السعادة . . .
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي

كانت تتأمل في الشعيرات البيضاء التي تغزو رأسي منذ أكثر من محور- كما يقول العسكريون- ولأني وجدت في نظرات تأملها كلاماً كثيراً، فقد أحست بذلك ليدور بيننا الحوار التالي:

س: هذه الشعيرات البيضاء- في رأسك- تغريني بسؤال ابحث عن إجابته..

ج: أما أنا- يا عزيزتي- فقد عرفت سؤالك قبل سماعه.

: لا اعتقد ذلك

: عليك بالتجربة للتأكد

: حسنا..ما السؤال الذي توقعته يا ترى؟

: ستسأليني عن أجمل بيت شعري في الشيب

: ليس هذا ما انويه..

: إذاً ستسألي عن شعوري عند مشاهدة أول شعرة بيضاء تغزو رأسي.

: لقد خدعك حدسك هذه المرة أيضاً..

: إذاً فسيكون سؤالك طائشاً هدفه المداعبة المستفزة..

: مثلك لا يوجه إليه سؤال طائش حتى لو كان السؤال طائشاً، ستكون الإجابة محكمة وهادفة..

: ألم أقل لك أن فراستك ستخونك؟

: اعترف فهاتي سؤالك..

: سؤالي هو.. ما السعادة يا أبا الفضل؟

: هذا من الأسئلة التي تفتقر إلى الإجابة المقنعة للجميع..

: لماذا؟

: السعادة؛ كالعدل, كالخير.. كل إجابتها نسبية..

: أرجو مزيداً من الإيضاح, فما تعنيه غير مفهوم..

: ما هو عدل عند (زيد) هو ظلم عند (عمرو) وما هو خير عن (ص) هو شر عن (س) من الناس.. وكذلك السعادة..

: هناك يا أبا الفضل من يرى السعادة في المال والبنين..

: وهناك من يرى فيهما مدعاة للبخل والجبن..

: وهناك من يرى السعادة في السلطة والجاه..

: وهناك أيضاً من يرى فيهما مبعثاً للهم ومجلبة للذنوب..

: من الفلاسفة من يقول: ان كل لذةٍ يتبعها ألم..

: من الفلاسفة من يرى اللذة والسعاة في المعرفة..

: ومنهم من يراها في أن يعيش الإنسان كما تعيش الكلاب (المدرسة الكلبية)..

: المهم؛ أين الإجابة على سؤالي؟

: كان عليك ألا تسألي ما السعادة, ولكن متى تكون سعيداً..

: إذاً متى تكون سعيداً يا أبا الفضل؟!

: عندما أحسن بالانسجام بيني وبين ضميري..

: ومتى تحس بهذا الانسجام؟

: عندما أكون مقتنعاً بها أفعله..

: إذاً فأنت الآن تشعر بالسعادة..

: نعم فأنا مقتنع بما فعلته وأقدم عليه..

: بقي شيء في نفسي..

: وما هو؟

: أرجو ألا تكون قد انزعجت من حديثي عن الشيب في رأسك..

: لم انزعج أبداً- اطمئني- لأني أفرق بين الشيب والمشيب إلى اللقاء..

: بل قل لنا لقاء. 


في الخميس 05 مارس - آذار 2015 10:14:32 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=6393