الثلاثاء 18-09-2018 23:04:19 م : 8 - محرم - 1440 هـ
التداوي بالسرطان
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: 8 سنوات و 3 أشهر و 15 يوماً
الخميس 03 يونيو-حزيران 2010 08:46 ص

لا نقول إن انظمة وادارات وأيديولوجيات سياسية قد وقعت فيما يقع فيه العلماء من اخطاء نتيجة لقصور في المعادلات الكيماوية او التجارب المخبرية، ولكنها قد وقعت فيما وقع فيه الهنود الحمر عند تلقفهم لتجارب الانسان البدائي من قبلهم. اما الاجابة على (كيف) أو (لماذا؟) فنقول باختصار: عندما استخدم الانسان البدائي الآنية غير القابلة للتعقيم بالنار او بالغسل الجيد كالآنية الجلدية او المصنوعة من جلد الحيوان ذات الفتحات الضيقة- لحفظ الماء او الالبان او الشراب ...الخ- وكذلك الآنية المأخوذة من الانتاج الزراعي كالذي نسميه بظرف العسل او (الجعنان) وغيرها من الآنية المشابهة.. اهتدى الى تعقيمها من البكتريا بالدخان.. حيث كانت توضع فوهاتها على عود من الحطب يبعث الدخان ولا يشتعل ثم يحكمون اغلاق فم الاناء لحبس الدخان بداخله لمدة زمنية معينة تكون كفيلة بقتل البكتريا بالدخان.. وهذا ما كان معمول به في بلادنا الى ما قبل ثلاثة او اربعة عقود.. التعقيم البدائي وازالة الروائح من الحمامات..
هذا التعقيم بالدخان التقطه الهنود الحمر واخترعوا التدخين- ليس بغرض المتعة، ولكن لاعتقادهم ان وصول الدخان الى الصدر والرئة والخياشيم سيساعدهم على التخلص من الفيروسات او ما كان يسمى بالارواح الشريرة التي تدخل الجسم.
هكذا اعتقد الهنود الحمر، وهكذا كان مخترعهم الذي اصبح اليوم مشكلة صحية عالمية وسبباً رئيساً للسرطان وامراض القلب والرئة، وسيفاً يحصد الملايين من سكان العالم.
اما كيف فعلت بعض الانظمة والايديولوجيات بنفسها وبغيرها ما فعل الهنود الحمر.. فتتم المقارنة او التشبيه أو يأتي وجه الشبه من انها قد رأت في بعض التيارات السياسية والايديولوجيات المناقضة لها بكتريا مضرة بآنيتها او فيروسات خطيرة على سلامتها- ان جاز التعبير- فلجات الى مواجهتها بما عاد عليها هي بالضرر الذي صارت تصفه اليوم بالسرطان المتفشي الخبيث.. وهذا ما تشكو منه الولايات المتحدة الامريكية، وتشعل العالم اليوم بناره.. لقد اقدمت ومعها انظمة تعاني اليوم من المشكلة نفسها على مواجهة الفكر اليساري والنظرية الاقتصادية الاشتراكية والمد الماركسي، باثارة وتضخيم النزعة الدينية المتطرفة التكفيرية وسحب البساط من تحت اقدام الاتقياء الورعين من علماء الدين واعلامه الافاضل اهل التسامح والموعظة الحسنة، ودفعت بمن خلعت جميع الابواب امامهم ليختلط الحابل بالنابل.. وتصبح الامور كما هي عليه بين امريكا وحلفاء الامس.
هكذا اخطأت السياسة الامريكية التي لم تواجه خصمها اليساري بفكرها الليبرالي وثقافة الديمقراطية والحقوق والحريات والاقتصاد الحر، فوقعت فيما لم يقع فيه الاتحاد السوفياتي الذي واجه النظرية الراسمالية بفكره ونظريته وعقيدته التي جعلت ممن تحالفوا معه اصدقاء له الى ان قضى الله في امره.. وشيعوه بالدموع لا باللعنات، ليست الولايات المتحدة وحدها من وقع فيما وقع فيه الهنود الحمر بل هنا انظمة كثيرة في العالم الثالث إرتأت ان تحصن نفسها مما اعتقدته ببكتريا وفيروسات رواسب اجتماعية سلبية ومعتقدات خاطئة.. بانعاش رواسب اجتماعية ومعتقدات رأتها ايجابية لا سلبية.. فصارت تشكو بحرقة من «ضيع اللبن في الصيف» وتحاول او تبحث عن معجزة تساعدها على ترقيع ما اتسع على الراقع، وما كان اغناها عن كل ذلك العناء لو انها واجهت الرواسب والمعتقدات الخاطئة بفكر مستنير, ومشروع وطني واضح المعالم قاعدته السواد الاعظم من الناس.. واصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير والبناء والتنمية.
ان كثيراً مما يدور في عالم اليوم يجعلنا نتذكر كيف اراد الهنود الحمر ان يتداووا بالتدخين او بالدخان فتسببوا في محنة هذا السرطان.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفىمن وحي شهر مايو...
كاتب/نصر طه مصطفى
دكتور/أحمد اسماعيل البوابالثقافة الاقتصادية والمصرفية
دكتور/أحمد اسماعيل البواب
رئيس التحرير/علي حسن الشاطرالفرصة السانحة
رئيس التحرير/علي حسن الشاطر
مشاهدة المزيد