السبت 22-09-2018 06:09:10 ص : 12 - محرم - 1440 هـ
رؤية للتأمل:بدون رتوش
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 13 سنة و 7 أشهر و 29 يوماً
الخميس 20 يناير-كانون الثاني 2005 08:18 م
الماضي يصبح جميلا مغمورا بعطور ذاكرة مطمورة في زحام تفاصيل كل يوم. عندما تتم استعادة الذكريات لايعود الماضي نفسه كما كان باعتبار ذلك مستحيلا وانما تعود انطباعات في الذهن عن مشاعر دفينة ارتبطت بالاحداث التي تم استدعائها من الذي صار. هكذا انعكست احداث  مهرجان المدرهة في ذهني، مغمسة باشجان الماضي الشخصية وهزيلة في مواجهة حاضر آخرين دون ذاكرة.
المهرجان قام بترتيبه مجموعة من عشاق الموروث الراغبين في البحث عن هوية مستمدة من ذاكرة مشتركة وماضي مليء بعبق الفكر المنتج أغنية أو أهزوجة أو قصيدة. وهي بادرة جميلة وجد فيها سكان صنعاء القديمة وساكناتها متنفس كانوا قد فقدوا الحلم به. فشكروا من أعماقهم المرأة التي فكرت أن تعيد ذاكرتهم اليهم. لكن تفاصيل كثيرة تسببت في جعل المبادرة صعبة التحقيق على النحو المطلوب، فقد واجهت السيدة المنظمة للمهرجان صعوبات لم تخطر على بالها.
فمن ناحية قام بالمبادرة بيت الموروث الشعبي الذي كانت رئيسته السيدة أروى عثمان قد جمعت عددا كبيرا من الوثائق المرتبطة بالمدرهة وبالاغاني والتسابيح المواكبة لها. ومن ناحية ثانية قامت مؤسسة حماية التراث بمساندة المبادرة، وهي مؤسسة ترأسها امرأة أعمال شهيرة هي السيدة هدى الشرفي. وجاء ذلك في وقت كانت تتم فيه مبادرة أخرى لأحد رجال الاعمال تستهدف ايجاد مداره (مراجيح)، في مواقع مختارة من المدينة القديمة.
وجميع هذه الجهات لديها تصور ما مختلف عن الكيفية التي يمكن بها الاحتفاء بهذه المناسبة بالمقارنة مع التصور القائم لدى سكان المدينة القديمة عن عادة في ماضيهم بدأت تغيب وتتلاشى، لكنهم لا يزالوا يذكرون تفاصيلها.
فبدأ المهرجان وكأنه حدث يواكبه الضجيج أكثر مما يسيطر فيه الانسياب. وهي مسألة متوقعة للتجربة الأولى. فمثلا كانت هناك القهوة التقليدية لقشر البن المطبوخة في الجمنة القديمة المصنوعة من الفخار، وفتحة فمها مقفلة بالليفة التقليدية القادمة من أشجار الليف اليمنية ذات المذاق المميز، وقد تم تقديمها في فناجين الحيسي الفخارية المصنوعة في حيس بتهامة. لكن عملية التوزيع المجانية داخل مهرجان عام جعلت المسألة تصبح مزاجية. وحدث الأمر نفسه مع انواع من المأكولات التقليدية كالخبز الصنعاني المتعدد الاصناف منه الملوج، والجحين، والقفوع، والسبايا، والسوسي، والذمول، والرشوش، واليابسة.
المدرهة والتدريه:
المدرهة حسبما تقول كتب التاريخ معروفة في صنعاء منذ مطلع الاسلام. وهي اراجيح خشبية يتم ربطها بحبال من السلب، ويتم توصيل الفصلات بينها بسلاسل حديدية. وهي تنصب بمجرد سفر حاج أو حاجة وتبقى حتي عودتهما. ويتدره عليها أي يقوم بالحركة (الزغف) والانشاد في وقت واحد المتدرهين والمدرهين. والمتدره هو الذي يقوم بالتأرجح، والمدره هو الذي يقوم بالانشاد. ولا يشترط في المدره او القائمة بالتدريه الصوت الجميل بل يشترط فقط الذاكرة الجيدة والحفظ للكلمات المقفاة والنطق بها على شكل منغم متوارث اللحن ومعتاد. ويمكن الابتداع والتغيير قليلا والامعان في التنغيم لمن منحهم الله صوتا جميلا أو قدرة على ابتداع كلمات شعرية جديدة.
والفرق بين نظام المرهة القديم ونظام الاراجيح المنصوبة في الحدائق الحديثة اليوم هو أن المداره لكل الاعمار بينما مراجيح اليوم هي للاطفال فقط. كما كانت تتميز المداره بنظام فصل بين الرجال والنساء وليس نظام تهميش والغاء كما هو سائد في حدائق اليوم. فالمجتمع اليمني الذي كان يرغب في الفصل بين مجال تسلية النساء وفرص الترفيه عنهن وفي نفس الوقت تسلية الرجال والترفيه عنهم دون خرق المألوف نظم ساعات المدرهة الصباحية وبعد العصر للنساء والاطفال فقط، بينما جعل الامسيات للرجال.
اليوم لم يصبح المجتمع مختلطا ولا عاد منفصلا وكحل للمشكلة لم يعد هناك فرصة للرجال للتمرجح في الحدائق العامة لأن ذلك قد يؤدي الى السخرية، ولا سمح أيضا بالتمرجح للنساء في هذه الحدائق نتيجة العيب الذي سيعتبرن مقترفات له لو تمرجحن أمام أنظار العامة.
الرتوش للماضي:
أن نقيم مهرجانات لعاداتنا التي أوشكت على الغياب والرحيل أمر جميل، ولكن حاضرنا أيضا بحاجة الى تأمل وتعديل. حدائقنا أصبحت أقل ارتباطا بنا عما كانت عليه بساتيننا. واراجيحنا أكثر بعدا عنا عما كانت عليه مدارهنا. والعيد صار تأزيم نفقات على العائلات وعبء رحلات لأماكن غير سهلة، تتحمل فيه النساء مشاق كل شيء وينزوين على الشطئان او بعيدا عن العيون تحت شجيرات لا تفيء من الشمس دون وسيلة للتسلية او الانشاد او السباحة أو أي متعة تجعل العيد للنساء ذا معنى وقيمة. على الأقل كانت المداره تنصب للحجاج قبل عيد الأضحى وبعده فتأتي النساء للتسلي والسعادة طوال النهار، ويأتي الرجال في المساء فتكون لهم طقوسهم للمشاركة.
ولأن العيد حان، رغم كل المصاعب المتوقعة فيه، أقول لكم عيد سعيد وكل عام وانتم بخير.
. raufah@hotmail.com
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
كاتب/إسكندر الاصبحيومضات: افق في المشهد العربي
كاتب/إسكندر الاصبحي
كلمة وعشر: لمحة أخرى
عبدالصمد القليسي
تركيا .. ومعوقات الانضمام للاتحاد الأوربي
عبدا لوهاب العمراني:
مشاهدة المزيد