لهجة» ناصرية« في سياسة مرسي الخارجية
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
في خطاب القاه في جامعة القاهرة الاسبوع الماضي وكرس قسما مهما منه للسياسة الخارجية اخذ الرئيس المصري الجديد الدكتور محمد مرسي على سلفه حسني مبارك تغييب الدور المصري عن الشرق الاوسط واستعاد الدوائر الناصرية الثلاثة في سياسة مصر الخارجية واعني بذلك الدائرة العربية والافريقية والاسلامية ذلك ان مصير مصر يتقرر في هذه الدوائر التي احتلت على الدوام موقع الاولوية في سياسة مصر الخارجية, وأكد مرسي على وجوب المصالحة الفلسطينية وعلى ضرورة تحقيق السلام الشامل والعادل وليس الجزئي واعتبر ان الامن المصري هو جزء لا يتجزأ من الامن القومي العربي واعرب عن امله في احياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتحدث عن السوق العربية المشتركة .. واعاد الاعتبار للكثير من المصطلحات التي تذكر بالفترة الناصرية وذلك رغم كونه ينتمي الى تيار سياسي كان الخصم الاهم للناصرية. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة بعد هذا الخطاب هو : هل نشهد في عهد مرسي انطلاقة جديدة في السياسة الخارجية المصرية وهل تعود مصر لاحتلال موقعها الطبيعي في الشرق الاوسط؟
كائنا ما كان حيز السياسة الخارجية المتاح امام الرئيس المصري الجديد محمد مرسي فهو يكفي لكي يثير القلق في مفاصل الدولة العبرية التي بات عليها من الان فصاعدا ان تشعر بالحنين الى ايام الرئيس السابق حسني مبارك. فالواضح ان الوافد الجديد يريد تعديل سياسة بلاده الخارجية بطريقة لا يعود معها بوسع تل ابيب ان تشن حربا ماحقة على الحدود المصرية في غزة وان تستفيد من نهاية جميلة لهذه الحرب كما حصل في مؤتمر شرم الشيخ عام 2009 الذي انعقد ليس لادانة الحكومة الصهيونية وانما من اجل تحجيم آثار الادانة العالمية التي طالت الجلاد الاسرائيلي.
وستشعر اسرائيل بالحنين الى العهد المصري السابق الذي كان يقفل معبر رفح خلال الحرب وأثناء الحصار بل يستجيب للضغوط الدولية التي ادت الى توقيع اتفاقية معبر رفح بحيث يكون تحت السيطرة الاسرائيلية بدون الوجود الاسرائيلي في غزة. بكلام اخر اتاحت الاتفاقية لإسرائيل ان تراقب بوابة رفح عن بعد بواسطة الكاميرات وان تتدخل فورا لمنع خروج او دخول هذا العابر او ذاك كما لو انها موجودة تماما على المعبر .
وفي السياق سيكون على الدولة العبرية ان تذرف الدمع على الرئيس المصري المخلوع الذي نأى ببلاده عن لعب دور فعال في الشرق الاوسط الامر الذي ادى الى نشؤ فراغ كبير في المنطقة عبأه الصهاينة عدوانا وغطرسة واغتيالات واستخفافاً بسيادة الدول وحدودها ناهيك عن مواصلة نهب الاراضي الفلسطينية دون عائق او رادع فضلا عن الاستخفاف بالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وبالتالي الرهان على الوقت لنهب الارض وتدوين الاستقلال الفلسطيني في المفكرة الاغريقية.
