ديموقراطيات بوش
كاتب/جميل مطر.....
كاتب/جميل مطر.....
متراجعة مسيرة الديمقراطية في العالم أم متوقفة؟ حل هذا السؤال محل عبارة شاعت لفترة تعترف بأن الديمقراطية تثب وثبات عالية في بلدان وتحبو ولكن بإصرار في بلدان أخرى. لم يكن الواثقون من ناحية و»الحتمويون» من ناحية أخرى مستعدين لأن يناقشوا في ذلك الحين احتمالات توقف المسيرة، ولا أقول انتكاستها.
سمعنا وقتها من يقول، لقد تحركت القاطرة إلى الأمام ولن تعود إلى الخلف تحت أي ظرف. فالديموقراطية التزام وضرورة، التزام من حكومات الدول أمام المجتمع الدولي الذي قرر أن يتعامل بالإهانة أو التجاهل مع الأنظمة غير الديموقراطية، وضرورة لضمان السلام في العالم عملاً بنظرية «السلام الديموقراطي». فالسلام حسب فهم الرئيس بوش، لا يتحقق إلا بين دول ديموقراطية، وأنظمة الحكم الديموقراطي لا تدخل في نزاعات مسلحة مع دول أخرى. وتصور الرئيس بوش اعتماداً على كتاب شارانسكي عن الديموقراطية أن السلام في الشرق الأوسط سيتحقق فور تحقيق الديموقراطية. فقرر فرض الديموقراطية على دول المنطقة مستخدماً كل وسائل العنف والضغط المتاحة للدولة الأعظم، وتبنى اليمين المحافظ شعار «مارس الديموقراطية ولا تمارس الحرب»، برومانسية أو ربما بنية غير خالصة، فابتعد الشرق الأوسط عن السلام كما لم يبتعد منذ توقفت حروب الصلح. وعندما اكتشف الرأي العام في المنطقة نفاقاً في الدعوة مختلطاً بتسويف أو عدم كفاءة في التنسيق وارتباكاً فقد الثقة في جدية المساندة الأميركية أو جدواها. حدث هذا في وقت انشق اليمين الحاكم في أميركا على نفسه وارتفعت أصوات تندد بهدر موارد السياسة الخارجية الأميركية وراء سياسات لن تجني أميركا من ورائها سوى زيادة كبيرة في نفوذ الأصوليين وقوتهم في الشرق الأوسط. فتوقف في واشنطن الحديث عن الديموقراطية كشرط للسلام. والمؤكد في كل الأحوال أن الرئيس بوش لم يعد يأتي على ذكر شارانسكي مصدر إلهامه.
لم يبالغ من قال إن موجات المد الديموقراطي في الشرق الأوسط توقفت وأن موجات الجزر تعود مرتفعة ومكتسحة. ولكننا نبالغ إن ركزنا اهتمامنا على الشرق الأوسط وأهملنا شيوع ظاهرة توقف المد وصعود الجزر في أنحاء متفرقة من العالم. ففي الفيليبين أعلنت السيدة أرويو حالة الطوارئ بعد محاولة فاشلة لانقلاب عسكري، وإن أنكر مراقبون وقـوع المحاولة أصلاً وزعموا أن اضطرابات حدثت استغلتها الرئيسة أرويو لإزاحة قائد سلاح البحرية الجنرال رينا تو ميراندا. يبدو أن أرويو التي استخدمت إفساد الجيش وسيلة لإحكام قبضتها السياسية تستعد الآن لأن تشاطره السلطة لتبقى في الحكم. لقد كشفت أزمة الفيليبين عن أن التجربة الديموقراطية فيها لم تفلح في فصل العسكر عن السياسة ولم تنجح في ضبط الشارع الفيليبيني الذي تحركه الكنيسة وقطاعات الأعمال والنخب السياسية كما يحلو لها، فهو الذي أسقط الرئيس السابق استرادا ومن قبله أثـار الفوضى للإطاحة بماركوس.
