الثلاثاء 15-10-2019 06:30:20 ص
التدوير في اليمن
بقلم/ كاتب صحفي/يحيى السدمي
نشر منذ: 6 سنوات و 4 أشهر و 8 أيام
الأربعاء 05 يونيو-حزيران 2013 12:06 م

القمر يدور حول الأرض لحكمة والأرض والكواكب تدور حول الشمس لحكمة, وفي كل بلدان العالم هناك شيء اسمه التدوير الوظيفي لحكمة أيضا, لكن هذا التدوير في تلك الدول يظل ناقصا ولن يصل إلى مستوى التدوير الذي يحدث في بلادنا.

في بلادنا حفظها الله ورعاها هناك تدوير من نوع خاص لا يقتصر على وكلاء الوزارات ومدراء العموم, بل يتعداهم إلى الوزراء فوزير الداخلية يعين في التشكيلة الحكومة التالية وزيرا للخارجية ووزير الشباب والرياضة يصبح وزيرا للأوقاف ووزير التعاليم العالي يتحول بقدرة قادر إلى وزير للمياه ووزير الأشغال يصبح وزيرا للتنمية ووزير التخطيط يصبح وزيرا للتكحيل, ومحافظ مأرب يتم تدويره محافظا لعدن ومحافظ صعده محافظا لذمار ومحافظ حجة يدور ليكون محافظا لشبوة وربما يأتي اليوم الذي يتم فيه تدوير السكان فيتم تدوير سكان برط إلى كريتر وسكان التواهي إلى الصافية بصنعاء وسكان ريمه إلى المكلا وسكان كمران إلى سقطرى.

وهكذا منذ قيام الثورة وحتى اليوم ونحن نحافظ على المجموعة الدورانية وعلى الثوابت وأهداف الثورة الستة, بل إن أهداف الثورة ربما تعرضت للخراب والدمار أكثر من مرة في حين أن بعض الوزراء حافظوا على ثباتهم واستقرارهم فوق كراسيهم وأعيد تعيين بعضهم وزراء أكثر من عدد الحقائب الوزارية في الحكومة وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا الله والراسخون في الوظيفة العامة وهي أن القمر مادام يدور حول الأرض والكواكب تدور حول الشمس في عملية دوران منتظمة فكذلك الوزراء عندنا يدورون بذات الطريقة ولا يتحلحلون إلا ببلوغهم الأجل الواحد وهو الموت بعد أن يسلموا " دوائر " وزاراتهم وعفش مكاتبهم للأبناء تحقيقا لمبدأ " الشراكة ", وليس ذلك فحسب بل إن بعض الوزارات حققت التدوير بشكل كامل لم يسبق له مثيل في التاريخ فالتي كانت في الدائري الجنوبي بصنعاء دارت إلى الدائري الشمالي والتي كانت في الدائري الغربي دارت إلى الدائري الشرقي.

وقال لي صديق أن عملية الإصلاح الإداري في وزارة الثروة السمكية تجاوزت ذلك كله بأن اقترح خبير اقتصادي كبير ذات مرة أن يتم فتح مكتب للثروة السمكية في محافظة مأرب الصحراوية خاصة وأن هذا المقترح جاء في موسم للجراد وكان الصيادون هناك بحاجة إلى مكتب, رغم أن أهل ذمار كانوا الأحق بذلك المكتب لأنهم أول من طالب الرئيس الراحل عبدالله السلال بميناء فطلع السمك من جهران قبل وصول الميناء.

أما بالنسبة للمدراء فهم أكثر ثباتا ورسوخا في مناصبهم من جبال ردفان وعيبان لكنهم يدورون ويلفون كل ما يقع تحت أيديهم لأنهم حماة مال الوطن وخيراته وثرواته وأحجاره وأشجاره, وأنا أعرف واحدا من هؤلاء كان مديرا عاما في البلدية, اذا به يصبح مديرا عاما في التموين ثم مديرا عاما في الأحوال المدنية ثم سفيرا مفوضا ثم عوقب وأعيد إلى البلاد وانتخب نائبا في البرلمان ونفي بقرار جمهوري إلى مجلس الشورى ليقضي عقوبة المؤبد في المجلس مع راتب شهري بسيط لا يتجاوز نصف مليون ريال إلى أن يفرج الله كربته ويعين وزيرا في الحكومة القادمة حتى يكمل عملية دورانه الوظيفي بكل كفاءة واقتدار.

