الأربعاء 14-11-2018 08:02:11 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
» الزمن الرديء »إلى الزمن الأكثر رداءة
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 11 سنة و 9 أشهر و 11 يوماً
الخميس 01 فبراير-شباط 2007 08:38 ص
في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، صدر في بيروت كتابان بعنوانين مشوّقين يدفعان إلى قراءتهما. يعكس العنوانان واقعاً حاول الكثيرون الهرب منه وما زالوا يحاولون ذلك إلى يومنا هذا. بالنسبة إلى بعضهم كان العنوانان اختصاراً لمرحلة، هي مرحلة الهزيمة العربية والتدهور العربي في كل المجالات والحقول
وعلى كلّ المستويات وكان هذا البعض يرى من هذا المنطلق أن العنوانين لا يغنيان عن قراءة الكتابين فحسب، بل عن كتب وخطابات ومحاضرات لا يحصى عددها أيضاً.
كتب الزميل الكبير الراحل أحمد شومان، الذي كان من القلائل الذين تجرّأوا على جمال عبدالناصر في عزّ أيام سطوته وجبروته منتقداً سياساته بقسوة شديدة كتاباً سمّاه «الزمن الرديء». هاجم أحمد شومان عبد الناصر مخاطراً بحياته حتى قبل هزيمة 1967. رحل أحمد شومان قبل سنوات قليلة بعدما عاش معظم حياته وحيداً يراقب اللبنانيين والعرب من شقّته في شارع عبدالعزيز في رأس بيروت... لكنّ «الزمن الرديء» الذي تحدّّث عنه صمد ولا يزال صامداً. لا يزال الزمن الرديء يهددنا في كلّ يوم وفي كلّ ساعة وفي كلّ لحظة.
ووضع هنري حاماتي مباشرة بعد «النكسة» في العام 1967 كتاباً عنوانه «جماهير وكوارث». الى اليوم، لا تزال الجماهير العربية تبحث عن الكوارث، لا تعشق الاّ الذين يقودونها الى الكوارث. انها جماهير في بحث مستمرّ عن بطل لا يحسن سوى الخطابة وصناعة الكوارث...
بعد كل ما حلّ بالعرب في العقود الأخيرة، يظهر انّهم لم يتعلّموا شيئاً من تجارب الماضي القريب. لم يتعلّموا من النكبة في العام 1948، ولم يتعلّموا مما سمّي «النكسة» في العام 1967، ولم يتعلّموا من حرب لبنان الطويلة بين العامين 1975 و1990, ولم يتعلّموا من الدرس الذي تلقّاه الراحل صدّام حسين بعد احتلاله الكويت وتحريرها, ولم يتعلّموا من درس الاحتلال الأميركي للعراق وانعكاساته على المنطقة ككلّ، ولم يتعلّموا خصوصاً من الفرص الضائعة والمهدورة في فلسطين. يبدو كأنّه محكوم على الشعب الفلسطيني أن يعيش في كلّ الأزمان على الهامش وأن تظلّ قضيته باب استرزاق لهذا النظام العربي أو ذاك. الجديد الآن، أن المتاجرة بقضية فلسطين لم تعد حكراً على بعض الأنظمة العربية في المنطقة.
يلاحق «الزمن الرديء» العرب. وتلاحق الجماهير الكوارث. تبحث عن كلّ من يأتي لها بكارثة من دون طرح أي نوع من الأسئلة أو حتى من دون التجرؤ على الاستفسار عن الأسباب التي تدعو إلى القيام بهذه المغامرة أو تلك والنتائج التي يمكن أن تترتب على هذا العمل أو ذاك. لا يزال الشعار المعمول به أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. كم من الأخطاء, حتى لا نقول الجرائم تُرتكب في ظلّ الشعار الذي يبدو أنّه لن يموت أبداً، أقلّه في العالم العربي من (المحيط الهادر... إلى الخليج الثائر).