وكما كانت الفيليبين محل فخر الرئيس بوش الذي كثيراً ما أشاد بديموقراطيتها كنموذج فقد حظيت نيجيريا وكذلك أوغنده بكثير من الرضا الأميركي. وهنا، كما في حالات أخرى، يحتار المرء في اختيار التعريف المناسب للحالة الديموقراطية في دولة ما. في نيجيريا ديموقراطية، بمعنى وجود حكومة وصلت إلى الحكم بانتخابات ما، وفي نيجيريا في الوقت نفسه فتنة طائفية في مناطق متعددة، تهدأ أياماً وتثور شهوراً. وفي نيجيريا حركة انفصالية تدعو إلى تحرير شعب إيجاو IJAW في دلتا النيجر، حيث توجد منابع النفط، وفيها وضع فساد وجريمة لعله الأسوأ في إفريقيا. أما أوغندا فشهدت أخيراً انتخابات غير حرة ومعاملة غير متحضرة مع المنافسين ومازال جيش الرب يسيطر في الليل والحكومة تسيطر في النهار.
وفي تايلاند إحدى القلاع الجديدة للديموقراطية وحرية الاقتصاد خرجت الألوف إلى الشارع تحتج على سوء استخدام رئيس الوزراء للسلطة وتجاهله المؤسسات الدستورية وتشجيعه على نشر الفساد، وبخاصة فساد عائلته، وحيث وصل اختلاط السياسة بالمال حداً مفرطاً. وليست تايلاند وحيدة في هذا الوضع المضطرب الناشئ عن حملة تقديس المال وحرية السوق على حساب تثبيت الديموقراطية وإصلاح المؤسسات الدستورية.
ولما كان القصد، أو جانب منه على الأقل، من حملة التبشير بالديموقراطية الإيحاء بانتصار «مبدأ بوش»، اكتفى كثير من أنظمة الحكم بتنظيم انتخابات. وفي معظم الحالات اختلط الأمر وضاعت الحقيقة، إذ اشتركت هذه الأنظمة مع حكومة الولايات المتحدة في إعلان الوصول إلى الديموقراطية بمجرد عقد الانتخابات، وشاعت عبارة «انتخابات بغير ديموقراطية»، وعبارة «ديموقراطية الانتخابات». وفي كثير من هذه الحالات توقفت المسيرة فور الانتهاء من عملية الانتخابات. وفي حالات معروفة عادت المسيرة أدراجها، وكانت العودة في الغالب لأن أطرافاً لم يكن مسموحاً لها بدخول السياسة دخلت، أو لأن التغيير أسفر عن نتائج اجتمع على رفضها الأميركيون مع النخب الحاكمة، أو لأن توقعات الناس زادت إلى حد صار يهدد مستقبل استقرار نخبة بعينها أو أفراد بأشخاصهم في الحكم.
ففي هايتي، الجمهورية الفالتة منذ نشأتها، جرت انتخابات منذ أسابيع قليلة. وبعد إعلان النتائج استمر سيل الدماء، واضطرت الولايات المتحدة باعتبارها ضابط الفوضى في هايتي التدخل لفرض فوز رينيه بريفال بولاية ثانية، إذ استحضرت خبراء قانون أعادوا تفسير قوانين الانتخابات في هايتي بحيث يسمح التفسير الجديد لبريفال بالفوز. نعرف، كما يعرف الأميركيون، أن هايتي في عهد بريفال تفوقت على نفسها وسمعتها طويلة الأجل في تهريب المخدرات وعصابات الجريمة المتواطئ فيها رجال حكم وشرطة وتدهور اقتصادي وانتخابات مزورة. النتيجة الأهم أن هايتي خرجت من الانتخابات، كما كانت قبلها، معتمدة على الولايات المتحدة والأمم المتحدة لحفظ أمن كبار رجال الحكم والمصالح الأجنبية. ومع ذلك، تقول إدارة الرئيس بوش إن هايتي لم تعرف في تاريخها «استقراراً ديموقراطياً» كما عرفت خلال السنوات الأخيرة.
