اللهم متعنا باسماعنا وابصارنا
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي
 ا حترام عقل المتلقي
ما دام هناك حزب اغلبية يحكم، وما دامت هناك احزاب معارضة تسعى لأن تحكم عبر صندوق الاقتراع، فإن من الطبيعي ان ينزعج البعض من خروج الملايين في أمانة العاصمة ومحافظات الجمهورية مطالبين فخامة الرئيس علي عبدالله صالح بالعدول عن رغبته في عدم الترشح لفترة رئاسية ثانية.. لما ترى فيه من قدرات قيادية ولإحتياج البلاد والمرحلة التي تمر بها الى قائد مثله..
من حق اولئك البعض بل من حق اي معارض - قيادياً كان أو قاعدياً - ان يعبَّر عن عدم رضاه أو معارضته، ولكن بما يحترم عقل المواطن ولا يستفزه بالسخرية من ذكائه وفهمه فمن أسس وقواعد العمل السياسي ان يكون خطاب الشارع عقلانياً ومنطقياً بعيداً عما يستفزه.
دعونا ممن قال إن تلك الملايين خرجت بوعد صرف مواد غذائية لهم.. ودعونا ممن قال إن هناك مبالغ مالية قد صرفت كبدل سفر ودعونا من تلك الأشياء السطحية البسيطة ولنشر الى تصريح لقيادي معارض كبير، جاء فيه إن المؤتمر الشعبي العام - يعني الرئيس طبعاً - قد حال بيننا (اي بين قيادات احزاب اللقاء المشترك) وبين الحوار الجاد مع الرئيس لمعرفة ماذا يريد ولماذا لا يرغب في ترشيح نفسه.
هذا المعارض ما أعرفه انه من اقرب الناس الى فخامة الرئيس وان لقاءاته به شبه منتظمة - فهل كلف نفسه يوماً - خلال عام وأربعة اشهر - ان يعرض عليه الحوار في الموضوع المشار اليه؟!
نعم، أكثر من عام واربعة اشهر لم يطلب ذلكم المعارض من الرئيس حواراً جاداً - حسب قوله - لا باسم حزبه ولا باسم احزاب اللقاء المشترك.. حتى خلال الثلاثة الايام التي مرت على انعقاد المؤتمر العام الاستثنائي للمؤتمر الشعبي العام ولا زال الرئيس مصراً على عدم الترشح، لم يتقدم احد من زعماء المعارضة بطلب الحوار الجاد مع الرئيس.. ولم نجد الرغبة تلك في الحوار الاَّ بعد نزول الرئيس عند رغبة الجماهير والقبول بالترشح.
لماذا هذا التفكير الآني؟ وكيف يمر عام وأكثر من اربعة اشهر ولا توجه أو طلب للحوار الجاد، أو حتى التفكير في مرشح واحد لاحزاب اللقاء المشترك.
الحتميات الأربع
من شواهد صلاحية القرآن لكل زمان ومكان.. ان من الأدعية التي علمنا اياها «اللهم متعنا باسماعنا وابصارنا» وللتمتع بنعمة السمع والبصر مجالات كثيرة.. منها الا نسمع أو نقرأ أو نشاهد ما نكره..
ومن هذا المفهوم - الذي يترسخ يوماً فيوماً - نتذكر حكيما فقد بصره فقال: الحمدلله الذي ذهب ببصري. وعندما سألوه كيف يحمد فقدانه نعمة من نعم الحياة قال: كي لا ارى ما اكره، ولو تعمر ذلكم الحكيم الى عصرنا لقال: وكي لا اقرأ ما اكره.
ولا أخفيكم ان والدي عندما جاوز التسعين من عمره وبدأ يتعرض لفقدان السمع.. كان عزائي ان من احب صار لا يسمع ما يكره.
نحن في عصر صرنا فيه مجبرين على سماع ومشاهدة وقراءة ما نكره، ولو عاش فيلسوف الوجودية، (جان بول سارتر) الى عصرنا أو عاش المناخ الذي نعيشه لاضاف الى الحتميات الثلاث التي لا مفر منها حتمية رابعة يقول سارتر: ان الانسان غير مجبر - وانه مختار - الا في ثلاثة اشياء هي:
ان يولد، ان يموت، ان يتعامل مع الآخرين.. وليسمح لي (سارتر) بالاضافة، وان يسمع ويشاهد ويقرأ ما يكره.
فبما ان الانسان لا يستطيع ان يرفض ولادته وان يظل في رحم امه ولا يمتلك رفض الموت، ولا أن يتعامل مع الآخرين كالخباز وبائع الملابس والحلاق وغيرهم لا يستطيع ان يتجنب قراءة أو مشاهدة أو سماع ما يكره.. وما أكثر ما نكره في حياتنا أو ما ينغص علينا الاستمتاع بأسماعنا وابصارنا.
شاشات التلفزيون - بقنواتها المتعددة - تحاصرنا في كل مكان واصوات ما تحتويه أشرطة الكاسيت والسيديهات تخترق اسماعنا ونحن نسير في الشوارع أو نقبع في غرف النوم ولا نستطيع الهروب والنجاة بأسماعنا من مكبرات الصوت التي تخترق الجدران والعوازل كما نجد الصحافة المتنوعة تلاحقنا بما تحتوي من كتابات وتصريحات تفرض نفسها علينا وان من ثغرة النفس الامارة بالسوء وهي تدفعنا الى معرفة ماذا يحدث وما ردود فعله.
إن حاولنا ملء وقت الفراغ بالغناء أو بالقراءة للصحف أو بمشاهدة القنوات التلفزيونية.. سمعنا ما نكره.. وابشع ما يؤذي اسماعنا وابصارنا وارواحنا هو فلان أو فلانة ينبري لخطابنا بلسانه أو بقلمه، مستهبلاً عقولنا، ساخراً من مقدرتنا على ادراك سخريته أواستغفاله أو استهباله بمن يسمعه أو يقرؤه او يشاهده.
لماذا لا نتعلم من بعضنا؟ وكم أتمنى على كل معارض ان يتمثل الدكتور ياسين سعيد نعمان او عبدالملك المخلافي ان نطق، ام ان امسك بالقلم فليتمثل عبدالباري طاهر، او حافظ البكاري او جمال غيلان او صديقي حميد شحرة المشاغب الطريف.
لتكن ثورة ثالثة...!!!
بداية.. أكتب هذه السطور وأنا أتابع الحوار المباشر الذي تبثه قناة الجزيرة.. بين بعض القيادات السياسية.. والحقيقة أنني رثيت لحال مقدم البرنامج والذي ما فتئ يحاول التخفيف من حدة النقاش ومحاولة العودة بأصوات المشاركين إلى النقطة الرئيسية للحوار..«أنتم تعيشون حراكاً سياسياً راقياً».
·والحقيقة أنني لم أجد فيما تم طرحه من قبل كافة الأطراف الموجودة من جديد..!! فمازالوا يدورون في نفس الحلقة التي يعرفها الجميع ومازالت العبارات نفسها.. والإساءات نفسها.. والاتهامات نفسها أيضاً.

في الخميس 29 يونيو-حزيران 2006 02:00:41 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=586