الجمعة 16-11-2018 02:07:02 ص : 8 - ربيع الأول - 1440 هـ
حركة مطلبية أم انفصال مذهبي؟
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 8 أشهر و يوم واحد
الخميس 15 مارس - آذار 2007 08:10 ص
هل تشهد مدينة صعدة تمرداً مطلبياً تنموياً أم حركة مذهبية تشكل خطراً على الوحدة الوطنية اليمنية؟ وهل يمكن لهذه الحركة أن تمتد إلى خارج المحافظة؟وهل يصح الحديث عن حركة محلية عفوية أم أنها محاولة خارجية ذات ارتكاز محلي؟ هل يرغب المتمردون بتشكيل حزب سياسي أم أنهم يسعون للسيطرة على الدولة بالقوة المسلحة؟
هذه الأسئلة وغيرها ما لبثت تتقاطر منذ استئناف التمرد في صعدة خلال الأسابيع الماضية ما يوجب الرد على الثانوي منها أولاً و من ثم محاولة الرد على ما نعتبره جوهريا فيها.بداية لا بد من الإشارة إلى إخفاق المحاولات السابقة في توسيع التمرد نحو المحافظات اليمنية الأخرى وبالتالي توقع إخفاقه ثانية لأن طابعه المذهبي ليس مغرياً لأحد غير أصحابه.أما «عفوية» التمرد فهي صفة كان يمكن أن تصح على المعنيين به في العام 2004 وليس اليوم بعد أن تبين أنهم يضمرون مطالب ونوايا تتعدى منطقتهم إلى اليمن ونظامه ويتناغمون مع جهات خارجية لا يرغب احد حتى الآن بالإشارة إليها صراحة.
يبقى القول أن المتمردين لم يكترثوا بعرض الدولة المطروح لحل المشكلة عبر تكوين حزب سياسي في إطار الدستور والقوانين المرعية الإجراء.
هذا عن الجوانب الثانوية في الأسئلة التي يطرحها التمرد أما الجوهري في حركة صعدة فلربما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسألة المذهبية التي تضرب هذه الأيام مع الأسف- غير بلد عربي.وإن أردنا الذهاب في التحليل إلى مدى أبعد يمكن القول أن اليمن يواجه مشروع انفصال مذهبي بالمعنى الروحي للكلمة طالما أن المتمردين لا ينشدون إصلاحات تنموية لمنطقتهم ولا يبحثون عن ميزانية إضافية لقراهم أو زيادة عدد المدارس فيها أو توسيع الخدمات العامة أو معالجة مشاكل البطالة وتصريف السلع الزراعية، كل هذا لم نسمعه منهم ما يعزز الاعتقاد أن الشعارات الدينية المنسوبة إليهم تعكس مشروعاً مذهبياً محصوراً بهم دون باقي اليمنيين كما أشرنا للتو. 
 مع تجدد القتال خلال السنوات الماضية كان يتضح تدريجيا أن مواصفات الانفصال المذهبي تتجمع في التمرد فهو محصور في منطقة محددة وفي دعوة مذهبية مسلحة بمعدات عسكرية وإيديولوجيا دينية تخرج على الميثاق التاريخي الذي يحظى بإجماع اليمنيين، هذا الميثاق الذي ينطوي على تجارب غنية في حل المشاكل وتنظيم التعايش و تدعيم الاندماج الداخلي.
نعرف جميعا أن الوحدة الوطنية اليمنية ليست مستمدة من القصائد الحماسية التي تلقى في المناسبات الرسمية بل من ثوابت متراكمة على مر العهود والسنين ولا نبالغ في القول أن الوئام الزيدي الشافعي التاريخي يأتي في طليعة هذه الثوابت.فقد تمكن مسلمو اليمن من الفريقين من حل مشاكل عقيدية صعبة في وقت مبكر دون أن يتخلى أي منهما عن جوهر اعتقاده ما أدى إلى اندماج ديني نادر في عالمنا العربي والإسلامي وبالتالي إلى انتشار قيم التسامح والغفران التي وفرت للأقليات الدينية الأخرى المسلمة وغير المسلمة مناخا ملائماً لممارسة معتقداتها دون صعوبات كبيرة.
لا بد من الاعتراف هنا أن المفاهيم العقلانية التي ميزت الدعوة الزيدية لعبت دوراً حاسماً في صناعة الوفاق الديني اليمني في حين كانت المذاهب المختلفة المشارب في العالم الإسلامي مبنية على أحكام دينية موروثة و قاطعة لا تتحمل الكثير من التأويل والتفسير فيما يخص الإمامة والخلافة في حين حسمت الزيدية هذه المسألة بإقرارها جواز إمامة المفضول على الأفضل وفتحت الطريق واسعا أمام ترتيب شؤون الحكم بالتوافق مع الشافعية ومنذ ذلك الحين ينعم اليمن باستقرار ديني فريد.
قد يغمز قاريء يمني طائفي من قناة هذا الوصف وقد يسخر منه قاريء آخر وإن وقع ذلك فلن أصاب بالدهشة فأنا اعرف أن الميثاق الزيدي الشافعي التاريخي خلف بعض المتضررين من الطرفين وهؤلاء ما لبثوا يراهنون على الانقسام والفرقة لكنهم لحسن الحظ أقلية لم تتمكن يوماً من تهديد الوئام والتعايش الديني اليمني الناجح.
ما من شك إن فرادة اليمن ونجاحه في حلِّ هذه المشكلة العويصة أثار ويثير حفيظة المستفيدين الخارجيين من التشرذم الطائفي في العالم الإسلامي وقد حاول هؤلاء في مناسبات وأزمنة مختلفة التسرب إلى هذا البلد والسعي إلى جره بوسائل مختلفة نحو المستنقع الطائفي دون جدوى وكانت هذه المحاولات تشتد في كل مرة تتعزز فيها الوحدة السياسية وفي كل مرة تحاول الدولة اليمنية لعب ادوار سياسية طموحة تتعدى حدودها الجغرافية.
ما حصل من قبل وما يحصل الان في أقصى الشمال اليمني يدخل في هذا السياق وأكاد أقول انه نتاج سيناريو كلاسيكي يندرج ضمن قاعدة معروفة و مجربة: لكي تحطم السياسة الخارجية لبلد ما عليك إلا أن تحطم وحدته الداخلية عبر إثارة النزاعات الأهلية أو دعم الحركات الانفصالية أو ضرب تماسكه الاجتماعي أو تطييف معتقداته الدينية..الخ.
لا تخرج محاولة الانفصال الفاشلة في العام 1994 عن هذه القاعدة ومن الصعب تصنيف الأحداث الأخيرة خارج هذا الإطار.ففي المرة الأولى كان يراد قطع الطريق على وحدة اندماجية طوعية ناجحة في عالم عربي يحطمه اليأس والتشطير السياسي وفي هذه المرة يراد تحطيم وحدة روحية اندماجية  منسجمة وبراغماتية في أجواء إقليمية ودولية تضج بالحديث عن مشاريع الفتنة المذهبية وتفكيك البلدان على أسس طائفية .
 يجدر التذكير انه ما أن اندلعت الأحداث في صعدة عام 2004 حتى انتشرت مصطلحات مدهشة لا ندري كيف ومن أين تسللت.اخذ البعض يواجه القحطانية بالعدنانية والزيدية بالاثني عشرية المعدلة والشافعية بالشيعية وبدأت أحلام الانفصاليين القدامى تنتعش وهم فئات قهرتها الثورات اليمنية المتعاقبة والوحدة الاندماجية وبدا أن حركة صعدة الساذجة في ظاهرها -على الأقل- يمكن أن تشكل بؤرة للتشطيريين القدامى ومنتظري الثأر السياسي والأقليات الحزبية والمذهبية المهزومة وسائر المتضررين من التغيير الذي يشهده اليمن منذ أكثر من عقد على غير صعيد.
هل ثمة وصف آخر للحديث عمّا حصل ويحصل في أقصى شمال اليمن؟ نعم. هناك من يتكلم عن القمع و المبالغة في استخدام الوحدات العسكرية والأسلحة الثقيلة في التعامل مع المتمردين وهناك من يبرر ما حصل بالفساد والمحسوبية وأسلوب الحكم وعن حق المتمردين في الانتماء إلى المذهب الذي يريدون في ظل نظام ديموقراطي وعدم جواز التعرض لهم...ألخ.
يقينا لا يقدم هذا الكلام اليومي وهو متداول في اليمن قبل الأحداث الأخيرة ومرشح للتداول بعدها لا يقدم تفسيرا ملائما لما يجري في صعدة والدليل أن أصداءه كانت باهتة ولم تتجاوز حدود اليمن باستثناء بعض التغطيات الإعلامية المحدودة والمشتتة.
 أغلب الظن أن حركة صعدة لم ولن تتحول إلى فتيل يشعل اليمن ويودي بوحدته ويشغل أهله عن طموحهم المشروع في التنمية والاندماج الإقليمي والسلام الأهلي والاستقرار الروحي و الخروج من حدود بلادهم إلى الأفق العالمي الرحب، فهل تقتنع الأطراف الخارجية التي تراهن على تمزيق اليمن خدمة لأغراضها الخاصة بلا جدوى الرهان مجددا على تهديم الثوابت اليمنية وهل تكف عن العبث بمصير اليمنيين؟هل يقتنع المتمردون أن مشروعهم يسير في اتجاه مسدود وهل يصلون إلى هذه القناعة قبل فوات الأوان؟
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كلمة 26 سبتمبر: الحديدة غراد
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
اللواء / علي محمد الكحلاني
وهج:اليمن.. عصية على العدوان
اللواء / علي محمد الكحلاني
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرفلسطينيو الشتات؟!
كلمة 26 سبتمبر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالمسؤولية والمصلحة الجماعية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
من يُمثل الدين ؟
رشا عبدالله سلامة
كاتب/نصر طه مصطفىحول تعديل قانون الأحزاب..
كاتب/نصر طه مصطفى
استاذ/عباس الديلمي القائد
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد