الإثنين 21-10-2019 05:48:47 ص
نافذة على الاحداث: الإعلام للهدم والبناء..!
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: شهرين و 21 يوماً
الثلاثاء 30 يوليو-تموز 2019 09:27 م

لو أن الإعلام اليمني بمختلف وسائله المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية وبكل اتجاهاته الرسمية والحزبية والأهلية يتعامل مع القضايا الوطنية بمهنية عالية ودون إضافة مجموعة من البهارات إليها لتحسين المذاق بحسب ما يتفق مع رضا هذه الجهة أو تلك لكنا اليوم نعيش في وضع أفضل وحققنا مكاسب كبيرة قد تقرب المسافة للوصول إلى نهاية الطريق.
لكن لأن الإعلام بحكم ما يمتلكه من تأثير على العامة والخاصة ولأن كلمته أمضى من الرصاص من حيث إصابتها للهدف كونها تخترق العقول والنفوس فقد استغل سقف الحريات المرتفع في ظل كسر حاجز الخوف وصارت كل وسيلة إعلامية تتصرف وكأنها الناطق الرسمي باسم الشعب اليمني مغلبة في تناولها الإعلامي لأية قضية موقف الجهة السياسية التي تعبر عنها على حساب سمعة الوطن اليمني وخدمة قضاياه.. وهو ما يؤكد أن الوعي المعرفي بما يجب أن يقوم به الإعلام وبما من شأنه أن يساعد على تجاوز الكثير من قضايانا المعقدة ما يزال لدينا كيمنيين متأخراً جداً ولم نستفد بعد من تجارب الآخرين.
بالنسبة لي كأحد العاملين في الحقل الإعلامي لا اكترث كثيراً بما ينشر ويذاع من غير المصادر الرسمية لأنني بحكم معايشتي الطويلة لأشهر مطبخ إعلامي اعتمد عليه نظام الأربعة عقود وكان له الدور الأكبر في تدريب وتفريخ الإعلاميين وتوجيههم اعرف كيف كانت تدار الأمور وكيف كان يتم فبركة القضايا وصنعها للتأثير على الرأي العام.. ولذلك فقد كنت وما زلت اكتفي عند ذهابي إلى العمل كل صباح بالوقوف أمام احد أكشاك الصحف لأطلع على العناوين المثيرة التي تتفنن في إخراجها الصحف الصادرة بحسب ما يعكس توجه الجهة أو الجماعة السياسية التي تصدر عنها وكان أكثر ما يشدني أثناء وقوفي عليها هو تعليقات المواطنين الذين يتجمعون للاطلاع عليها والتسابق على شرائها لاسيما إذا ما كانوا متحزبين حيث كل منهم يشيد بالصحيفة التي تصدر عن الجهة التي ينتمي إليها سياسياً.. أما العامة من الناس العاديين فإنني كنت أشفق عليهم لأن كل منهم كان يمسك بقوة على قلبه من شدة الخوف اعتقاداً منه أن الحرب الأهلية قائمة لا محالة وهذا في حد ذاته يعكس ما للإعلام من تأثير على الناس حيث يوصف بأنه كالسيف ذو حدين قد يسخر للخير وللشر في آن واحد.
ويزداد تأثير الإعلام شدة عندما يتناول القضايا ومتابعتها وقد تجرد من القيم والأخلاق التي تحكمه وفي نفس الوقت آمناً من محاسبة النظام والقانون حول ما ينشره وهو ما يذكرنا بتلك المقولة المشهورة لوزير إعلام النظام النازي في ألمانيا خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي والتي مفادها: (اعطني إعلاماً بلا ضمير أعطيك شعباً بلاوعي).! ومن يتأمل قليلاً فيما يقوم به الإعلام اليمني سيجد أنه فعلاً يتعامل مع قضايا الوطن بلا ضمير بهدف تزييف وعي الناس وإدخال أبناء الشعب اليمني في متاهات لا نهاية لها لاسيما عندما يقوم بالتركيز على قضايا خلافية وإثارتها كقضايا رئيسية لزعزعة الوحدة الوطنية تعكس توجه تحالف العدوان وإشاعة روح البغضاء والعداء بين أبناء الوطن الواحد ومن أهم هذه القضايا التي يركز عليها: الطائفية والمذهبية والعنصرية والقبلية والسلالية وتوجيه الاتهامات الباطلة لهذا الطرف أو ذاك خدمة لجهات داخلية وخارجية تعودت منذ زمن بعيد على دق الأسافين بين اليمنيين لإضعافهم وليزدادوا عذاباً وشقاء وصرفهم عن تحمل أعباء مسؤوليتهم للمرحلة التي تستدعيها حالة اليمن اليوم وصولاً إلى تحقيق الدولة الوطنية الحديثة والقضاء نهائياً على التسلط الفردي وعلى عوامل التناقض والارتباك الموروث الذي مازال يعيشه اليمنيون بفعل الظروف الصعبة التي مرت بها اليمن خلال العقود الماضية ورافقتها خلافات وتناحرات خلفت مناخاً ملائماً للفردية المطلقة.
ومن أجل تهيئة الظروف المناسبة للمرحلة المقبلة ووضع معالجات جذرية لكل مشاكلنا فإن المطلوب من الإعلام بكل وسائله واختلاف اتجاهاته أن يقف مع القضايا الوطنية والتعامل معها بمهنية أو على الأقل بحيادية وبحيث يكون التعصب للوطن وقضاياه وهذا حق مشروع للشعوب.
وهو ما يجب على كل الوسائل الإعلامية أن تقوم به من أجل تقريب وجهات النظر بين الفرقاء المختلفين.. لأن الإعلام عندما يركز على خدمة قضايا أمة ومصلحة شعب فإنه يثمر بلا شك مردوداً جيداً عند الناس ويبقى تأثيره الإيجابي عالقاً في أذهانهم.
أما عندما يكون الاستخدام لوسائل الإعلام المختلفة سيئاً دون التزام بالضوابط والقيم والمعايير الأخلاقية فإن هذا الخطاب الإعلامي يتحول إلى عكس ما يهدف إليه تماماً وينتج عنه زرع ثقافة الحقد والكراهية والانتقام وتدمير ما هو قائم مهما احتال في تناوله للقضايا بأساليب المكر والخديعة وسياسة الالتفاف لصرف الأنظار بعيداً عما يجري على أرض الواقع..بقي ان نقول :كم هو مؤسف أن نجد الإعلام الموجه يحاول أن يصور للمواطن بأن كل شيء على ما يرام وأن الدنيا بخير، متجنباً الاعتراف بالأخطاء أو مصارحة الناس بالحقائق، لأن القائمين عليه يعتقدون أن ذلك انتقاصاً في حق الحاكم وفي حق النظام .. وفي المقابل يحاول الإعلام المعارض أن يشيع في أوساط المجتمع بأن كل شيء يتجه نحو الهاوية، وأن البلاد تعيش في حالة انهيارتام.. فيما الإعلام المستقل منقسم على نفسه حيث جزء منه يجاري الإعلام الرسمي، فيما يذهب إليه من تصوير للحياة بلون وردي والثمن معروف طبعاً مخصصات شهرية ودعم وهدايا وغير ذلك من المغريات التي تجعل الضعيف أمام المال ينسى نفسه .. و الجزء الآخر من هذا الإعلام المستقل لا يفرق كثيراً في طريقة تناوله للقضايا بنفس الإسلوب الذي يلجأ اليه الاعلام المعارض حيث يكاد الخطاب يكون واحدا ومتناغما ويسير في نفس الاتجاه .