علي عبدالله صالح ـ تعز الاقتران الاسطوري
زيـد الذاري
في ذلك الصيف الملتهب من العام 1978م المضطرب غادر تعز على عجل حاملاً رأسه على كفيه، وربما كفنه في حقيبته متجهاً صوب العاصمة صنعاء الخائفة والحائرة أمام المجهول، تتنازعها والوطن المخاطر من كل صوب، وفي العاصمة كان الكل يفر مذعوراً من تحمل المسئولية الأولى لقيادة الوطن..
وكأن لا قوى سياسية أو اجتماعية ولا قيادات، وكأن الساحة قد خلت ممن يعنيه أمر الوطن، فهذا خائف على حياته وهذا غير واثق من نفسه، وذلك منصرف إلى أموره الشخصية، والجميع قد آثر السلامة وكأن مصير الوطن لا يستحق التضحية، ولا أحد يعنيه أمر التصدي للمسئولية إلا في حالة الاطمئنان إلى مغانمها، وأخذ الناس يتلفتون؛ ترى من لهذا الوطن في هذه اللحظات الحرجة، وأي فارس شجاع سيتصدى لقيادة السفينة الموشكة على الغرق ليوصلها إلى بر الأمان في مواجهة كل هذه الأمواج العاصفة؟!.وجاء يوم السابع عشر من يوليو 78م ليعتلي ـ وهو علي ـ سدة القيادة وقد خلت من كل المغريات، لا بثورة دموية أو انقلاب مسلّح؛ وإنما بسلاح الشورى الأمضى وبالخيار والاختيار الموفق والأصوب لممثلي الشعب، فكان ذلك اليوم عنوان التحولات الكبرى لاجتراح الإنجازات التاريخية وتحقيق الأحلام الموءودة والمستحيلة، وكان من الأيام التي يتغير بعدها مجرى التاريخ وهو ما حدث بالفعل، وليس من العبث في هذه العجالة سرد بعض ظروف الواقع الذي كان يعيشه الوطن في تلك المرحلة، فاليمن لا تملك قرارها ولا دور لها إلا كونها ساحة صراع اقليمي ودولي في سياق الحرب الباردة، ولا موارد تحقق النمو للشعب إلا ما جادت به المساعدات، وما أدراك ما المساعدات ولا ولا ولا.أما الأمن والاستقرار فلا وجود لهما، وكيف له أن يتأتى والصراعات السياسية المتلاحقة قد أودت بما بقي للدولة من سلطات أو حضور.. كما أن حروب وغزوات رجال الجبهة تقضم كل يوم وادياً وتبتلع كل ساعة جبلاً، وسلطة الدولة كل لحظة تنتقص ليس من أطرافها بل وصل الزحف والسيطرة إلى أبعد من أوساطها؛ وإن أنسى فلن أنسى ما عشناه في تلك الأيام الخوالي لتلك الفترة القلقة من مرارة نتيجة انعدام الأمن والاستقرار وغياب سلطة الدولة، فباعتباري من أبناء المناطق الوسطى مديرية الرضمة محافظة إب والتي كانت إحدى الميادين الملتهبة للصراع في حينه فقد تعذر على والدتي رحمها الله الوصول إلى صنعاء للمشاركة في أفراح عرس ابن أخيها.. وهو اليوم الذي كانت تنتظره منذ استشهاد أخيها أبي الأحرار الشهيد/محمد محمود الزبيري ـ رحمه الله ـ فكيف لنا أن نغادر بيوتنا وهي مهددة بالتدمير والنهب، وكيف السبيل إلى صنعاء وقد قطعت كل الطرق، ونصبت عليها الحواجز والنقاط من قبل قوى الجبهة في ذلك الحين؟!.