انفصال في غرفة التدخين
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي
مساحة بطول ستة أمتار وعرض أربعة أمتار، وبلغة المهندسين هي أربعة وعشرون متراً مربعاً، يطلقون عليها (غرفة التدخين) ولهذا كانت وجهتي الاولى -قبل الاسواق الحرة واستراحات ركاب الدرجة الاولى- بعد ان انهيت اجراءات المغادرة. دخلت على مختصر العالم من شرقه الى غربه وما بينهما، ووسط الدخان المتصاعد بألوانه الزرقاء والرمادية والبيضاء، وبعد ان جلست وتكيفت مع رائحة السجائر المؤذية لحاسة الشم، جُلت ببصري في من حولي.. حيث لفتت نظري عجوز استرالية وهي تسحب نفساً عميقاً، ثم تنفث دخانه في وجوه الجميع وكأنها تتذكر كيف تعلمت عادة التدخين السيئة على يد حبيب قتل في الحرب الكونية الثانية، واثنان من طوال العمر حسبت انهما لن يخرجا من تلك الغرفة إلا وتلكم (الغُتر) الناصعة البياض المنشغلين بهما إلا وقد تحول لونهما الى بيج قاتم.. بجانبهما رجل غربي -قد يكون بريطانياً أو أمريكياً- حليق الرأس والذقن والشارب ضخم الجثة، له ملامح تشير الى انه قد يكون (بودي جارد) او ضابط امن جاء ليطلع على حضارة الفراعنة.. وقبل ان انتهي من قراءة وجهه لفت انتباهي بالتفاتته شمالاً وكيف وجد في ذلك الرجل الاسمر (حبتبن) ضالته او ما كان يبحث عليه.
فسرعان ما حياه وابتسم له ببشاش وكأنه يعرفه منذ سنوات وبعد ان رد عليه الرجل الاسمر (حبتبن) أو الاسود التحية بمثلها والابتسامة باعرض منها.. حمل كرسيه ووضعه بجانبه وجلس وهو يسأله: هل أنت سوداني؟ ولأن الاجابة كانت بنعم، دخل عليه -كما يقال- من رابعا، اي بدون مقدمات، في حديث عن السودان ومشاكلها.. وعن الاستفتاء -الحتمي- الذي كان يبدو متحمساً له اكثر من هيلاري كيلنتون.. وأمثالها من المهتمين بالسودان وبمياه النيل.
مما قاله: انتم الآن في السودان محط اهتمام العالم، واخباركم تتصدر وسائل الإعلام، فرد عليه (الزول) بقوله: نحن هكذا منذ تلقب الرئيس جعفر النميري بأمير المؤمنين ومنذ لمع نجم حسن الترابي، فارتفع ضحكهما.. ثم اخذ المسافر او الرجل الغربي في حديثه عن انفصال جنوب السودان عن شماله مُحسناً ذلك لاخينا السوداني الذي كان يبدي رفضه لتقسيم وطنه او فصل جنوبه عن شماله.
وفي محاولة -للمسافر الغربي- لاقناع اخينا السوداني بحتمية الاستفتاء المؤدي للانفصال قال له ان الاستفتاء سيتم باشراف دولي واذا ما اختار الجنوب الانفصال فإن ذلك سيتم وإلا فإنها الحرب التي هل تقبلون بها و.. و.. الى ان قال له: وهل ستقوون على حرب كهذه؟!
رد عليه اخونا السوداني قائلاً: في حالة إعلان الانفصال، ستكون الحرب مع كيان او دولة معلنة، أهون وأفضل من الحرب مع عصابات ومتمردين.. حينها مطَّ المسافر الغربي شفتيه ورفع حاجبيه وضرب بكفيه على ركبتيه مبدياً عدم ارتياحه لما سمعه من السوداني المتمسك بوحدة وطنه، وقام وسحب حقيبته وكأنه يلبي نداء موعد الرحلة.
حينها سألت نفسي: لماذا كل هذا الحماس لتقسيم السودان وهل يمكن ان يحدث ذلك مع المنادين بالانفصال في اسبانيا، أو ايرلندا أو غيرها من دول أوروبا؟

في الخميس 21 أكتوبر-تشرين الأول 2010 11:10:19 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=4153