الاقتصاد اليمني الحاضر الغائب .. الأسباب والحلول
طلعت زكي حافظ
خلال زيارة عمل قمت بها أخيرا للجمهورية اليمنية، تأكد لي بما لا يقبل الشك، أن ا قتصاد اليمن مكتنز ومملوء بالفرص الاستثمارية العديدة، كما أنه يمتلك العديد من مقومات النجاح الاقتصادية، التي في حالة استخدامها الاستخدام الأمثل، سيصبح الاقتصاد الوطني من بين أرقى وأقوى الاقتصادات على مستوي المنطقة العربية، التي لعل من أهمها وأبرزها على المستوى السياسي، نجاح الوحدة اليمنية، التي تمكنت من الجمع بين القطبين الرئيسيين للبلاد، (الشمال والجنوب)، الأمر الذي مكن الحكومة اليمنية من إرساء قواعد الأمن والاستقرار السياسي في البلاد، الذي يعد من بين أهم عوامل نجاح النمو والاستقرار الاقتصادي لأي بلد في العالم سواء اليمن أو غيره، أما بالنسبة على المستوى الاقتصادي، فإن الاقتصاد اليمني يمتاز بتنوع القاعدة الاقتصادية وكذلك تنوع الفرص المتعددة في مجالات الاستثمار، كالاستثمار في النشاط السياحي، والعقاري والصحي والزراعي والثروة السمكية، بما في ذلك البنية التحتية الأساسية، من موانئ ومطارات ووسائل النقل المتعددة، مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه.
مؤتمر المانحين الذي عقد في لندن خلال الفترة 15 ـ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، بمشاركة 25 دولة و15 منظمة دولية، أكد توافر الفرص الاقتصادية والاستثمارية الكامنة في الاقتصاد اليمني، من خلال رصده أكثر من 4.7 مليار دولار، في شكل تعهدات مالية، بغرض توفير التمويل اللازم لأكثر من 86 في المائة من حجم الفجوة التمويلية البالغة نحو 5.5 مليار دولار للسنوات (2007 ـ 2010)، وذلك لتنفيذ نحو 85 مشروعا تنمويا، ركزت معظمها على التحسين من قدرة البنية التحتية لليمن، إضافة إلى التحسين من أداء عدد من القطاعات الإنتاجية الأخرى، بما في ذلك تنمية الموارد البشرية، والإصلاح الإداري، والحماية الاجتماعية.
مؤتمر المانحين المذكور اشترط ربط تلك التعهدات المالية المذكورة بالوفاء بالالتزامات المترتبة عنها، بعقد شراكة طويلة المدى بين الجمهورية اليمنية والجهات المانحة، حيث يتم من خلالها الاتفاق على تمويل مشاريع التنمية في اليمن وفق مناخ وبيئة اقتصادية واستثمارية شفافة، وتحت مظلة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، التي من المفترض أن تتبناها الحكومة اليمنية، بما في ذلك استكمال ما قد شرعت في تنفيذه، وقد ركزت على أربعة محاور رئيسية هي: (1) قوة البرنامج الاستثماري في المشاريع، (2) متانة الإصلاحات الاقتصادية، (3) القدرة الاستيعابية للاقتصاد على تنفيذ المشاريع، (4) وأخيراً علاقة اليمن بمجلس دول التعاون الخليجي، التي ارتكزت مسيرتها على تحرير التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون والجمهورية اليمنية، من خلال تبني العديد من المبادرات الاقتصادية والاستثمارية بين الجانبين الخليجي واليمني، التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر تحرير التبادل التجاري بين دول المجلس واليمن، بالإعفاء الكامل لجميع المنتجات الوطنية للجانبين، وإلغاء جميع القيود الجمركية وغير الجمركية، وانضمام الجمهورية اليمنية إلى منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، وكذلك انضمامها لهيئة التقييس الخليجية.
على الرغم من الفرص الاقتصادية والاستثمارية الواعدة باليمن، لكن الأمر لا يكاد يخلو من التحديات الكبيرة، التي ستواجه الحكومة اليمنية خلال المرحلة المقبلة، بالذات المرتبطة بالنهوض بأداء الاقتصاد، بما في ذلك إقناع المستثمر الأجنبي بسلامة وبمرونة البيئة الاستثمارية اليمنية، وأنها بالفعل جاذبة وليست طاردة للاستثمارات، ولاسيما في ظل تراجع عدد من المؤشرات الاقتصادية منذ عام 1999، حينما فقد الاقتصاد اليمني بعض مقومات قوة الدفع الذاتي، نتيجة للانخفاض في الدخل المتولد عن بيع النفط، والانكماش الملحوظ في معدل النمو، ووجود مستوى متدن لدخل الفرد عند مستوى 530 دولارا سنوياً (منذ عام 2002)، الذي أدى بدوره إلى وجود أكثر من 42 في المائة من سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، وأدى كذلك إلى ارتفاع معدل البطالة لأكثر من 20 في المائة، ولكن في رأيي رغم هذا الأداء المتدني للاقتصاد اليمني، فإن الأمل لا يزال معقودا على قدرات الحكومة اليمنية الحالية على النهوض بأداء الاقتصاد وتحسين البيئة الاستثمارية، من خلال ما أشارت إليه الكلمة الافتتاحية لمجلة "شعاع الأمل" في عددها 96، تحت عنوان "ماذا يريد اليمن وماذا يريد المستثمرون؟"، قدرتها على الإجابة والتعامل مع العديد من التساؤلات التي تدور في أذهان المستثمرين الأجانب، حول العديد من القضايا التشريعية والتنظيمية، التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر، هل هناك أنظمة واضحة تضمن حقوق رجال الأعمال واستثماراتهم؟، هل القضاء اليمني على مستوى المسؤولية والشفافية أم هو بحاجة إلى تغيير وتحديث وتدريب للأجهزة القضائية؟، هل تتوافر لدى الأجهزة الحكومية والوزارات الخدمية، المرتبطة برجال الأعمال رؤية واضحة وفهما لدورهم في تحسين البيئة الاستثمارية؟ هل هناك هيئة اقتصادية واحدة يناط بها تسهيل إجراءات المستثمرين، بدلا من ضياع المستثمر في دهاليز الوزارات وتعرضه لأن يكون تحت رحمة الروتين والبيروقراطية؟ وإلى أي مدى وفرت اليمن فرص التأهيل والتطوير للعمالة لاستيعاب النقلة الحضارية المرتقبة ولتلبية متطلبات التنمية والمشروعات المطروحة؟ وإلى أي مدى يمكن لرجال الأعمال المستثمرين أن يسمح لهم بإحضار العمالة المدربة لتنفيذ مشاريعهم ولتوفير الفرص للعمالة اليمنية للاستفادة من خبراتهم؟ وما خطط اليمن لإنشاء المعاهد التقنية الحديثة وتطوير المعاهد القائمة وتحديثها لتواكب التطور السريع في التقنية ولتدريب أبناء اليمن على الجديد من الآلات والأجهزة، إضافة إلى تلبية احتياجات سوق العمل من العمالة الفنية المؤهلة والمدربة؟ وهل تخطط اليمن لثورة تعليمية لإدخال التعليم التقني في المناهج التعليمية، بما يؤدي إلى تنمية الموارد البشرية؟ وأخيراً هل وفرت اليمن دراسات علمية وواقعية لمشروعاتها التي ستطرح أمام المستثمرين؟
في رأيي أن قدرة الحكومة اليمنية خلال المرحلة المقبلة على التعامل مع القضايا الاقتصادية والاستثمارية العالقة، ووضع الحلول المناسبة لها، بالشكل الذي يلمس من خلاله المستثمر الأجنبي تحولاً جذرياً ونقلة نوعية في البيئة الاستثمارية، ستشجع عددا كبيرا من المستثمرين على خوض تجربة الاستثمار في اليمن، الأمر الذي بدوره سيعزز من الثقة بالبيئة الاستثمارية اليمنية، وسيعمل على وضع الاقتصاد اليمني بين مصاف الاقتصادات العربية المتقدمة، بحيث يصبح الاقتصاد اليمني اقتصادا حاضراً وفاعلاً بكامل قواه وموارده الذاتية، وبالله التوفيق.
* مساعد مدير عام البنك الأهلي التجاري
* مستشار اقتصادي وخبير مصرفي
* عضو جمعية الاقتصاد السعودية

في السبت 30 يونيو-حزيران 2007 06:04:20 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://www.26sep.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://www.26sep.net/articles.php?id=1168