السبت 17-11-2018 03:03:14 ص : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
ماذا نريد من المجالس المحلية
بقلم/ دكتور/محمد محمد الدره
نشر منذ: 12 سنة و 8 أشهر و 29 يوماً
الخميس 16 فبراير-شباط 2006 01:16 ص
مقدمة:
التشريعات الخاصة بالإدارة المحلية في الجمهورية اليمنية تباينت بين الأخذ بالمركزية المتشددة وبين اللامركزية الإدارية المحدودة ، لازم تطوير العمل الإداري تصاعد الاهتمام بالمواطن اليمني فى العقود الأخيرة فى سياق الاستثمار البشرى وأهمية تنمية الموارد البشرية على الصعيد المحلى بصفة خاصة ، وحول مفهوم الاعتماد على الذات وأن التنمية بمفهومها الشامل لن تتم على الصعيد القومى إلا بمشاركة المواطن المحلى ومن أجله ، وحيث تكتسب التنمية درجة عالية من الشمول إذا بدأت من المحليات وهو ما يطلق عليه فى الأنظمة الليبرالية المعاصرة المؤشرات الاقتصادية وارتباطها الوثيق والمباشر بمؤشرات التنمية البشرية. لأن اللامركزية المحلية لن تكون لها الفاعلية المطلوبة أذا لم تكن قد وصلت إلى الرشد كشخص يستطيع العيش بدون إعانة والديه ، وعلى هذا الأساس تعتبر الموارد البشرية والمالية للمحليات أحد دعائم إستقلالها وخاصة أن المطلوب من وحدات الإدارة المحلية هو إدارة وإنشاء المرافق التي تعود بالنفع على المواطنين وهذا العمل يتطلب أن يكون العضو المنتخب مؤهلاً لذلك ، ورغم أن اللامركزية أكثر الأقترابات كفاءة وفاعلية فإن المركزية لا تصلح إلا لإضعاف الأمة التي تأخذ بها ، ورغم أن اليمن في عهدها الجديد قد خطت خطوات كبيرة في هذا الجانب ولسنا بحاجة إلى ذكر هذه الخطوات بقدر ما نحن بحاجة إلى ذكر الحجج التي تعوق تقدمنا نحو نظم محلية مستجيبة ومتأقلمة وكفئة وفعاله لتحقيق التنمية والرخاء ، ولاريب أننا في كل مكان نشعر بالحاجة إلى التغيير وربما نفتقر إلى من يدفعنا إليه .
وكان من الطبيعى أن يجذب هذا الاهتمام نقابة الصحفيين بتعز وأن تسارع إلى عقد هذه الندوة حول تجربة المجالس المحلية في اليمن ، لتقييم القانون رقم 4 لعام 2000م والذي أقر قيام هيئات السلطة المحلية على أساس اللامركزية المالية والإدارية ، والذي قرر هذا القانون أن تتألف هيئات السلطة المحلية من رئيس الوحدة الإدارية المعين من قبل السلطة المركزية والمكتب التنفيذي لهذه الوحدة القائم بموجب الوظيفة المركزية للأعضاء الذين هم مسئولوا فروع الوزارات في الوحدة الإدارية والمجلس المحلي المنتخب انتخاباً حراً ومباشراً .
وفي ضوء تلك المقدمة نسأل أنفسنا كيف نجعل نظامنا المحلي أكثر استجابة وتأقلماً مع حاجات وتطورات العصر ، وفي نفس الوقت لا تحمل المخاطر المتصورة ؟
وقبل أن نجيب على السؤال نقول من باب الطموح إلى الأفضل أن الهامش المحلي الذي تتحرك فيه السلطة المحلية هام جداً ، لكن لا يشمل المهمة الرئيسية.
واستقلالية المجالس المحلية مالياً وإدارياً وانتخاب قياداتها مع خضوعها النسبي لرقابة وأشراف الأجهزة المركزية في أن واحد هي الضمانة لها لإنجاز مهماتها وصلاحيتها ومنها التنمية البشرية.
وإجابة على السؤال نعالج فى هذه الورقة البحثية النقاط الرئيسية الآتية :
أولاً: جهود إصلاح الإدارة المحلية في اليمن .