أما مسألة الإحالة إلى التقاعد فربما قد تتسبب في حرب أهلية لو أحيل مسؤول إلى التقاعد أو أقيل لأن هذه الكلمة عندنا عيب تنقص من مكانة صاحبها فأغلب من أحيلوا إلى التقاعد حتى الآن هم موظفون عاديون أصيبوا بجلطات أو سكتات دماغية وقلبية, بعكس ما يحدث في الغرب فمن يكون اليوم رئيس وزراء يعود غدا إلى ماكان عليه مواطنا عاديا لاحول له ولا قوة وربما قد يكون السجن بانتظاره في قضايا فساد وأعتقد أن هذه مهزلة من المهازل لوحدثت عندنا .. فباالله عليكم هل يتصور أحد نفسه وهو ابن فلان الفلاني بعد أن كان رجلا مهما جدا وحوله جيش من المرافقين والعسس والمخبرين يصبح في يوم وليلة ككاتب هذا يمشي لوحده في الشارع كالأبله لا أحد يعيره انتباها ولا يلتفت إليه بنظرة إعجاب ولا يرتعب منه إن عطس أو قام أو قعد.. هل هذه حياة ؟ الموت سيكون أفضل وأشرف.

وإني لا أتعجب من قصة رئيس الوزراء البولندي الأسبق ليخ فاليسا الذي عمل كهربائيا في حوض لينين لبناء السفن في مدينة جدانسك، وطرد من وظيفته عام 1976 بعد مشاركته في احتجاجات ضد الحكومة.

وفي عام 1980 عاد لقيادة احتجاجات العمال في حوض بناء السفن، حيث كانوا يطالبون بظروف عمل أفضل، وبحقهم في الإضراب وتشكيل نقابات عمالية, وخلال خمسمائة يوم التحق بهذه الحركة حوالي 10ملايين عامل فسجن فاليسا وتعرض للقمع عام 1981 ونجحت أساليبه في العمل السياسي في أن تكسبه تعاطفا واهتماما دوليين.

وفي عام 1983 فاز بجائزة نوبل للسلام, وقاد في العام 1989 حملة الاحتجاجات التي أفضت إلى الإصلاحات السياسية وتحول تضامن إلى حزب سياسي شرعي ونجح فاليسا في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء في عام 1990م ممثلا لحزب تضامن العمالي.

وعندما غادر فاليسا الوزارة عام 1995م عاد إلى موقعه السابق عاملا كهربائيا براتب 250 دولارا في الشهر, ولم يكن معه سوى سيارة مرسيدس قديمة ، مع أني أعرف واحدا في بلادنا عندما غادر مكتبه لم يترك فيه حتى دوائر الحوش وحمامات المكاتب فقد أخذ كل شيء معه بما في ذلك الموظفين وانتقل معهم إلى المكتب الجديد بشهادة تقدير ووسام الشجاعة.

   

* نقلا عن مجلة الجيش

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
النظام السعودي ومناورة الوهم!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: نموذجُ جود مُتَمَيِّز من الحالمة تعز
عبدالسلام التويتي
مقالات
كاتب/حسين العواضيأقصر الطرق إلى الوظيفة
كاتب/حسين العواضي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةانتحار سياسي مع سبق الإصرار!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
دكتور/عبدالعزيز المقالحقراءة في حكمة صينية
دكتور/عبدالعزيز المقالح
الاستاذ/خالد الرويشانسر الكهرباء الذي لا يعرفه أحد
الاستاذ/خالد الرويشان
دكتور/محمد حسين النظاريمن يعوّض الوطن والمواطنين ؟؟
دكتور/محمد حسين النظاري
مشاهدة المزيد