وفي الكونغو تقوم حكومة منتخبة ديموقراطياً. ليس مهماً أن يكون ثلثاً الكونغو يخضعان لقوى التمرد من أهل البلاد ومن خارجها، وتكون الشركات الأجنبية وجماعات المرتزقة مستمرة في نهب هذه الدولة، التي لم تنهب دولة مثلها في تاريخ الأمم. وفي كوسوفو جرت انتخابات وقامت حكومة ومازالت قوى حلف الأطلسي هي التي تدير شؤونها، ولا تحسم مستقبلها في اتجاه استقلال كامل أو العودة بشكل «غير ديموقراطي» إلى السيادة الصربية. حققت كوسوفو ديموقراطية تسعد بها واشنطن وتهلل، ومازالت محرومة من حقها أن يعترف بها كأمة بين الأمم.
وفي نيبال، قام ملك البلاد بتزوير الانتخابات المحلية. يرفض الملك الاستمرار في مسيرة الديموقراطية بحجة أن عناصر إرهابية ومتطرفة ستصل إلى الحكم. ولا تحتج واشنطن على تصرفاته وفساد نظام الحكم في نيبال، وتترك نيبال إلى الهند، الحليف الصاعد في جنوب آسيا، ليتولى حماية نظام الحكم ومساعدته ضد المعارضة. وللهند موقف مشابه من النظام العسكري الحاكم في بورما، إذ ترفض نيودلهي محاولات واشنطن والاتحاد الأوروبي فرض الحصار على حكومة رانغوون. تعلمت الهند كيف تمارس دولة ديموقراطية إجراءات وسياسات غير ديموقراطية، من خبرتها في إدارة أقاليم بوتان وسيكيم وبقية مناطق الحدود الشمالية الشرقية وكشمير. ثم تعلمت من مراقبة ممارسات الولايات المتحدة كيف تحمي أنظمة حكم دكتاتورية من دون أن تتخلى عن سمعتها الديموقراطية. راقبت ممارسات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط وتعلمت منها الكثير.
وفي كابول، جرت انتخابات فريدة وقام مجلس تشريعي أيضاً فريد وتربعت حكومة لها رئيس جمهورية وحكومة وما يشبه النظام الإداري. أما أفغانستان خارج كابول فتعيش حياة أخرى لا علاقة لها بانتخابات أو ديموقراطية أو تعددية حزبية. الحياة في أفغانستان خارج كابول كالحياة في أفغانستان قبل الطالبان. وفي باكستان، وباسم حرب إرهاب، يستمر في سدة الحكم رئيس عسكري يجمع بين وظيفتي قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية، ضابط عسكري ورئيس مدني في شخص واحد. ولم تفلح الدعاية الباكستانية ومؤازرة الولايات المتحدة للرئيس مشرف في إقناع العالم الخارجي أن في باكستان نوعاً من الديموقراطية فقد جرت فيها انتخابات. ويعيبون على إيران نظامها الديني، ولا يعيبون على باكستان نظامها العسكري بالرغم من أن ما مورس من حرية في انتخابات إيران أكثر مما يمارس في انتخابات باكستان. وما مورس في فلسطين وجرى من انتخابات حرة وشفافة يتجاوز ما مورس في دول كثيرة في المنطقة، ومع ذلك لا تحتل فلسطين أو إيران مكاناً في قائمة ديموقراطيات بوش.
وفي الواقع لم تفخر إدارة بوش بإنجاز حققته كما فخرت بانتصارها في مسلسل الثورات الملونة، أي الثورة الزهرية في جورجيا والثورة البرتقالية في أوكرانيا وثورة القرغيز التي أطاحت برئيسها عسكر الملاييف. وأحسب أن روسيا اليوم أكثر اطمئناناً إلى أن المسلسل وصل إلى آخر حلقاته، بل لعلها سعيدة لأن هذه الدول بثوراتها لم تحقق شيئاً أبعد من تغيير أشخاص، أما السياسات فلم يتغير فيها إلا البسيط أو السطحي بينما اشتد الفساد وتعمق واتسعت حلقاته.
ففي أوكرانيا على سبيل المثال تجري حالياً حملة انتخابية يعود فيها إلـى صدارة المنافسة، يانكوفيتش، الرجل الذي نشبت الثورة البرتقالية لعزله بعد افتضاح تزويره في الانتخابات، وهو نفسه يصرح الآن بأن البرتقاليين سيحاولون تزوير الانتخابات القادمة لمنعه من الوصول إلى الحكم بالطرق الديموقراطية، ولا يزال يانكوفيتش يخطب في اتباعه قائلاً أن «الديموقراطية مستحيلة في دول فقيرة».