ذكرت ذلك كمعاناة شخصية عشت مرارتها وارتسمت دموع وآهات والدتي وحزنها في مخيلتي إلى الأبد، وكذلك أجواء القلق والرعب والخوف التي كانت تتملك أبناء منطقتي، كل ذلك قد وقر في وعيي منذ تلك المرحلة المبكرة من عمري، ولذا فإن ليوم السابع عشر من يوليو 78 في وجداني ووعي معنى خاصاً، فقد أبدل الله منطقتنا من بعد خوفها أمناً، ومن بعد حرمانها عطاءً، ومن بعد عزلتها وصلاً واتصالاً، وهو ما سرى على الوطن وشمل ربوعه، فاستعاد مجده واستقل بقراره وتحقق حلم أجياله بتوحيد أرضه وتحددت خياراته، فصار الشعب مصدر السلطات، فانساب الأمر شورى بين الناس، وتفتحت أبواب الحرية، فتعددت الأحزاب والمنابر، وكثرت الصحف وانتشر التعليم وازداد عديد الجامعات والمدارس والمستشفيات، واستخرجت الثروات من باطن الأرض وتصلّبت الجبهة الداخلية، وتعمقت الوحدة الوطنية، وكبرت اليمن بقائدها وما حققه من المكتسبات، وتفعل دورها وحضورها على مسرح السياسات، ووصل صوتها ورؤيتها ومبادراتها إلى أصقاع الأرض في المحافل السياسية الاقليمية والدولية، وما حضور فخامة الرئىس مؤتمر «سي ايلاند بالولايات المتحدة عام 2004م» مع قادة دول العالم الكبرى إلا دليل على المكانة التي وصلتها والدور الملقى على عاتقها لتنهض به لتسهم في صياغة سياسات الأمم في عالم صار فيه من التداخل والترابط والتأثر والتأثير مالا يخفى.
تعز.. والعود أحمد
لعل قدر تعز المدينة والمحافظة أرضاً وإنساناً أن تكون صاحبة الإلهام ومبعث الأمل في اقتران أسطوري لثنائية استثنائىة بينها وبين الزعيم فخامة الرئيس/علي عبدالله صالح، فمنها كان الانطلاق لإنقاذ وطن وشعب، ومنها لاحت بشائر الوحدة، ومنها ومنها ومن آخر روائع هذا التلازم والاقتران الأسطوري من تجليات الزعيم وإلهام تعز ما اتخذه فخامته وأعلنه من قرارات تاريخية في العيد الثالث والأربعين لثورتنا السبتمبرية المباركة أثناء احتضانها لفعاليات احتفالات شعبنا بذكراها المجيدة العام الماضي، حينما فاجاء الجميع ـ ولا أبالغ إذا قلت إنه فاجأ حتى التاريخ ـ وهذه عادته ـ كصانع لاحداثه ـ بإعلان العفو الشامل عن جميع المشاركين في أحداث الفتنة والتمرد بصعدة، وكذا تعويض آل حميد الدين بعد ما يقارب نصف قرن من زوال حكمهم، في سمو وترفع وثقة واعتداد بالنفس وحرص على المجتمع وتماسكه وبرؤية سابقة وسباقة، فالتسامح ديدنه، والحلم خلقه، لا يزيده الانتصار إلا تواضعاً، ولا القوة إلا صفحاً، ولا التمكن إلا حلماً وعفواً.. لا يعرف الحقد إلى قلبه سبيلاً.. وليس للانتقام في قاموسه مطرح ولا للضغينة في وجدانه مكان، فلا يسبق سيفه عذله وفي بحر اسبوعنا هذا كان للسمو والشهامة والمروءة معه محطة وموعد، وهي سجاياه الدائمة التي تلازمه ولا تفترق عنه، حينما وجّه بإعادة منازل حسين الحوثي إلى أهله، وأطلق مرتباته الموقوفة، وأجرى لأولاده وأسرته من الإعاشات والمرتبات الدائمة، كما تكرم بالتوجيه بإطلاق سراح الأخ محمد بدرالدين من السجن تجسيداً لمضمون قرار العفو العام.
