إهدار المياه بين غياب الوعي و القانون
دكتور/محمد علي بركاتالماء سر الحياة وقوامها وإحدى نعم الله العظيمة .. وهبها لكل كائن حي أياً كانت صفته وتكوينه كما أكد ذلك الرحمن ذو الرحمة .. حيث قال في كتابه الكريم (( وجَعلنا منَ المَاء كُل شيءٍ حيّ )) بمعنى أنه لا حياة بدونه لجميع المخلوقات على الأرض وتلك حقيقة ساطعة لكل ذي بصر وبصيرة من هذه الأمة .. وبالرغم من معرفة الجميع بالأهمية الكبرى لهذه النعمة .. إلا أن نصف المياه الجوفية المستنزفة تستخدم في زراعة ( القات ) المحصول الذي لا ينافس في المردود الأسرع وتلك هي الطامة .. والأسوأ أن ذلك يحدث ولا تزال نسبة 50 % من القوة العاملة في المجتمع تعمل بتقنيات وأساليب زراعية قديمة. ووفقاً لإحصائية وزارة المياه والبيئة – وربما أجرت الوزارة إحصائية أحدث -بلغ عدد الآبار في اليمن (220) ألف بئر منها (150) ألف بئر تعمل بواسطة مضخات ضخمة .. تلك الآلاف من الآبار تستنزف من خلالها كميات هائلة من المياه تذهب أدراج الرياح عبثاً عبر استخدامات غير منظمة .. وحفر عشوائي لا يلتزم بأية معايير أو قواعد وأنظمة .. في ظل استخدام وسائل الري التقليدية والتوسع الزراعي المخيف الذي يتركز في نطاق زراعة (القات) المستديمة .. حيث تقدر مساحة زراعته بما لا يقل عن نصف المساحة المروية في اليمن بل إنه يتزايد بنسبة (9 % ) كل عام وتلك نسبة عالية جداً إذا ما قورنت بمعدل تزايد المحاصيل الزراعية الأخرى المهمة. وإذا ما استمر الحال على هذا النحو فإن العواقب وخيمة .. تنذر بكارثة جسيمة .. وقد ظهرت للعيان نتائج هذا الاستهتار والعبث بالثروة المائية بهذه الطريقة المذمومة .. حيث نضبت المياه من آبار عديدة ، وآبار أخرى تختفي منها المياه تدريجياً مما اضطر الأهالي إلى تعميق الحفر فيها للبحث عن المياه دون خبرة أو خطة مرسومة. وما زاد مشكلات المياه تفاقماً هو استمرار التدهور البيئي كإزالة الأشجار وإهمال المدرجات وغيرها من العوامل الهدامة .. مما أحدث تعرية واسعة للتربة ودفع مخاطر السيول إلى تقليص تغذية الخزانات الجوفية وكل ذلك ضاعف من العواقب الخطيرة لهذه الأزمة .. وأبرزها الارتفاع الكبير المتوقع لتكاليف الإمداد بالمياه نتيجة للعبء الذي يشكله الحصول عليها من مسافات أبعد وأعماق أكبر إلى جانب أن الاقتصاد الريفي مهدد أمام شحة المياه وندرتها المتزايدة حيث تشكل الزراعة مصدر الدخل لحوالي (70 %) من السـكان وتلك أسوأ علامة للأزمة القائمة. هذه أهم العواقب في ظل الوضع المائي المتردي الذي يواجه تحديات جمة .. وستظل المشكلة قائمة ومتفاقمة .. بل وتزداد تعقيداً نتيجة لتلك التجاوزات الآثمة .. ويأتي في مقدمتها سوء استخدام المياه وإهدار المخزون المائي دون اكتراث ودون وعي بأهمية الحفاظ على هذه الثروة المائية في هذه المنطقة الجافة شحيحة المياه وبالسكان مزدحمة .. ويتوج ذلك العبث غياب قانون الحفاظ على الموارد المائية الذي ينظم استخدام المياه وفقاً لحاجة السكان اللازمة. وكما هو ملاحظ أن ارتفاع الطلب على المياه كان نتيجة لعدد من العوامل يتصدرها النمو السكاني ونمو سوق المحاصيل النقدية المربحة بصورة متسارعة ومحمومة .. حيث انتعش هذا السوق مع التطور الزراعي وتوفر فرص التسويق وعلى رأس تلك المحاصيل ( القات ) وخاصة بعد أن شهد توسعاً هائلاً خلال العقدين الأخيرين كظاهرة اجتماعية وزراعية على صدور الغالبية جاثمة .. يليه ثمرة العنب والخضروات مما أدى إلى ذلك الاستنزاف للمياه الجوفية الذي يسرته التكنولوجيا الحديثة التي تتطور بصورة دائمة. فهل استمعنا إلى صوت العقل والمنطق وسمونا فوق الأنانية والمصالح الذاتية الضيقة ، وهل تم تفعيل قانون الحفاظ على الموارد المائية حرصاً على المصلحة العامة الوطنية والإنسـانية..؟ نتمنى ذلك وننتظره بفارغ الصبر، وتلك هي القضية. Drbarakato@gmail.com *صحيفة الجمهورية
في الأحد 12 يناير-كانون الثاني 2014 08:06:27 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=6066