الإثنين 21-10-2019 06:17:06 ص
حروف تبحث عن نقاط: قابوس- الملك المظلوم «1»
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: شهرين و 21 يوماً
الثلاثاء 30 يوليو-تموز 2019 11:57 م

قبل سنوات كنت أحد الذين تلقفوا نصيحة من الدكتور فكتور الكك ومفادها ان يتم البحث عن عباقرة وعمالقة أصابهم من الظلم المجحف ما أصاب، وضرب مثلاً بأحدهم وهو قابوس شمس المعالي، فقلت لنفسي لماذا لا أبدأ بالتأمل في حياة هذا العظيم مادام أمامي، خاصة وهو صاحب الخصال المتعددة التي تجمعني به خصلتان منها، هما حب الفلسفة والشعر الذي يجعل من الشعراء أصدقاء وإن لم يتعارفوا، وبتأملي في حياة هذا العظيم، لم أجده أميراً كما كان ينادى ولا ملكاً.. بل ملوكاً على عروش متعددة وجدته الملك الذي تربع على عرش ورثه من آبائه، ووجدت فيه الملوك الذين استووا على عروش الشعر، وبلاغة النثر، والخوض في أمور الفلسفة، والفلك والعلوم ونشر المعرفة، والوفاء الى درجة التضحية، والتعرض لصروف الدهر وعناده وتمادي أيدي الزمان المتقلب.. وهذا ما يتصدر إعجابي به قبل شاعريته وبلاغته التي يجمع معاصروه أنها لا تجارى، وهذا أيضاً ما جعل أحد المؤرخين يقول ان البلاغة لم تكتمل الا بقابوس وألف عنه كتاباً اسماه “اكتمال البلاغة”.
ولمن لم يدرك من أعنيه بقولي هذا، أقول له: دعني أعرفك به.. قبل أن أقول لك من هو، وسأكتفي بمقطوعة شعرية من قصيدة قالها بعد أن تعرض لنكبة مريرة بسبب وفائه وشامته كادت تفقده ملكه الى الأبد مما جعله يتعرض للشماتة والسخرية وعيّره حسّاده بما آل إليه حاله، ولكنه لم ينهزم أو يستسلم لما أصابه بل جعل من ذلك مكاناً عالياً يرتقيه للتأمل في الزمن والناس وطباعهم.. ومما قاله بهذا الصدد:
“الدهر يومان: ذا أمن وذا حذرٍ والعيش شطران: ذا صفو وذا كدر”
وبعد أن عرفهم أ، الدهر أمن ومخاطر، وأن العيش صفو وكدر، توجه بالخطاب الى من عيّره بنكبته، فيعلمه أن الدهر لا يعاند الا من له شأن في الحياة إذ يقول:
“قل للذي بصروف الدهـر عيّرنا هل عاند الدهر الا من له خطر”
“فإن تكن عبثت أيدي الأمان بنـــــــا ونالنا من تمادي بؤسها الضرر
“ففي السماء نجوم مالها عـــــــدد وليس يكسف الا الشمس والقمر”
نعم لا يكسف الا القمر والشمس أما النجوم التي تملأ السماء فلا تهم الناس مثلهما.. سواءً شعّت أو غربت.
ويضيف بقوله أن النكبات المريرة وسهام الزمن لا تتوجه الا نحو من له شأن ومكانة، موضحاً لهم ذلك- علّهم يفقهون- بأن الخضرة تملا الأرض ولكن لا ترجم الا الأشجار المثمرة، كما قال:
“وكم على الأرض من خضراء مورقة وليس يرجم الا ماله ثمر
ثم يتوجه بالخطاب الى من عيّره بسقوطه واعتلاء غيره مكانته، فيقول له عليك بالنظر الى البحر لترى كيف تعلوه الجيفة والميتة وتستقر الدرر في قعره:
“الا ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قعره الدرر”
قال أفلاطون العظيم لرجل غريب دخل عليه أكاديميته وهو يحاضر تلاميذه: تكلم حتى نعرفك- ولم يسأله عن اسمه- ومن خلال ما تقدم أعتقد انكم قد عرفتم من أعنيه، أما اسمه فهو الأمير قابوس بن ابي طاهر الزياري ويعود نسبه الى آل قارون احدى الأسر السبع الشهيرة في فارس وقد تولى إمارة جرجان وطبرستان المحاذيتان لبحر قزوين سنة 266هـ، ولم يكن متعصباً لفارسيته بل أبدع معظم شعره ونثره باللغة العربية، قال عنه “معجم الأدباء” أنه كان يعرض عن مادحيه ويتجنب سماعهم، وقد علل ذلك بأنه لا يريد سماع الكذب والنفاق، وأنه يتجنب الوقوع في الخداع.. ممن يقول عكس ما يبطن..
أكتفي بهذا، أما مظلوميته، وما تعرض له بسبب وفائه، فلنا لقاء للحديث عنها.
} فكتور ألكك: عالم لبناني شغل موقع أستاذ دراسات عليا في الجامعات اللبنانية والأمانة العامة للمجمع الثقافي العربي.