ما هو مؤسف في بداية القرن الواحد والعشرين أنّه لم يتغيّر شيءٌ باستثناء أنّ «الزمن الرديء» ازداد رداءة. الجماهير ازدادت تعلّقاً بالكوارث وبالذين يقودونها الى الكوارث من دون أسئلة أو اجوبة ومن دون لفّ ودوران. أكثر من ذلك، حصل تطوير للشعارات والممارسات ولم يعد هناك حدّ أدنى من الحياء في طريقة اثارة الفتن. صار الكلام عن الفتنة الشيعية- السنّية أمراً عادياً، بل طبيعياً بعد كلّ ما شهده العراق من تقلّبات في السنوات الأربع الماضية منذ بدء العملية العسكرية الأميركية التي ادّت الى احتلال هذا البلد العربي (سابقاً). وذهب اللبنانيون الى أبعد من ذلك نظراً الى أن بلدهم لم يعد مهدّداً بفتنة شيعية- سنّية، بل هناك كلّ يوم خوف من فتنة مسيحية- مسيحية في ظلّ أصرار النائب ميشال عون على النزول الى الشارع واغلاق الطرقات العامة في وجه المواطنين الراغبين في الذهاب إلى اعمالهم... على غرار ما يفعله «حزب الله» في مناطق أخرى.. وذهب الفلسطينيون إلى أبعد مما ذهب اليه العراقيون واللبنانيون. انّهم على أستعداد للدخول في حرب أهلية من دون أن تكون هناك حتى خلافات ذات طابع مذهبي فيما بينهم، ذلك أن الفلسطينيين في أكثريتهم الساحقة من السنّة.
بقدرة قادر استطاع العرب تطوير «الزمن الرديء» في بداية القرن الواحد والعشرين. من قال انّهم يراوحون مكانهم؟ استطاع العرب تطوير «الزمن الرديء» من خلال تطويرهم للعلاقة بين الجماهير والكوارث في الوقت ذاته. لم يعد الحديث ضرورياً عن الجماهير بمقدار ما انّه صار هناك واقع جديد اسمه الميليشيات المذهبية المسلّحة التي تتكفّل باجتراح الكوارث، أسوأ أنواع الكوارث. ما هو القاسم المشترك بين العراق ولبنان وفلسطين في أيامنا هذه؟ انه الميليشيات المذهبية المسلّحة التي ستجرّ الكوارث على الشعوب الثلاثة. مزّقت الميليشيات المسلّحة التابعة للأحزاب الشيعية الكبرى العراق. حافظت هذه الأحزاب على ميليشياتها المذهبية على الرغم من أنّها ممثلة في الحكومة وفي أعلى مواقع السلطة في العراق. ساعدتها في ذلك العصابات الأرهابية التابعة للتنظيمات السنّية المتطرفة مثل «القاعدة» وتوابعها والتي لا تقلّ عنها سوءاً.. وفي لبنان أصرّ «حزب الله» على أن يكون الميليشيا الوحيدة المسلّحة في بلد فيه ما يزيد على سبع عشرة طائفة ومذهباً. فرض ذلك على الآخرين بالقوة، والآن يريد «حزب الله» اطاحة الحكومة اللبنانية بحجة أن الوزراء الشيعة خرجوا منها بسبب اعتراضهم على المحكمة ذات الطابع الدولي التي ستنظر في قضيّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.. وفي فلسطين، لم تجد «حماس« ما تردّ به على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية والرئاسة سوى تشكيل ميليشيا خاصة بها والحاقها بوزارة الداخلية، على غرار الميليشيا المذهبية الملحقة بوزارة الداخلية في العراق.
النتيجة أنّ الأرض الفلسطينية على قاب قوس أو ادنى من الحرب الأهلية. هل من كارثة أكبر من هذه الكارثة تحلّ بشعب يريد التخلّص من الاحتلال ومقاومته فاذا به يدخل مرحلة الاقتتال الداخلي؟
نعم، حصل تطوير عربي ل«الزمن الرديء». كذلك حصل تطوير لعنوان «جماهير وكوارث».. في القرن الواحد والعشرين بات في الامكان الحديث عن «الزمن الرديء... إلى الأبد» وعن «ميليشات وكوارث»... والآتي أعظم.
  
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حميد رزق
أمريكا تدعوا لوقف الحرب وتحالف السعودية يصعّد: وجهان لعملة واحدة
حميد رزق
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الأحداث:العيب فينا وليس في سوانا
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
المبادرةُ الأمريكيةُ جِهَنَمِيّةُ الأهداف محفِّزةٌ على الاصطفاف
عبدالسلام التويتي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرشراكة الإخاء
كلمة 26 سبتمبر
نحن في عيونهم
رشا عبدالله سلامة
استاذ/عباس الديلميخواطر فضولي
استاذ/عباس الديلمي
جماعات ضالة عن الطريق
إبراهيم الحجاجي
مشاهدة المزيد