عن توجّهات اﻷنظمة السياسية، التي تقع تلك المشاعر في إطارها الجغرافي، وهذا أمر بالغ الخطورة، قد يتسبّب في شقّ الهوية الدينية للبلدان واﻷقطار، وقد تعلو اﻷصوات المنادية بأحقّية كلّ الدول اﻹسلامية في تنظيم هذه الشعيرة .

يحرم اليمنيون هذا العام من ميقات “ المجازر ” التي تتوالى دون حسيب، وتزهق أرواح أبنائهم بكل الفئات، ومن متارسهم المحصّنة باﻹيمان يطوفون طواف اﻹفاضة مكبرين بشعار يبدأ بـ الموت ﻷمريكا وإسرائيل وينتهي بالنصر لﻺسلام، ويستبدلون الصفا والمروة بالمراوحة بين الدفاع والهجوم سعياً وهرولة، يبيتون في منى العزيمة لشحذ الهمم وتقوية الخطوط باﻻعتصام بحبل الله المتين الواعد بنصر الحق ولو بعد حين، وفي التروية يتناوبون على جمع الغنائم والعتاد، ويفتكون بفلول العدوان القابعة في محاور السقوط واﻻنكسار.

أما وقوفهم في حجهم اﻷكبر فهو الوقوف الشامخ والشجاع في جميع المواقع والجبهات، يكسرون زحفاً، ويسيطرون على موقع، يستهدفون مدرعة ويقنصون شبحاً منافقاً، يرسمون إرادة النصر بريشة الفعال، ويعمّدون البطوﻻت بتضحيات الشهداء، حتى إذا ما هلّت أيام التشريق رموا شياطين الجرم بصواريخ الردع وباليستيات اﻻنتقام، لتعود ممالك العدوان كيوم ولدتها أمها .

يبدأ اليمنيون بتجهيز قوافل الغذاء والمال منذ وقت مبكر لتسيّرها للمجاهدين في مختلف المواقع والجبهات، وتعكف القبائل على شراء السلاح واﻵليات ولوازم القتال، وتدريب أبنائها على فنون اﻻلتحام واﻻقتحام والمواجهة ليلتحقوا بإخوانهم في معركة العزة والكرامة.

أما المرأة فإلى جانب مساندتها أخوها الرجل في كل المواقف والوحدات والدوائر والمربعات، تشاركه في قافلة العيد وصناعة الكعك وأطباق الحلوى وتجهيز الزبيب والمكسرات وبعض من نفائس المأكل والمشرب .

من الجهات اﻷربع تشرق الشمس يميلاد يوم جديد شرقاً، وتغرب غرباً بمماته، وشماﻻً، يؤمّم اليمنيّون نواصيهم خمس مرّات في اليوم والليلة، مصلّين لربّهم، وﻻهجين بالدعاء على “ تحالف ” بدأ من الشمال ذاته، حتّى أخذ منهم أرواحهم وممتلكاتهم واقتصادهم، ولم تكن أركان إسلامهم، هي اﻷخرى بمنأى عن تداعيات إعادة “ الشرعية ” التي ﻻ شرعية لقلبها وقالبها . فالصﻼة أصبحت مهدّدة اﻹقامة في بيوت الله، وأصبح المسلمون يؤدّونها دون خشوع، وبمشاعر من خوف وأخرى من قلق في ظلّ تنظيم لوكر اﻹرهاب يفرط في التفجيرات واﻻغتياﻻت، ويرى أن مهر الحور العين ﻻ يتأتّى إلّا بحصد أكبر عدد من أرواح الناس، وﻻ سيّما أثناء تلبيتهم لنداء حيّ على الفلاح، واستطاعت طائرات العدوان السعودي أن تواصل ما بدأه ذلك التنظيم، في استهدافها المساجد والمصلّين بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق استهداف أهداف مدنية ﻻ تخلو من دور العبادة .

وممّا سبق، نستطيع القول إنّه في ظل العدوان وأدواته القبيحة لم يتبقّ لنا من أركان اﻹسلام الخمسة ما نستطيع إقامة شعائره بحرّية واطمئنان دون قيود، إلّا “ الشهادتين ” سرّاً وجهراً، حتّى أن الشهادتين ذاتهما لم تسلما من مآﻻت العصر وتراكماته وإفرازاته، فانتقلتا إلى رايتين اثنتين، اﻷولى راية خضراء تمثّلت في علم “ رأس هذا التحالف ” ، واﻷخرى راية سوداء تمثّلت في علم “ داعش ” ، التي ما برحت تستظلّ تحت سقف “ التحالف ” ، وتنفذ أجنداته بكرة وعشيّا


في الجمعة 24 أغسطس-آب 2018 11:31:09 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=6755