ثانياً: رؤية تحليلية لتجربة المجالس المحلية في الجمهورية اليمنية في معاجة المشاكل ومنها البطالة.
ثالثاً: المحليات اليمنية والتنمية السياسية .
رابعاً: التوصيات .   
أولاً: جهود إصلاح الإدارة المحلية اليمنية والمخاوف
نظام الإدارة المحلية فى اليمن يهتم بالمقام الأول بمعظم أمور المجتمع الحياتية وأبرز مثال على ذلك هو ما أنعقدت عليه الآمال لتقود المجالس المحلية مجتمع التنمية على المستوى الجغرافى والنوعى ، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن المجالس المحلية قد حققت نجاحات لا ريب فيها ، وتصدت لمسؤوليات جسيمة ، إلا أنها نجاحات مرجعها مبادرات واجتهادات وقدرات فردية وليست نتاج تنظيمات سوية .
ولقد تعرضت تجربة الإدارة المحلية فى اليمن للنقد لعدم تناسب الإنجازات مع الآمال المرجوة وفى معظم الأحوال كان البشر هم بؤرة النقد وتحميلهم على المستوى الشخصى و الفردى و الفئوى كل هموم وعلل ومشكلات المحليات ، مما أدى إلى نتائج لا تبررها مقدمات . ومن الأهمية بما كان استعراض جهود الإصلاح والمتمثلة فى التحلل تدريجياً من المركزية الشديدة إلى اللامركزية الإدارية(2). وفى هذا السياق جاء دستور عام 1994م يهتم بالإدارة المحلية و ذلك فى المواد 145، 146، 147 ،148 . وكان القانون رقم (4) لسنة 2000م بشأن السلطة المحلية ثم صدور القرار الجمهوري رقم (219) لسنة 2000م بشأن اللائحة التنفيذية للسلطة المحلية .
والمتأمل للنصوص الدستورية والقانونية واللائحية يدرك أن الإدارة المحلية تعتبر شريكاً أساسياً مع الحكومة حيث تعرض الدستور للمجالس المحلية المنتخبة إنتخاباً حراً ومباشر وأن تنقل السلطة إليها تدريجياً بما يعنيه ذلك من تطلعه إلى اللامركزية الإدارية والمالية من ثنايا المحليات المنتخبة وتحديد اختصاصها وعلاقاتها بممثلي الحكومة ( السلطة المركزية ) ودورها فى تنفيذ خطة التنمية وفى الرقابة على أوجه النشاط التنفيذى فى المحليات .
ورغم أن هذه النصوص قد منحت السلطات المحلية أختصاصات واسعة إلا أنها لم تحدث التحول المطلوب من إدارة الدولة إلى حكم المجتمع . وأعتقد أن الأتجاه نحو حكم المجتمع هو إرادة سياسية وقد عبرت الدولة عن طريق قياداتها الرغبة نحو حكم المجتمع ، وهذه الإرادة السياسية هي مسألة أختبار أكثر منها مسألة ضروريات ، فعندما تتردد الإرادة السياسية يكون التردد في الأختيار والنتيجة لامركزية مالية ، ولا وظائف محلية ، ولا سلطة محلية ذات بال ويوجد من يعلل بقاء الوضع على ما هو بمخاوف منها الانفصال والتفكك التراب الوطني ، عدم الكفاءة ، فقدان السلطة والولاء عدم الأستقرار أو العنف ، وللتعقيب على هذه العلل نبين ما يأتي :
1- التفكك والانفصال : هي مخاوف ناتجة عن ما قيل بأن اللامركزية تشكل على الصعيد السياسي خطراً كبيراً لأنها تضعف سلطة الدولة المركزية وتهدد وحدة الدولة ، لأنها تخلق مجموعة من الوحدات الإدارية المستقلة داخل الدولة ، وهذا الرأي والمخاوف ناتج عن :
أ‌-      الخلط بين مفهوم اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية من حيث أن اللامركزية السياسية ( الفدرالية ) هي أفضل صيغ قانونية للتعاون الوثيق بين  الدول ، أما اللامركزية الإدارية فهي صيغة لتنظيم الإدارة في الدولة الموحدة ، وإذا كانت الفدرالية صيغة تتضمن حسنات كثيرة إلا أنها تنطوي على مخاطر تقضي على حسناتها ، فقد تكون أداة للإنقسام والقضاء نهائياً على كل أمل بالوحدة ، لأن اللامركزية السياسية تكرس الوجود المنعزل وتحمل في صيغتها بذور التحول إلى الانفصال ، وهذا التخوف لم يوجد في اللامركزية الإدارية
ب‌-    أن حوادث مثل حوادث الصومال وجنوب السودان والصحراء المغربية تثير العواطف والأشجان أكثر ما تحرك العقول والأذهان ويكفي القول هنا أن استقلال أجزاء من الدولة أو عدم استقلالها مسألة لا ترتبط بالمركزية واللامركزية وأن كان التنظيم اللامركزي عاملاً مسهلاً وليس أصيلاً ولا حاسماً ، وأن المركزية واللامركزية لاتتعلق بتكوين الدولة وأنما تتعلق بإدارتها ولا علاقة لمسائل الانفصال بالإدارة إلى فيما تسفر عنه من مظالم .
2- عدم الكفأة وهو عدم أحترام الذات أو عدم الثقة في الذات :
حيث يردد الكثيرون أن المجتمعات المحلية غير قادرة على إدارة شئونها وأن الناس عاجزون عن معالجة أمورهم اليومية ويحتاجون إلى أن تخطط لهم السلطة بل وينتظرون أن تنفذ لهم الحكومة هذه الخطط وما عليهم إلا أن ينتظرون الثمار أحياناً دون أن يتحملون أعباء ولمعاجة هذه المبررات الواهية هو الأخذ بمبدأ التركيز بلا مركزية ، ونعني بهذا المبدأ أنه يمكن للسلطة المركزية إلزام المجالس المحلية المنتخبة بالمسئولية عن المخرجات ولتحقيق ذلك نرى متابعة نشاطها إلكترونياً وعليه فإنه يمكن لعدد قليل من أهل الخبرة الإدارية رقابة عدد كبير من نشاطات أعضاء المجالس المحلية وتصحيح مسار أعمالهم مع إفساح المجال للأعضاء المنتخبين بالإجتهاد في مجال إجراءات العمل :
نحو أطار عملي لتحسين نظمنا المحلية :
المعالجة لا تكون بالهروب من الواقع اليمني وترك الحال على ما هو لأن في ذلك توقف لعجلة التقدم والتنمية وإنما تكون المعالجة بإقحام الشعوب في المشاركة في بناء   مجتمعاتهم ، بل وتمكينهم من الوسائل المساعدة ، لخلق مجالس محلية منتخبة تحقق النجاح وخلق نظام محلي حيوي ليس مسألة واحدية البعد إنما هو ثلاثية الأبعاد الإختصاص والسلطة والمال :
البعد الأول : منح المحليات سلطة وقوة في صنع القرار وتنفيذه .
البعد الثاني : تسند إلى الوحدات المحلية أختصاصات واضحة وتتحمل مسئوليات محددة وتكون بهذه التحديد محصنة ضد تدخل أعضاء السلطة المركزية الذين تعودوا على التسلط والإستبداد في اتخاذ القرار.
البعد الثالث : عنصر التمكين وهو تخصيص أيرادات تتناسب مع عنصري المسئوليات والاختصاصات.
وبدون هذه العناصر الثلاثة لا يمكن تصور تطور النظام المحلي تطور إيجابي وبدون هذه العناصر الثلاثة يعني مزيد من السلطات والموارد دون اختصاصات واضحة التحديد مجرد تبديد . ومزيد من الموارد والاختصاصات دون سلطة كافية قيود تمنع الاستفادة . ومزيد من السلطة والاختصاصات بدون الموارد مجرد ضعف وعدم قدره على الوقوف والحركة.
وللتأكد من وجود العناصر الثلاثة ( السلطة ، الاختصاص ، المال ) في واقع المجالس المحلية في الجمهورية اليمنية كان الرجوع إلى القانون رقم 4 لعام 2000م الذي لاحضنا عليه أنه احدث خلطاً شديداً فى التطبيق نتيجة عدم وضوح الرؤية بين ممثلي السلطة التنفيذية والإدارة المحلية ، فمثلاً ارتباط هذه المجالس المحلية بالسلطة المركزية ظاهرة في النصوص الدستورية والقانونية التي تبدو فيها عدم الأستقلالية النسبية ومعنى ذلك انعدام السلطة المخولة للمجالس المحلية. وتداعى ذلك فى إيجاد مجلسين مجلس للهيئة التنفيذية ومجلس محلي مما خلق جواً من البلبلة والتنازع فى الاختصاصات وكانت نتيجة التطبيق سوء علاقة المحليات بالأجهزة التنفيذية والوزارات وانعكس ذلك على تنمية قدرات الموارد البشرية المحلية . ومن ثنايا تطبيق تجربة اللامركزية الإدارية فى ظل القانون رقم (4) لسنة 2000م فإن المشكلة أصبحت تتجاوز التعديلات إلى ضرورة اقتحام تجربة جديدة وليس تعديلات فى القانـون من ثنايا الاعتبارات الأساسية الآتية :
1-     نظرة الدستور للإدارة المحلية من مدخل انتخابي شعبي وأصبحت التنظيمات المحلية غير ذات مضمون وليس تنظيماً مجتمعياً أفقياً فمدلول الإدارة المحلية أسلوب من أساليب تنظيم الإدارة والإدارة الناجحة لها موارد مالية وبشرية وسلطات واختصاصات على نطاق جغرافي لمجتمع معين بذاته.
2-     أقر التشريع مبدأ تعيين القيادات المختلفة بمعرفة الحكومة المركزية وخرج المشرع عن النهج الديمقراطي في أن يقوم المواطنين بالانتخاب المباشر أو من خلال المجالس المنتخبة وهو بهذا النهج هدم فكرة الإدارة المحلية من أساسها من وجهة نظرنا حيث نرى أننا في مجال مجالس محلية ولابد أن يكون الانتخاب هو المفرزة الوحيدة للقيادات المحلية .
3- أن المجالس المحلية تفرض عليها الصلاحيات والسلطات وصاية من المستوى الأعلى على المستوى الذي يليه المنتخب لذلك نجد أن المستوى الأقرب للمجتمع يفتقد إلى أي صلاحية .
4- أن اللامركزية الإدارية إذا لم يقابلها تمويل مركزي ومحلى مناسب ينظمه القانون ويغطى الاحتياجات الأساسية للمواطن المحلى فإن التنظيمات المنتخبة القائمة تصبح لا معنى لها ولا تأثير على الصعيد المحلى لأنها لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بقدرتها على إعداد وتنفيذ خطة التنمية . 
5 - خاطب القانون المحافظات اليمنية من خلال قواعد معممة ولم يأخذ في الاعتبار ظروف كل إقليم ( فهناك محافظات ساحلية ومحافظات صحراوية ومحافظات جبلية ) وكل منها يحتاج فى خصوصيتها إلى معالجة قانونية ، وتأسيساً على ذلك فإن الحكـومة المركزية لا تزال تفتت فى صلاحية المحليات و تتجاوزها بوصاية غير مبررة بل أن الحكومة تسعى نحو تحويل بعض الأنشطة المحلية إلى هيئات مركزية دون أن ينظم القانون علاقاتها بالمحليات مما يفقد المستويات المحلية المنتخبة تحقيق الإشراف والرقابة والمتابعة على أنشطة ممثلي السلطة المركزية في الوحدات الإدارية وعليه فإن القيادات المحلية لا تزال أسيرة الملابسات حيث أنها تفتقد للحصانة وقد أفرز ذلك كثيراً من محاسبة القيادات وشكك فى أمانتها ، بل وألتصقت السمعة السيئة بالمحليات اليمنية بما يسودها من فساد .
المشكلة القائمة : المشكلة تتمثل في الواقع أكثر من تعلقها بالتنظيم القانوني فالعلاقة بين الأجهزة التنفيذية والمجالس المحلية بقدر ما هي متعلقة بتطبيق القانون إلا أن حداثة التجربة وحب السيطرة عند بعض القيادات الإدارية والشعور بعدم القدرة على الأمساك بكافة الخيوط من ناحية وضعف تجربة الإدارة لدى المحليين من ناحية أخرى علقت بعض نصوص القانون وتم مخالفتها .
ثانياً :- رؤية تحليلة لتجربة المجالس المحلية في الجمهورية اليمنية في معالجة المشاكل ومنها البطالة
لا تزال تجربة الإدارة المحلية اليمنية تحتاج لمزيد من الإصلاح والتحديث إلى جانب إصلاحات موازية – على صعيد القيادات المحلية بالطبع وباعتبار ذلك مدخل تحديث المجتمع اليمني ومن ثنايا التعرف على طبيعة وحجم المشكلات والعلل القائمة والمتوقعة فى المحليات لممارسة العملية الديمقراطية والتى تبدأ بتدعيم قدرات المحليات على المشاركة الجادة والانخراط فى العملية السياسية مما يعتبر إضافة متعاظمة لإمكانيات الدولة والرشادة والتقليل من الموارد الضائعة وبما تتضمنه من تنمية إدارية تطمح إلى إحداث تحديث إداري والأخذ فى الاعتبار بمدى قدرات النظام السياسي اليمني وبالتالي مدى قيامه بأداء الوظائف المسندة إليه تطويرياً وتنظيمياً وتوزيعياً بما يحقق العدالة التوزيعية بمعناها الشامل الجامع و التي هي في واقع الأمر تعتبر غائبة فى الوقت الراهن ولنظرب مثلاً على قضية واحدة وهي معالجة البطالة ، فهل استطاعت السلطات المحلية أن تعالج أو تحد من البطالة ؟
إننا كباحثين نرى أن هناك أهدافاً رئيسية تصبو إليها عملية السياسات العامة تجاه المحليات بصفة خاصة ، وتتمثل فى التعبئة الشاملة للموارد المحلية ( اقتصادية أو بشرية ) للطاقات الإنتاجية والاستفادة المثلى منها والموازنة بين احتياجات الأجيال الحالية والأجيال المستقبلية لضمان استدامة التنمية هذا التوجه السياسي كان يتحتم معه أن تكيف السياسات العامة نفسها لعلاج المشكلات والعلل الاجتماعية المحلية وهي كثيرة ولكن وعلى وجه الخصوص فإن أهمها فى اعتقادي فى البطالة الصارخة على الصعيد المحلى هذه المشكلة ظهرت أثناء معالجة أزمات في بعض المحافظات ونجاح في البعض الآخر .
- فمثلاً أدت المشكلات الاجتماعية التى سبقت الإشارة إليها إلى استئثار كل من محافظتي أمانة العاصمة وعدن على تركيز متعاظم للأنشطة الاقتصادية فيها مما أدى إلى هجرة أبناء المحافظات إليهما وبالتالي تفاقمت ظاهرة العشوائيات فى كل منهما وما تبذله الدولة من جهود ملموسة للحد من هذه العشوائية إلا أنها لم تحقق المستوى المطلوب في الحد من هذه الظاهرة بل تفاقمت مشكلة البطالة لتصبح أزمة .
- وبينما أدت المعالجات الخاطئة إلى الفجوة القائمة والمتصاعدة والمتمثلة فى أن صانعي السياسات العامة لا يزالون بعيدين عن فهم المواطن المحلي وخاصة في المحافظات الشمالية والشرقية ولا تزال اصطلاحات مثل التحرير الاقتصادي واليات السوق وتفعيل دور القطاع الخاص – لم تدخل قاموس المواطن فى المحليات فى هذه الحافظات والتي تعرضت محافظاتها لهزات اقتصادية واجتماعية نظراً لضئالة مشروعات التنمية فيها بالمقارنة بمحافظات أخرى أضف إلى ذلك القيود المفروضة على المنظمات غير الحكومية وأنشطة الجمعيات الأهلية وهو ما يعتبر دافعاً لهجرة هذه المحافظات وعائقاً للتنمية المستدامة الشاملة فضلاً عن عدم المواءمة بين صانعي السياسة العامة الإنمائية والمنفذين فى المحليات الأمر الذي يستلزم ضرورة التنسيق المستمر بين وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الإدارة المحلية والوزارات ذات الصلة بمؤسسات المجتمع المدني بحيث تعمل أجهزة الإدارة المحلية بقيادتها على تشجيع المواطنين فى المحليات على إنشاء الجمعيات الأهلية التي تتعلق أنشطتها بكافة مجالات التنمية وأركز في هذه المحافظات على الجمعيات لأنها الأقرب إلى قلب المواطن وعقله .
- وإذا كان هناك في بعض المحافظات مثالب وتعثر في معالجة البطالة كما سبقت الإشارة فإن هناك تجارب لبعض المحافظات الأخرى التي قدمت نماذج تعتبر رائدة فى إحداث تحديث فى الإدارة المحلية اليمنية وهذه التجارب تعتمد بالمقام الأول على شخصية المحافظين اللذين حققوا إنجازات تنموية رائعة بالرغم من خصوصية كل محافظة بيئياً واقتصادياً واجتماعياً حيث قام بعض المحافظين بتعبئة الموارد البشرية المحلية والموارد المالية المتاحة من ثنايا تشجيع المواطنين وقد انعكست مخرجات هذه التجارب على تقديم خدمات عينيه وتمويل مشروعات إنتاجية وحرفية وجذب الشباب للعمل للحد من مشكلة البطالة كما ساهمت الجمعيات الأهلية فى هذه المحافظات فى علاج مشكلات البيئة .
- ومن خلال واقع وتجربة أخرى نهج بعض المحافظين الحاليين نهجاً سليماً فى تشجيع المجالس المحلية في ممارسة كل اختصاصاتها وشجع كذلك العمل التطوعي ومنظمات الأعمال الصغيرة والتعاونية والتوسع فى التسهيلات الخدمية فى المناطق الحضرية والمناطق الريفية ، وبمعنى ابسط كان الاهتمام بتنمية المناطق المختلفة فى سياق تنمية المجتمع بوحداته المحلية والتنمية الريفية الكاملة وقد وضع هؤلاء المحافظين فى اعتبارهم أن التنظيمات المحلية هي الوسيلة الفعالة لتحقيق الجانب الأعظم من أنشطة التنمية المحلية ومن ثنايا مبادرات لا مركزية إدارية وقد أثبتت أنه من المستحسن نقل سلطة توفير الخدمات الضرورية من مسئولية الحكومة المركزية إلى المستويات المحلية فحقق هؤلاء المحافظين نجاحاً لا بأس به في مجالات عدة ومنها البطالة .
ثالثاً :- المحليات اليمنية والتنمية السياسية
الأصل أن التنمية السياسية كتطور حركي يجب أن تتجه نحو التميز الوظيفي وزيادة القدرات وكحركة نحو تحقيق مثل أعلي يتمثل فى العدالة الاجتماعية وخاصة فى المحليات وتتحدد متغيرات عملية التنمية السياسية فى عملية التعبئة الاجتماعية (المدخلات) وبناء المؤسسات (المخرجات) إلا أن الواقع يشهد على أن التنمية السياسية ولدت العديد من الأزمات مما انعكس أثارها على المحليات ، بالتالي تعتبر المشاكل السياسية والتوجهات غير المسئولة لبعض الأحزاب السياسية أهم المشاكل التي واجهت التجربة اليمنية في إدارة المحليات بل شكلت في بعض المحليات أزمة توقفت عندها ممارسة المجالس المحلية لأعمالها ، إنها أزمة ترتبط بمجال هذا البحث وهى أزمة المشاركة وتشير إلى المشكلات المترتبة على ازدياد حجم الراغبين فى المشاركة السياسية وخاصة على الصعيد المحلي ومدى استجابة المؤسسات الرسمية فى الدولة أنه مجلس محلي منتخب وإرادة أبناء المنطقة ومدى استيعاب النخبة باشتراكها فى صنع القرار المحلي خاصة .
وحين تتبلور جماعات سياسية مختلفة ذي مصالح مختلفة نحو الاتجاه بالمشاركة في البناء والتنمية وخاصة على الصعيد المحلي فى صورة مطالب لها ويرتبط ذلك بشكل أو بآخر بتشجيع السلطة المركزية أو المحلية هذه الجهود ولو كانت من أحزاب مغايرة ليتم توجيهها نحو محيط الجمعيات الأهلية ( غير الحكومية ) ومؤسسات المجتمع المدني وتشجيع قياداتها على تنمية هذه الجهود .
رابعاً :- التوصيات 
إن استشراف أفاق التنمية فى المحليات اليمنية فى الفترة القادمة يجب أن يأخذ فى الاعتبار العديد من التطلعات نحو قانون جديد للإدارة المحلية يأخذ فى الاعتبار ما يلي:
1 - أن يراعى القانون الجديد الكثير من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الراهنة ومنه دخول يمني إلى برنامج العولمة والضغط الدولي الذي يفرض علينا أن نفكر بمستقبل هذا الوطن وما سيتحمله من تبعات ناتج عن البرامج الدولية إن تأخر عن الحضارة وبالتالي لابد من توسيع سلطات المجالس المحلية وإبراز الدور التنموي لها والاستفادة من الجامعات في المحافظات بهذا الخصوص .
2 - تأكيد السلطة الرقابية للمجالس المحلية على عمال السلطة المركزية ومدى مشروعية أعمالهم وتعظيم دور المحليات من حيث دعمها للمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني .
3 - أعادة النظر فى التقسيم الإداري للجمهورية بأن يشمل ثلاث مستويات ( المحافظة – المديرية – القرية ( الحي ) بدلاً من التقسيم الثنائي ( المحافظة ، والمديرية ) . و التوسع فى إتباع نظام المدن أو الوحدات ذات الطبيعة الخاصة بنظام مغاير في تشكيل مجالسها واختصاصها وقدراتها وهو نظام تتبعه معظم الدول .
4 - العودة إلى التنوع فى عضوية المجالس المحلية بمعنى أن تشمل أعضاء منتخبين وأعضاء معينين بحكم وظائفهم وأعضاء مختارين بأشخاصهم عن طريق إنشاء مجلس مشترك يرأسه عضو منتخب أو يتم التوسع في قاعدة قادة الأعضاء المنتخبين المحليين ودعمهم مادياً ومعنوياً ومكافأة النابغين منهم بتوليهم مناصب قيادية على المستوى المركزي وإتاحة الفرصة لهم بهذا الشأن حيث أنهم يعايشون مشكلات المحليات وبما يسد الفجوة بين صناع السياسة العامة وتنفيذها من جانبهم فى المحليات .
5 - أن الاهتمام بالموارد البشرية المحلية يستلزم الاهتمام بالتدريب وأن يشمل التدريب مستويات القيادات المحلية وليس بالنمط القائم حالياً والذي يستولى عليه قلة بأشخاصهم بينما المستهدف هو أن تتسع أفاق التدريب وأن تعطى الأولوية للأكفاء أيضاً بحيث يكون شغلهم للوظيفة لمدة مناسبة وأن يوضع للتدريب هدف مسبق وإعداد جيد وأن تقوم كل محافظة بحصر احتياجاتها التدريبية و التركيز على أن يكون هدف التدريب هدفه تمكين الأعضاء من المشاركة فى اتخاذ القرار والتركيز على ضرورة وضع تخصصات جديدة فى المحافظات لإدارة الأزمات والكوارث .
6 - ما أثبتته جهود الدولة ومحاولاتها لعلاج مشكلة البطالة المستفحلة وضرورة الربط ين برامج تخطيط التعليم بكافة مستوياته وتخطيط القوى والموارد البشرية والاهتمام بالتدريب التحويلي من ثنايا التنسيق بين الجهات المعنية وهو الدور الذى يجب أن يكون للجامعات في المحافظات دور بارز.
أما اقتراحنا على صعيد الإصلاح المحلى المرتقب من منظور الموارد البشرية فيتمثل في الآتي :
1- أتساع نطاق المشاركة المحلية بحيث يشمل معظم السكان فى المحليات مع الأخذ فى الاعتبار القيم الاجتماعية السائدة فى الريف ، وتشجيع مشاركة المرآة فى التنمية المحلية بإثراء برامج محو الأمية أو رعاية الأمومة والطفولـة أو الخدمة التطوعية .
2- أن تتآزر الجهود الشعبية المحلية مع الجهود الحكومية بحيث لا ينشأ ازدواج فى الأنشطة أو تنازع فى الاختصاص ، وأن تمنح برامج التنمية الريفية – لا سيما في القرى اهتماماً أكبر للاتجاهات النفسية والبيئية والثقافية تجاه المشاركة واستقطاب الشباب الذين حصلوا على مؤهلات متوسطة أو عليا بتأدية هذه الخدمات بمقابل مجز يحصلون عليه من المنظمات غير الحكومية وبهذا تقلل الدولة من خطورة ظاهرة البطالة وخاصة فى المحافظات الأكثر سكاناً .
3- التوسع فى إنشاء الوحدات المحلية في المديريات والقرى بما يستلزمه ذلك من إعداد كوادر بشرية مدربة لإداراتها، وما يستتبع ذلك من التحديد الواضح لاختصاصات الوحدات المحلية بما يكفل الحد من تدخل الحومة المركزية فى شئونها، ويؤدى هذا بالضرورة إلى اقتران التكليف بالصلاحيات للقادة المحليين، ورغم أن القانون الحالي للإدارة المحلية رقم (4) لسنة 2000م يحد من سلطات المحافظين، لكن لا تزال القيادات المحلية بعيدة عن تحليل الباحثين وخبراء الإدارة وبالتالي تكون الكلمة العليا للمحافظ في محافظته ، وقد أثبتت التجربة اليمنية فى الإدارة المحلية أن وجود مجلسين منفصلين (مجلس محلي ومجلس تنفيذي) فى القانون الحالي أمر غير مرغوب فيه وينبغي إعادة النظر فيه ، ومن المتصور قيام مجلس مكون من أعضاء منتخبين وأعضاء بحكم وظائفهم يتم الاحتكام إليه في خلافات المجلسين مع تجنب العوائق الدستورية الراهنة .
4- ضرورة إصلاح أحوال الخدمة المدنية المحلية من ثنايا الاهتمام بالعنصر البشرى والارتقاء به بحيث تتوافر له حياة كريمة تنأى به عن الانحراف وتقضى على أسباب التقاعس وتصحيح هيكل الرواتب والحوافز كي تتواءم مع مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة المرتفعة ويستتبع ذلك نظام مساءلة في الإدارة المحلية ، وقد لاحظ الباحث كثيراً من العلل والمشكلات في المحليات تتمثل معظمها فى المجاملات وعدم تحرى الدقة في اختيار القيادات المحلية وانتشار ظاهرة الفساد الوظيفي والمالي ، الأمر الذي يرى معه الباحث أعطاء مزيد من الصلاحيات للمحافظين في تعيين رؤساء الوحدات المحلية والقيادات التنفيذية (مديري الإدارات) ، وأن تتولى المجالس المحلية سحب الثقة من هذه القيادات إذا ثبت فشلهم، وأن يتولى المحافظ إقالة الشخص الذي تم سحب الثقة منه دون التردد الذي يحدث إنعدام الثقة .
5- تأسيساً على ما سبق فإنه من الأهمية بمكان تقييم أداء القيادات المحلية بالتركيز على الوسائل الحديثة لذلك من ثنايا قياس جودة الخدمة وتحقيق الأهداف لا من خلال الولاء وبالتالي تفعيل هذا التقييم بمنح جوائز الجودة لمن يستحقها والاستغناء عن من ثبت فشله وكذلك البحث عن آليات للتخلص من أمراض البيروقراطية والاتجاه نحو نظم الإدارة بالأهداف الذي يؤكد على المستويات المطلوبة لخدمة المواطنين .
وباختصار أشد نحن بحاجة إلى إعادة تجديد وتحديد الأفكار فيما يتصل بالمجالس المحلية وطبيعة الإصلاح المنشود وبما يتفق ومتطلبات القرن الواحد والعشرين .
وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( مامن عبد يسترعيه الله رعيته يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) رواه مسلم
أسأل الله عز وجل التوفيق والسداد إنه سميعٌ مجيب
* عميد كلية الحقوق جامعة تعز
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/خير الله خيراللهالهدنة الطويلة لمصلحة اسرائيل!
كاتب/خير الله خيرالله
حرية التعبير أم حرية التكفير
محمود أبو عواد:
كلمة  26 سبتمبرالمساس بالمقدسات!!
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد