الأحد 18-11-2018 04:50:48 ص : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
محكمة دارفور تعددت الأسباب والغزو الأجنبي واحد
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 8 أشهر و 17 يوماً
الخميس 01 مارس - آذار 2007 08:39 ص
بعد قضية "لوكربي" في العقد المنصرم ها نحن مجدداً أمام قضية مماثلة في "دارفور" وقد نصبح قريبا أمام قضية أخرى مشابهة في المحكمة ذات الطابع الدولي التي من المفترض أن تنظر بقضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل الشهيد رفيق الحريري ومن يدري قد تتوالى المحاكم الدولية في قضايا العرب الصغيرة والكبيرة سواء تلك المتعلقة بصراع مع دولة أجنبية
كما هي الحال بين ليبيا وبريطانيا في قضية "لوكربي" أو تلك المتصلة بصراع إثني داخلي كما هي الحال في قضية دارفور أو بحادثة اغتيال رفيق الحريري مبدئيا يصعب رفض فكرة تحقيق العدالة بغض النظر عمن يحققها وعن الوسائل المستخدمة للوصول إلى هذه الغاية. إذ لا يمكن لأي منا النظر بعيني مظلوم يطلب حقا منتهكا لا يحصل عليه في عدالة بلده فيلجأ إلى عدالة الغير لنيله والتمتع به.بتعبير آخر يجب أن يأخذ كل ذي حق حقه عبر قضاء بلده وإن تعذر ذلك فعبر قضاء الغير فالعدالة لا تتجزأ ولا تتراجع أمام السيادة الوطنية.
بيد أن السؤال هو هل ترمي المحاكم الدولية التي تنتشر رويدا رويدا في عالمنا العربي هل تنشد العدالة أم شيئا آخر؟ هل يراد منها إيصال المظلومين إلى حقوقهم أم تحقيق غايات ومآرب تبعد عن تلك الحقوق سنوات ضوئية؟ هذا السؤال طرحناه في مناسبات أخرى حول الديموقراطية المستوردة وحول القضاء على الاستبداد المحلي بواسطة الغزو الأجنبي وخلصنا إلى أن الغزو نقيض الحرية والديموقراطية وانه استبداد أجنبي ليس إلا للحلول محل الاستبداد المحلي هذا إذا اتفقنا على معنى ومبنى الاستبداد المحلي وتوصيفه.
 يلوح سيناريو تدخل القضاء الدولي في "دارفور" على الهيئة التالية: محاكمة مسؤولين صغار بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور. المتهم الأول ينتمي إلى قبيلة الفور والثاني إلى قبيلة عربية. يصدر حكم بإدانة الطرفين. تنتصر قبيلة الزغاوة المتمردة ويصبح للمحكمة معينا محليا. ترى المحكمة أن الحكم لا يكفي لتحقيق العدالة وان المتهمين يشكلان جزءا من نظام سياسي يتحمل مسؤولية الجرائم المرتكبة.تتقدم المحكمة بطلب للاستماع إلى أقوال رئيس الدولة. يرفض الطلب. تتم خلف الستار مفاوضات لإخضاعه وحمله على تطبيق ما يطلب منه. يقبل فتنتهي المحاكمة وتحصر المسؤولية بمن حوكم. يرفض الرئيس فتتحرك ماكينة العقوبات ويتعرض للعزل ويتسع ملف المحاكمة ليشمل المسؤولين الكبار في حكومته .تتزعزع أسس النظام فيضعف أو يتعرض للانهيار. وبذلك تكون المحكمة الدولية قد لعبت دوراً كان من المفترض أن تلعبه الأساطيل والقوات العسكرية كما جرى لدى اجتياح العراق.
سوى أن سقوط النظام عبر القضاء الدولي او إضعافه لا يحل مشكلة العدالة في دارفور فالناس في هذه المقاطعة يتقاتلون منذ أن وجدوا على سطح هذه الأرض يتقاتلون حول المراعي والمياه الشحيحة وحتى يمتنعوا عن التقاتل يجب أن تتوافر لهم المراعي الكافية وكمية المياه المطلوبة وهذه لن تأتي بها العدالة الدولية. لان الهدف المنشود هو سياسي في الأصل و لا يمت بصلة للعدالة وصيانة الحقوق.
وإذا كان الحديث عن إسقاط النظام أو اخضاعه عبر المحكمة الدولية لا يرد صراحة في السودان فهو يرد بوضوح في المحكمة ذات الطابع الدولي في لبنان حيث يصرح الفريق المتحمس لها أنه يريدها من أجل إسقاط النظام السوري وكف يده عن الاغتيالات التي ترتكب في لبنان دون أن تثبت التهمة على النظام المذكور بدلائل وبراهين جدية لا بل يرى المتمسكون بمطلب المحكمة الدولية أن الهدف منها أيضا هو شل يد أطراف وأحزاب لبنانية مؤيدة لدمشق ما يعني أن الأمر يتعدى القضاء إلى السياسة وأن المحكمة الدولية ما هي إلا وسيلة للتدخل الخارجي لمصلحة أطراف محلية وأجنبية.
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه المطالعة مبنية على التشكيك وسوء النية وتجاهل حقيقة أنه توجد عدالة فعلية ممثلة بمحكمة الجنايات الدولية التي أدانت الرئيس الصربي السابق «سلوبودان ميليسوفيتش» وان محكمة العدل الدولية أصدرت حكما بلا شرعية الجدار الإسرائيلي العازل في الضفة الغربية وطالبت بوقفه.لكن نظرة متفحصة عن قرب تفضي إلى استنتاج مختلف.
يفيد واقع الحال أن المثالين الواردين لا يفصح أي منهما عن حقيقة العدالة المرجوة ففي المثال الأول يلاحظ أن المجرمين الأساسيين في البوسنة شأن «رادوفان كرادجيتش» و«راتكو ملاديتيش» وغيرهم من القتلة يسرحون ويمرحون في دويلة الصرب البوسنية بلا عدالة ولا من يحزنون ثم أن المحكمة نفسها التي حاكمت «ميليسوفيتش» امتنعت لتوها عن الاعتراف بمجزرة المسلمين في «سريبرينتسا» وهي المجزرة الأكبر التي ارتكبت خلال الحرب، يبقى أن الرئيس الصربي السابق قد اعتقل ليس من اجل العدالة وإنما لأنه واجه العالم بأسره بما في ذلك القسم الأكبر من شعبه ولو لم يفعل لكان اليوم ربما على قيد الحياة حراً طليقاً وربما حاكما لبلده. أما قضية الجدار العازل فان إسرائيل لم تعبأ بالحكم وواصلت البناء وكأن شيئا لم يكن ما يعني أن عدالة لاهاي كانت حبرا على ورق بالنسبة للفلسطينيين وكل عدالة ستكون حبراً على ورق ما لم تكن منطلقة من المساواة التامة بين البشر وهذا أمر ما زال بعيد المنال في العلاقات الدولية.
في السياق لا بد من الإشارة إلى أن محكمة الجنايات الدولية المولجة بقضية دارفور رفضت الولايات المتحدة التوقيع عليها كما رفضت أن يقدم جنودها أو أي من مواطنيها للمحاكمة لديها معتبرة أنها لا تحقق العدالة للأمريكيين لكنها بالمقابل جيدة للاقتصاص من السودانيين والأفارقة عموما.
حسنا فعل الرئيس السوداني عمر البشير عندما أقسم بالله العظيم انه لن يسلِّم أياً من مواطنيه إلى هذه المحكمة ما دام حياً، وحسناً يفعل كل عربي يرفض هذا النوع من المحاكم التي تستخدم لأغراض سياسية محجوبة ولاطماع اقتصادية متدثرة بثوب العدالة. فالعدالة مرتبطة ارتباطا عضويا بالمساواة التامة على الصعيد الدولي بين الجميع في الحقوق والواجبات وفي غياب المساواة تصبح العدالة سيفا مسلطا من الأقوياء على الضعفاء ومن الأغنياء على الفقراء تماما كعدالة الأسياد في القرون الوسطى ومحاكمتهم للرقيق الزنوج الذين يخرجون عن طاعتهم أو ملكيتهم.
لسنا عبيدا نحن العرب حتى نرضى بعدالة من هذا النوع وعندما يغض بعضنا الطرف عن هذا الاعتداء السافر في دارفور نكاية بالحكم في السودان أو لإضعافه فعليه أن يتذكر أن الموس التي توجه اليوم نحو ذقن السودان ستصل عاجلا أم أجلا إلى ذقنه.
مفاد القول ان محكمة الجنايات الدولية ليست سوى شكل جديد من أشكال الغزو الأجنبي لبلداننا بذريعة نشر الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وبما أننا رأينا ونرى بأم العين الكارثة العراقية الناجمة عن الغزو فمن الحري بنا ألا ننتظر لنر نتيجة مماثلة في السودان.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرموقف وطني!
كلمة 26 سبتمبر
كاتب/علي الصباحيعقدة المعارضة العربية
كاتب/علي الصباحي
استاذ/مصطفى بكريدماؤنا في رقبة من؟!
استاذ/مصطفى بكري
كاتب/نصر طه مصطفى تجمع صنعاء وعوامل النجاح
كاتب/نصر طه مصطفى
استاذ/عباس الديلميخاطرة
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد