حروف تبحث عن نقاط:ومات أحمد الشامي
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي
يتشاءم الناس من الرقم 1300 ونضيف إلى دواعي التشاؤم من هذا الرقم أنه كان موعداً (لعصافير بروملي) لوداع الشاعر والاديب والمؤرخ الكبير أحمد محمد الشامي الذي رحل جسداً يوم الاحد الماضي من شهرنا الجاري، واختار هجعة الرقاد الابدي حيث اطلق (النفس الأول) في صنعاء التي جعل منها رمزاً لعشقه وتغزله في الوطن وتمازجه مع خصوصياته.
«عصافير بروملي» ليست وحدها بل تنضم اليها حمام صنعاء ونوارس عدن باكية رجلاً دخل الحياة من جميع ابوابها الواسعة.
فمن الابواب الواسعة دخل الادب وعالم الشعر والسياسة والتاريخ، دخل التشرد والاستقرار، الفقر والغنى، المناصب الكبيرة والسجن، ودخل المعارضة بكل صورها ومواقعها.
أحمد الشامي عاش الحياة بكل معناها، وكأنها قد تجمعت فيه امة بأكملها ونوادر هم الرجال الذين مروا بتجاربه في الحياة.. فهو من عاش في الخيمة والقصر، في الكهف وفنادق الخمسة نجوم، وعرف الاغلال والقفازات الحريرية، كما عرف الصداقات والعداوات بكل معانيها حتى صار من اعرف الناس بالعدو العاقل والصديق الجاهل.
ومن يستقرئ حياة هذا الرجل (ورياح التغيير) التي عاصرها وتجاذبته يجد ان هذا الرجل خبر الحياة بحواسه الست واستخدم بشكل جيد كل ما في الانسان من ردود فعل عاطفية في الحب، والكراهية، الغضب، الغيرة، الطرب.. الخ.
تغزل في مشرب النرجيلة (المداعة) وهو يلامس شفتي الجميلة في نزل (مقهاية شعبية) في منطقة ريفية وقال الغزل الجميل في (مايو السباحة) فوق مليحة مترفه في «اللنج بتش» بعاصمة الجمال بيروت.
وغاص في بحر التاريخ، والبحث والنقد.. كما غاص في بحر الكلمة والجمال وحمل معه اليمن اينما ذهب، وجعل من مفهوم حبه لها معياراً لصداقاته وعداواته حتى وهو يقارع الكبار امثال طه حسين ومن في قامته، ومن هم دون ذلك.
ما من شيء في حياة الناس الا ودخله هذا الشاعر وعايشه حتى الصحافة دخلها من بوابة الصحافة الادبية، وكان من اوائل مؤسسي الصحافة الادبية في اليمن، ومن ابرز كتاب (البريد الأدبي) وكذلك عالم الاغنية، دخله مصطحباً معه صنعاء وما حوت من فنون مقدماً اياها للعالم كأول لحن يتغنى به الزمن.
احمد محمد الشامي نبغ من صغره وحاز الفخار قبل ان يبلغ العشرين، ومن معاناة شعبه وفقره شق طريقه معارضاً منادياً بالدستور والتحديث منحازاً الى افكار ومبادئ استقاها من الرعيل الاول لرواد الحركة الوطنية في اليمن.
سأله ذات يوم صديقه اللواء/ حسين المسوري من أين دخلت المعارضة فأجاب من جوعي وفقري.
فقد دخل ذات يوم على الامام يحيى طالباً منه اعتماد (بضع صاعات) من القمح شهرياً يضاف إلى قوتهم اليومي.. فسأله الامام ماذا تقرأ فلم يكن منه الا ان عدد له الكتب التي يقرأها واسماء المشايخ الذين تتلمذ عليهم.. فلم يصدق الامام وقال له: كاذب فبكى أحمد الشامي الصغير.. حينها طلب الامام من العلامة احمد الكحلاني ان يختبره ويتأكد مما قاله الشامي، وفي اليوم الثاني جاء الكحلاني الى الامام قائلاً له: لقد وجدته فوق ما اتصور فخجل الامام واعتمد له كمية القمح المطلوبة.
اتعرفون لماذا طلب احمد الشامي تلك الكمية الضئيلة من القمح؟ لان اسرته لا تملك ثمنها ولانه يريد ان يرى وجبة (الفتوت) في مائدتهم كما هي موجودة في مائدة غيره.
ومن هنا نجد الشرارة الاولى في حياة احمد الشامي المعارض، واحمد الشامي الشاعر الملتزم لفنه.
تلك خواطر اولى عن علم فقدناه نعاه بلسان وطن باكمله زعيمه وقائده الكبير فخامة الرئيس علي عبدالله صالح الذي لم يقصر يوماً في حق هذا الاديب والمؤرخ والشاعر الذي رأى صديقه الدكتور عبدالعزيز المقالح يوم موته حداداً أدبياً.
رحم الله الفقيد يوم رأت عيناه النور في مدينة الضالع ويوم ووري الثرى بين احضان معشوقته صنعاء مستريحاً مستقراً بعد حياة مفعمه بكل ما في الحياة من مرارة وحلاوة والم وسعادة.. لقد مات احمد الشامي.

في الخميس 17 مارس - آذار 2005 08:45:37 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
http://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.26sep.net/articles.php?id=140