إزدواجية معايير
كلمة  26 سبتمبر
كلمة 26 سبتمبر
لم يعد أمن وإستقرار أية دولة في عالم اليوم يخص تلك الدولة وبالمقابل فإن اية اهتزازات في أمن الدول الكبرى واستقرار أوضاعها السياسية والاقتصادية بكل تأكيد تنسحب تأثيراته على العالم كله وبالتالي فان هذا الترابط والتلازم يستدعي من الكبار والصغار حرصاً متبادلاً مبنياً على الفصل بين العام
 الذي نشترك فيه جميعاً وعلى الخاص الذي يجعل كل بلد يتميز عن غيره في تكوينه التاريخي الاجتماعي الثقافي الذي يكسبه خصوصية حضارية تعطيه مساراً متميزاً في التلاقي.. والتقاطع مع الآخرين المؤدي الى التنوع والثراء الحضاري الانساني.. وبدون ذلك يختل التوازن وتعم الاضطرابات بمدلولها الكلي والجزئي مجتمعات الدول المتقدمة والنامية والفارق في القدرة على التأثير والتأثر، لذا نجد الدول الكبرى تحاول ان تتجنب الأزمات وسلبيات المتغيرات بتصديرها الى دول وشعوب العالم الثالث تحت مسميات لمشاريع براقة للحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان في حين الغاية والهدف نقيض ماهو معلن.. لنتبين من خلال السلوك والممارسة في التعاطي مع هذه المفاهيم ازدواجية معايير الدول الكبرى التي تجعلها ضبابية وغير واضحة، بحيث نفسرها بمنطق تأويلي ملتبس لتصبح الحرية والديمقراطية تفهم كمرادف للفوضى ويتم تكريس مثل هذا الفهم بالدعوة الى الديمقراطية والتعددية المنفلتة عبر تصوير نموذج واحد لديمقراطية يمكن تطبيقه على العالم كله مع انها تدرك ان الديمقراطية ان لم تؤطر بضوابط ومعايير اخلاقية تأخذ في الاعتبار مستوى التطور وطبيعة التكوين الاجتماعي ومدى قدرة أوضاعها على تحمل انماط يجرى الترويج لها كمنتج سياسي استهلاكي لتحقيق مصالح هي أبعد ماتكون عن الشعارات المرفوعة التي بريقها لاينير طريق البلدان بل يعمي أبصارها عن رؤية تحديات وصعوبات اوضاعها الحقيقية فانها تزداد تعقيداً وتتحول الى اخطار تهدد خيار الديمقراطية وكيانات استقرارها السياسي والاقتصادي والأمني وهذا كان متوقعاً ومطلوباً ليتيح المزيد من التدخل في شؤون الدول النامية التي كانت منذ البداية تسعى الدول الكبرى إلى جعلها متنفساً لاحتقانات أزماتها لكنها فيما بينها تقرر شكلاً ومضموناً ظروف وخصوصية كل بلد في تطبيق الديمقراطية معظمها ديمقراطية تنحصر في حزبين والثالث إن وجد إنما يأتي من باب اكسابه صبغة تعددية، مؤكدة على أن لنظامها السياسي ثوابته وخطوطه الحمراء..
وهكذا فإن هذه الدول التي توزع صكوك الديمقراطية والحرية وتلبس ثوب الناصح والمعلم إزاء قضايا حقوق الإنسان واحترامها كيفما تشاء ووفقاً لمتطلبات مصالحها نجدها في حقيقة الأمر تفتقد لجوهر الروح الديمقراطية الحقة ومبادئ الحرية والعدالة وتمارس أقصى الانتهاكات لحقوق الانسان والآدمية الانسانية وبأبشع الصور، وهو الحال الذي يمكن رؤيته في كل تلك السياسات الممارسة على أرض الواقع بل إنها تجعل في معظم الاحيان من الارهاب وسيلة لممارسة كل انواع الارهاب على الدول والشعوب الضعيفة ولاتتوانى في شن الحروب واستعباد الشعوب وممارسة أبشع انواع التعذيب المهدرة للكرامة الانسانية.. والأمثلة كثيرة بحيث أصبح رفع شعارات الحرية والعدالة من قبل هذه الدول مثار سخرية واستهجان في كل انحاء العالم وتصبح القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية هي المعيار وهي المشروعية التي منها يستمد هؤلاء حق التدخل في شؤون الآخرين وفرض مايناسب مصالحه باسم قيم اخلاقية انسانية لم تبق منها سوى ما يروجون له من المبررات والذرائع للتدخل في شؤون الدول والمجتمعات سواء بإرسال الجيوش والاساطيل والاحتلال أومن خلال اصدار البيانات الاتهامية لهذه الدولة أو تلك وسلطاتها ومنها السلطة القضائية التي كما يقولون لايسمحون لأحد التأثير على استقلالية احكامها في حين يبيحون لأنفسهم اعاقة استقلالية القضاء في اية دولة ما دام ذلك لايخدم مشاريعهم ومصالحهم.
إن مثل هذا الوضع الذي وصل اليه العالم جراء إزدواجية معايير الدول الكبرى اصبح بحاجة الى نظام عالمي جديد يقوم على توازن القوى بين اقطاب متعددة يحقق قيم الديمقراطية داخل مجتمع كل دوله في العلاقات الدولية من خلال تحقيق الشراكة السياسية والاقتصادية التكاملية بين اقتصاديات كافة دول العالم صغيرها وكبيرها.. وهذا بات مطلباً ملحاً بعد أن أوصلتنا على هذا الكوكب نزعة القوة وروح السيطرة والهيمنة الى ماوصلنا اليه من الفوضى العارمة التي مع استمراريتها لا يستطيع أحد التنبؤ بعواقبها الوخيمة على مستقبل البشرية.
في الخميس 12 يونيو-حزيران 2008 09:57:14 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=1992