الإثنين 19-11-2018 01:59:39 ص : 11 - ربيع الأول - 1440 هـ
عرب الالفية:الفتنة... وحديث »الفرقة الناجية »
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 9 أشهر و 16 يوماً
الخميس 01 فبراير-شباط 2007 07:01 ص
ما عاد مفيدا أن نغرس رؤوسنا في الرمال ونتصرف كالنعامة. لقد صار لزاما علينا أن نعترف أننا نتعرض لفتنة قاتلة في المشرق العربي. وتتخذ هذه الفتنة شكل الاقتتال المذهبي حيث تتعايش المذاهب منذ قرون دون اقتتال يذكر أو تتخذ شكل اقتتال بين جماعتين سياسيتين تنتمي كلاهما إلى مذهب واحد كما هي الحال في فلسطين.
فهل ننجو من الفتنة وهل تنجو فرقة منها وتهلك الفرق الأخرى أم أننا نهلك جميعا معها؟
 لا دليل ملموس على أن المتورطين في الفتنة يستندون إلى حديث «الفرقة الناجية» في اقتتالهم بيد أن الانطباع الذي توحي به خطب المتقاتلين هو أن كل منهم يظن جماعته «ناجية» ومنتصرة والا لما استدرج هو أو استدرج غيره للقتال ولربما اعتمد خيارا آخر. وبما أن ثقافتنا جميعا مستمدة إلى هذا الحد أو ذاك من تراثنا الديني ومن تاريخنا العريق فليس من المستبعد أبدا أن يكون الاقتتال محكوما في الوعي أو اللاوعي بالحق الذي تراه كل جماعة في خيارها وحساباتها ومن هنا أرجح أن يكون هذا الحق مستندا إلى حديث «الفرقة الناجية» ما يعيدنا إلى الحديث نفسه أولا وإلى الوقوف ثانيا عند فرصة «النجاة» في حرب طائفية مقيتة.
 لمقاربة هذا الجانب خطر لي العودة إلى مناظرة بين الدكتور حسن حنفي والدكتور محمد عابد الجابري أشرفت عليها أواخر ثمانينيات القرن الماضي خلال عملي في مجلة «اليوم السابع» المحتجبة وتطرقت في حلقتها الأولى إلى حديث «الفرقة الناجية» حيث يقول الدكتور حنفي:
« .. إن أشد ما أضرنا هو حديث «الفرقة الناجية» المشكوك في صحته عند ابن حزم والذي يكفر إجتهادات الأمة كلها ولا يستبقي إلا واحدا منها هو اجتهاد الدولة القائمة وهو ما ترسب في وعينا القومي بتكفير كل فرق المعارضة واستبقاء اجتهاد واحد صائب هو اجتهاد السلطة القائمة وهو ما يتنافى مع تراث الأمة ويجافي روح التشريع إذ لا تجتمع الأمة على ضلالة وكلنا راد ومردود عليه والصحابة كالنجوم فبأيهم اقتدينا اهتدينا ولا خاب من استشار وللمخطئ اجر وللمصيب أجران»
ويرد د. الجابري بطريقة مختلفة فيقول:« .. إن حديث « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل:ومن هي يا رسول الله؟قال: ما أنا عليه وأصحابي» حديث كان موضوع نقاش مع علماء الأندلس والمغرب لأنهم رأوا في توظيف المشارقة له ما لا ينسجم مع العقل ومع الشرع. وبما أن الحديث مروي بسند صحيح فقد قبلوه وفي الوقت نفسه اجتهدوا في أن يفهموه فهما عقلانيا: قالوا إن حصر الفرق الضالة كما يفعل علماء المشرق الذي حرصوا على تعداد الفرق الضالة وتعيين الفرقة الوحيدة الناجية عمل فيه حكم وتعسف لا يقبله العقل ولا الشرع أما من الناحية العقلية فالبدع التي هي سبب الضلال لم تنته بعد فلا يزال الزمان يأتي ببدع جديدة وبالتالي لا معنى لحصر الفرق الضالة في فرق بعينها معروفة قد مضت.هذا من جهة ومن جهة أخرى فالرسول عندما سألوه عن الفرقة الناجية لم يسم فرقة بعينها بالاسم وقال :» ما أنا عليه وأصحابي» فهو قد وصف طريق النجاة ولم يعين الناجي»
أذكر أن كثيرين تدخلوا في المناظرة ومن بينهم باحث يمني اعتبر أن الحديث صحيح لكنه في بعض عباراته لا يتحدث عن «الفرقة» وإنما عن «الملة» والملة بنظر الباحث قد تكون بمقاييسنا الراهنة الجماعة الشيوعية أو المجوسية أو غيرها وبالتالي يصبح من الطبيعي أن يكون هلاك هذه الجماعات ونجاة المسلمين حتميا في الحديث المذكور.
بانتظار التعرف على مقال فاصل من أهل الفقه في هذا المجال لا يسعني إلا الجمع بين ما ذهب إليه الباحث اليمني والدكتور الجابري معا وان كان الاختلاف بينهما بينا في المناظرة حيث اعتبر الجابري أن الحديث النبوي حدد طريق النجاة ولم يحدد الفرقة الناجية في حين أن «الملة» غير «الفرقة» بحسب صديقنا اليمني ما يعني أن الأمر لا يعني المسلمين أو أهل القبلة بحسب الشيخ يوسف القرضاوي.
وليس تفسير معنى هذا الحديث الشريف وشرح مقاصده بالأمر البسيط ذلك أن اعتماده بصيغة خاطئة على نحو أن أصحاب هذا المذهب يعينون أنفسهم «الفرقة الناجية» و تعيين أصحاب المذهب الآخر في النار من شأنه أن يوجب قتالهم طمعا بالنجاة وفي ذلك أعظم الخطر على وحدة الأمة في حين أن تفسير الحديث على النحو الذي ورد في كلام الجابري وفي كلام الباحث اليمني من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة تماما ذلك أن أحدا لا يمكنه في هذه الحالة أن يعين نفسه في موقع «الفرقة الناجية» إلا وفق ما شرطه الرسول في الحديث إذ قال» .. ما أنا عليه وأصحابي» في هذه الحالة لن يجرؤ مسلم واحد على وجه الأرض القول أنه يخالف الرسول وأصحابه وبالتالي يصبح غرض الحديث الأصلي كما هو عليه حقا أي التشديد على وحدة المسلمين.
ونعود إلى الفتنة التي تطل برأسها في المشرق العربي للقول أن أصل المشكلة يكمن في الثقافة الخاطئة التي تروج في صفوفنا أو درجنا على نشرها استنادا إلى فهم محور أو سيء النية للنص والحديث فكنا كمن يضمر نوايا الفتنة وينتظر اللحظة المناسبة لوضعها موضع التطبيق.
ثمة من يقول أن أعداء المسلمين يسعون إلى اقتتالهم ودفعهم إلى الفتنة في المشرق العربي وهذا صحيح ويجب ألا يثير دهشتنا واستغرابنا ذلك أن أعداءنا كانوا على الدوام يسيرون على هذا النهج فما الذي ننتظره منهم؟ هل ننتظر أن يزودنا بأسباب الوئام والوحدة والاستقرار؟
إنه لمن غير المفيد إلقاء اللوم على الآخرين وخصوصا الأعداء عندما يتصل الأمر بمرجعيتنا الثقافية وتراثنا الفكري ذلك أن ما يفعله الغير هو استثمار ما نحن فيه أصلا ودفعنا إلى الهاوية بوسائلنا وبقدراتنا.
خلاصة القول: أن الفتنة التي تطل برأسها في المشرق العربي قد تكون مفيدة لاعدائنا بطبيعة الحال لكن يجب ألا يخامرنا قدر ضئيل من الشك أن كل أعداء الأرض لا يمكنهم النفاذ إلى قرية صغيرة من قرانا إذا ما كانت محصنة بثقافة صلبة موحدة تغلب مصالح الذات على مصالح الخارج. بكلام آخر إذا أردنا أن ندفن الفتنة فعلينا أن نبدأ من الذات..هنا المشكلة ومن هنا يجب أن يبدأ الحل.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرشراكة الإخاء
كلمة 26 سبتمبر
استاذ/عباس الديلميخواطر فضولي
استاذ/عباس الديلمي
جماعات ضالة عن الطريق
إبراهيم الحجاجي
مشاهدة المزيد