ثمة من يعتقد ان اعلان الرئيس المصري الجديد عن احترام المعاهدات والمواثيق الدولية من شأنه ان يعيد عقارب الساعة الى الوراء وبالتالي اعتماد سياسة مبارك الخارجية دون مبارك نفسه وهو اعتقاد صحيح و خاطيء في الان معا. فالصحيح ان الثورة المصرية لن تشمل كامل مساحة السياسة الخارجية اقله في الظروف الراهنة ذلك ان الحكومة الجديدة تحتاج الى مساعدة القوى العظمى من اجل مواجهة الاعباء الاقتصادية والآثار الاجتماعية المتراكمة خلال سنوات مبارك الطويلة لذا يبدو من غير المتوقع ان تنتهج سياسة تصادمية مع هذه القوى لكن بالمقابل تتمتع حكومة مرسي بهامش كبير للمناورة كان مهملا في العهد السابق فالمعاهدات الدولية ليست كتبا مقدسة وبالتالي يمكن تجاوزها او العمل خارج بنودها او تحريف هذه البنود ..الخ ولعل النية المصرية المعلنة بالعودة الى احترام الاتفاقيات تعني ان القاهرة عازمة على الافادة من هامش واسع للمناورة تتيحه الاتفاقات نفسها وبالتالي الدفاع عن المصالح المصرية وطي صفحة «النأي بالنفس» عما يدور في الشرق الأوسط.
ويفهم من الاصرار على هذا الجانب في خطاب الرئيس المصري الجديد وفي التصريحات التي ادلى بها خلال حملته الانتخابية ان مرسي سيعتمد سياسة خارجية براغماتية لا تنطوي على مجابهة مع الدول العظمى وإسرائيل لكنها بالمقابل لن تتضمن تغييبا للصوت المصري عندما يتعلق الامر بحدث مركزي في المنطقة شأن الحرب الاسرائيلية على لبنان التي غابت عنها مصر تماما وبدت قطر اللاعب الابرز فيها بل ثمة اخبار منشورة في وسائل الاعلام الاسرائيلية تفيد بان الرئيس السابق حسني مبارك كان يحث الاسرائيليين على اطالة امد حرب لبنان وبالتالي تصفية المقاومة اللبنانية تماما والراجح ان شيئا من هذا القبيل لن يتكرر في عهد الحكومة الجديدة.
تبقى الاشارة الى ان الرئيس المنتخب لن يكون بوسعه اهمال تطلعات الشعب المصري الى حكومة تفرض احترام مصر في محيطها فالثورة المصرية لم تندلع لأسباب مطلبية اقتصادية فحسب بل قامت ايضا من اجل رفع رؤؤس المصريين التي نكسها العهد السابق ومن اجل ان تستعيد بلادهم مكانتها التي انحدرت الى القاع خلال العقود الثلاثة الماضية.
ما من شك ان وقت تقزيم السياسة الخارجية المصرية قد انتهى كائنا من كان حاكم مصر في هذه المرحلة ذلك ان الحراك المصري في ميدان التحرير حمل الرئيس السابق حسني مبارك على الرضوخ لارداة الشعب والاستقالة من الحكم وهو سيحمل دون شك خلفه على الرضوخ ايضا لمطلب الشعب بتغيير السياسة الخارجية من موقع التبعية والناي بالنفس وتغييب الدور المصري في الشرق الاوسط الى رفع الصوت وحماية المصالح المصرية « اينما كانت» وبالوسائل المناسبة على حد تعبير الرئيس محمد مرسي.
يفضي ما سبق الى سؤال يطرح نفسه بقوة : هل لعبت الدول الكبرى لعبة الديمقراطية في مصر كي تتضرر مصالحها ومصالح اسرائيل وكي تكسب منافسا كبيرا في ادارة شؤون الشرق الاوسط؟ والجواب البديهي هو ان الدول المعنية فوجئت بالثورة المصرية مثلما فوجئت بالثورة التونسية وبالتالي اضطرت في مصر كما في تونس ان تواكب التيار الثوري و ان تقبل تحكيم الرأي العام المصري في حكام بلاده وفي مجمل سياساتها والخارجية منها في المقام الاول فمستقبل هذا البلد الاستراتيجي لا يرسم داخل حدوده فحسب وإنما خارج هذه الحدود بل اكاد اقول في الخارج حصرا اي في الدوائر الثلاثة العربية والافريقية والاسلامية

التي تحظى باجماع كل المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم الايديولوجية.

 
في الخميس 05 يوليو-تموز 2012 11:07:16 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=5522