ومن ناحية أخرى تتصاعد الحملة المضادة لخطة «الهيمنة بالديموقراطية» ففي روسيا أصدر فلاديمير بوتين قانونه الشهير المنظم لعمل منظمات المجتمع المدني الأجنبية وجمعيات حقوق الإنسان، وفي طاجكستان قامت الحكومة بوضع إجراءات جديدة تمنع السفارات والهيئات الأجنبية من الاتصال بالمواطنين والجمعيات المحلية، وفي الصين اتخذ الحزب سلسلة من السياسات للوقوف في وجه الغزو الإلكتروني ونشبت حملة مضادة للحملة «اللاأخلاقية التي تتستر خلفها مصالح غربية تخفي أغراضاً أخرى». وفي زيمبابوي طردت الحكومة ممثلي منظمات المجتمع المدني الأجنبي وحلت عدداً من الجمعيات الأهلية الوطنية، وطردت أثيوبيا ممثلي منظمات التمويل الأجنبي. ووعد ميليس زيناوي بلاده بأنها لن تشهد ثورة زهرية أو ثورة خضراء أو ثورة من أي لون. وأوقفت حكومة إريتريا أنشطة العديد من جمعيات المجتمع المدني ونشاط وكالة المعونات التابعة للخارجية الأميركية. وفي أميركا اللاتينية رفضت منظمة الوحدة الأميركية مشروع قرار دفعت به الولايات المتحدة لإنشاء مرصد لمراقبة احترام حكومات أميركا اللاتينية «لأخلاقيات الديموقراطية». أما حكومات الدول العربية فاستأنفت بعزم وتصميم سياسة صد الهجمة الأميركية. ويبدو أن بعضها نجح إلى حد بعيد في إيقاف الهجمة الديموقراطية، ويستعد الآن لاستعادة مواقع كان الظن أنه فقدها نهائياً.
ولا شك أن أسباباً متعددة تقف وراء تصاعد الحملة العالمية المضادة للديموقراطية. يقال مثلاً إن سمعة الرئيس بوش وسياساته الخارجية وانتهاكات حكومته لحقوق الإنسان وتدهور مكانة الولايات المتحدة وشعبيتها في الخارج السبب الأول بلا منازع. ويقال إن التركيز الأميركي على العراق كنموذج تقلده كافة دول الشرق الأوسط أصاب حملة الديموقراطية كلها بأذى شديد وشجع خصوم الحملة على شن هجومهم المضاد وبخاصة عندما تدهورت الأحوال في العراق إلى وضع لم يعرفه العراق في تاريخه الحديث. ويقال أيضاً إن تراوح السياسة الأميركية بين الالتزام الأيديولوجي والواقعية السياسية بشكل غير منتظم غرس الاقتناع بانتهازية السياسة الأميركية التي تسكت عن ممارسات غير ديموقراطية من بعض حلفائها ولا تسكت عن ممارسات حكومات أخرى، ويتردد في الشرق الأوسط أن الحملة في دول الغرب ضد الإسلام والعرب وموجات التصعيد في التأييد للإرهاب الإسرائيلي أحبطت أحلام الديموقراطيين العرب وأضافت إلى الشكوك في النوايا الأميركية.
أيا كان السبب أو الأسباب يبقى أن الولايات المتحدة أهدرت ثروة أخلاقية هائلة حين زاوجت حملة التبشير بالديموقراطية بحملات عسكرية وتخريبية وبحروب شبه عنصرية، فأضاعت على شعوب العالم وبخاصة شعوب الشرق الأوسط فرصة قد لا تتكرر في وقت قريب لتحصل على حرياتها وحقوقها السياسية، الآن لدى حكومات كثيرة الوقت الكافي لتستوعب الدرس وتستعد بترسانات قوانين وإجراءات تحت عنوان محاربة الإرهاب، تعزز بها دفاعاتها التي لم تصمد في وجه الغزوة الديمقراطية وتبني تحصينات أقوى وأحدث.
* صحيفة الحياة:

في الأربعاء 29 مارس - آذار 2006 12:53:54 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=444