وفي سياق الخطوات المتلاحقة والمستمرة لتنفيذ ذلك القرار الحكيم الذي برهن على فرائد أخلاقه وسموها واتساع صدره وحرصه على كل أبناء شعبه بجميع مكوناته وشرائحه، فهو من الجميع وللجميع لتتأكد حقيقة أن هذه المزايا والسجايا في فخامته ليست حالة عابرة أو مجتزأة ومنتقاة؛ بل إنها جزء منه قد امتزجت بدمه ولحمه، وبهذا صارت قرينة له ومقترنة به، وصارت دليلاً على وجوده، كما صار عنواناً لها ودليلاً على وجودها، كيف لا وهو ابن هذه الأرض الطيبة، حمل طهر ترابها وصفاء سمائها ونقاء مكوناتها وصلابة صخورها ورسوخ وشموخ جبالها وكرم مخزون جوفها من الخير والعطاء، واختزل بذلك كله وغيره خصائص وصفات النبل والوفاء والمروءة والشجاعة والشهامة لشعبنا اليمني العريق بحضاراته والعظيم بتاريخه.من هنا فالأمل يحدونا بأن تنطلق من تعز ـ عوداً كما انطلقت منها بدءاً ـ الإرادة الصلبة والقرار الشجاع والاستثنائي بالعودة عن القرار الظالم والمجحف بحق الشعب والوطن بعدم الرغبة في الترشح، لا حباً في كرسي النار كما وصفه فخامته والذي قد ملّه، وقد كان صادقاً في كل كلمة قالها يوم إعلانه الصاعق، فلقد كنت حاضراً يومها ورأيت الصدق في عينيه وهو دائما صادق، وكانت تعابير وملامح وجهه تنطق قبل أن ينطلق لسانه وتتحرك شفتاه، وكان يعني كل كلمة يقولها، غير أن التاريخ يكاد يعيد نفسه.فإذا كانت ظروف يوليو 78 غير قائمة اليوم بحرفيتها بعد كل ما أنجزه وحققه إلا أن المخاطر المحيطة في عالم مضطرب ووضع اقليمي مأزوم ومتفجر واستحقاقات خطيرة داهمة قد تغيّر صورة المنطقة بشكلها الراهن، إضافة إلى ضرورة استكمال خطوات البناء المؤسسي للدولة وما يستوجبه ذلك من رعاية ويستلزمه من قيادة فذة مجربة، كل ذلك أدعى وأوجب مما كان عليه الحال في صيف 78م،وبالتالي فلكي تستمر التحولات وتصان المنجزات ونواجه المخاطر؛ كل ذلك يستلزم من فخامة الرئيس العودة عند ذلك القرار، وسيكون هذا القرار إن شاء الله هو التضحية والفداء وروح المسئولية العالية الذي استلزمه منه نزولاً عند رغبة ممثلي الشعب في 1978م لا حباً في الكرسي الذي قد مللته، ولكن حباً لهذا الشعب الذي محضك وفاءه وذوداً عنه وتحصيناً لمكتسباته التي تحققت والتي يُخشى أن تتحول إلى سراب إن أصر فخامته على المضي فيما عزم عليه.ولمن تترك البلاد في هذه الظروف؟!.. إن حالة الإرباك والشلل والتخبط التي تعيشها أحزاب المعارضة منذ 17 يوليو 2005م وحتى اليوم، وعدم قدرتها على تحديد خياراتها واستلهام مسئولياتها؛ كل ذلك قد أكد عجزها وكشف عن قدراتها المتواضعة والهشة وتخلخل بناها وبالتالي انتفاء أهليتها إلا من القدرة على المماحكة ليس إلا.
وهنا هل لي أن أخاطب فخامة الرئيس قائلاً: أتترك وطنك وشعبك للمجهول؟!.
حاشاك حاشاك.. فهل يحقق الثنائي الأسطوري حلمنا ويعيدان إلينا أملنا بمستقبلنا ومستقبل أولادنا، فندين لهما بدءاً وعوداً.. والعود أحمد؟!.
* صحيفة الجمهورية:

في السبت 13 مايو 2006 11:03:41 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=523