الأربعاء 19-09-2018 10:41:40 ص : 9 - محرم - 1440 هـ
سلطنة عُمان بين أدوات العولمة وقيمها
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 11 سنة و 9 أشهر و 4 أيام
الخميس 14 ديسمبر-كانون الأول 2006 07:11 ص
في منتصف نوفمبر المنصرم – وبدعوةٍ من وزارة الإعلام العُمانية – زرتُ سلطنة عُمان للمشاركة في تغطية أعمال الاجتماع السنوي المشترك لمجلسي الدولة والشورى
الذي اعتاد السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان على افتتاحه في خريف كل عام بكلمة تتضمن اتجاهات رئيسية لخطط وبرامج التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام الجديد.
في العام الماضي أيضاً زرتُ سلطنة عُمان بالمناسبة نفسها ، وبعد عودتي الى اليمن كتبت في صحيفة (26 سبتمبر) انطباعاتي عن الأيام المدهشة التي قضيتها في هذا البلد الشقيق الذي يشهد تحولات نهضوية نقلت المجتمع العُماني من زمن البداوة والتخلف والكهنوت ، إلى آفاق المجتمع الحديث والدولة العصرية والتفكير العلمي والمشاركة الشعبية في الحياة العامة.
اللافت للانتباه أنّ المسؤولين العُمانيين يحرصون حين يستقبلون ضيوفهم على إدارة حلقات نقاش معهم تتناول تحديات الحضارة الحديثة، وسبل البحث عن صيغ واقعية تحقق الاستجابة الواقعية لهذه التحديات الحضارية ، بعيداً عن مخاطر التفريط بالخصوصية ، أو الانعزال عن تحولات العصر.
وإذ يحرصُ المسؤولون في عُمان على تنظيم لقاءات مفتوحة تجمع ضيوفهم بعددٍ من الوزراء والمثقفين ورجال وسيدات الأعمال والإعلاميين العُمانيين ، تتميز هذه اللقاءات بطرح عددٍ كبيرٍ من هموم وقضايا العصر على بساط النقاش المفتوح بهدف التعرف على رؤية الآخرين لهذه القضايا المعاصرة ومقاربتها .
المثير للدهشة والتأمل أن كل الذين التقيتهم من المسؤولين والمثقفين والشبان والشابات في عُمان الشقيقة يتمتعون بقدرٍ واسعٍ من الثقافة الرفيعة واللغات الأجنبية وخاصة اللغة الإنجليزية ويتعاطون نمطاً جديداً من التفكير الذي ينزع إلى تجاوز القوالب الجامدة، والابتعاد عن الثقافة الشفاهية السطحية والشعارات الشعبوية ، وعدم الخضوع لهواجس الخوف من الانفتاح على العصر ، والتحرر من الوهم بوجود عدو خارجي يتآمر على الهوية والخصوصية ، مع الأخذ بعين الاعتبار اعتزاز العُمانيين بهويتهم وخصوصيتهم ، ونزوعهم إلى الاستجابة لتحديات الحضارة المعاصرة واستيعاب أدواتها وقيمها في آن واحد.
في أحد اللقاءات التي جمعتني وبعض زملائي من رؤساء تحرير بعض الصحف العربية بوزير الإعلام العماني الاستاذ حمد بن محمد الراشدي ، تحدث أحد هؤلاء الزملاء بعبارات حماسية عن إعجابه بتمسك العمانيين بزيهم الوطني الذي تعلوه عمامة مزركشة ، ويتوسطه خنجر مربوط بحزام عريض يلتف حول الخصر، إلى جانب حرص النساء العُمانيات، على كشف وجوههن وارتداء العباءة الأنيقة والمفتوحة من الأسفل، وحضورهن الملموس في تشكيلة مجلس الوزراء ومجلس الدولة ومجلس الشورى والأجهزة الحكومية والشركات العامة والخاصة ومختلف مواقع العمل والدراسة والإدارة والتجارة والإنتاج والنشاط الرياضي والاجتماعي إلى جانب الرجل ، في جو تسوده قيم المساواة الانسانية التي تجد تجسيداً لها حرص العمانيين على تأنيث نسب المرأة العمانية الى قبيلتها بصورة غير مسبوقة و لا مثيل لها في أي بلد عربي او اسلامي ، حيث قدمت احدى الاكاديميات العمانيات نفسها باسم الدكتورة راوية بنت محمد الفروانية ، ولو كانت هذه المرأة في مصر او اليمن او السعودية او الاردن او أي بلد عربي او اسلامي لقدمت نفسها باسم (الدكتورة راوية بنت محمد الفرواني ) ، وليس الفزوانية ، بمعنى ان العمانيين يعارضون تذكير نسب المرأة الذي يشير إلى إلحاقها بالمجتمع الذكوري ، بدلاً من الاعتراف بأنّ الله خلق الذكر والانثى من نفس واحدة على حدٍ سواء بحسب تعبير احدى الاعلاميات العمانيات.
مما له دلالة عميقة أنّ وزير الإعلام العُماني رد على الخطاب الحماسي لزميلنا الصحفي العربي الذي تحدث عن خطر الغزو الثقافي الأمريكي والأوروبي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية من خلال العولمة وقيمها المنافية لأصالتنا والدخيلة على ثقافتنا، والمتربصة بخصوصيتنا على نحو ما سمعناه في خطبة ألقاها احد الصحفيين العرب بحضور الوزير العماني.
كان رد الوزير العُماني حمد بن محمد الراشدي، مثيراً للدهشة عندما تحدث عن العولمة بصفتها إحدى حقائق العالم المعاصر والحضارة الحديثة التي دخلت حقبة تاريخية جديدة تنطوي على تناقضات وإشكاليات معقدة في مسار الفتوحات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والمعرفية، محذراً من خطورة تجاهل الميول الموضوعية للعولمة ، وخطأ الاعتقاد بإمكانية إغلاق الأبواب امام رياح التحولات والمتغيرات التي تحدث بفعل تعاظم منجزات الثورة الصناعية، وبناء ستار حديدي يحول دون وصول هذه الرياح إلى مجتمعاتنا التي تدفع بسبب عزلتها الطويلة عن العصر وانقطاعها عن ميدان إبداع الحضارة، فواتير إرث التخلف والأمية والجهل.
لعل أكثر ما أدهشني وأدهش ضيوف الوزير العُماني بضعة كلمات بسيطة مصحوبة بابتسامة هادئة ، أوضح فيها حاجة البلدان العربية والإسلامية للتعامل مع العولمة ، والانفتاح على إنجازاتها وتحولاتها في مجالات العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والتجارة والإدارة ، مشدداً على خطورة إدارة الظهر لها، والإقامة في الماضي ، والعودة إلى نمط حياة الأسلاف التي قامت على أدوات الإنتاج والاستهلاك التقليدية التي ارتبطت باقتصاد النخيل والإبل، وثقافة القراءة الشفهية في الكتاتيب وزوايا الجوامع.
كان وزير الإعلام العُماني حمد بن محمد الراشدي، واضحاً وصريحاً في التعبير عن رأيه بصعوبة التعاطي مع أدوات العولمة فقط، بدون التعاطي مع قيمها أيضاً ، الأمر الذي يطرح أمام العقل العربي والإسلامي – وليس أمام النقل السلفي تحديات البحث عن صيغ متوازنة تضمن ما أسماه وزير الاعلام العماني الوزير العُماني انفتاحاً آمناً على أدوات العولمة وقيمها المتغيرة، وصولاً إلى المزاوجة بينها من جهة ، وبين ثوابت الهوية والخصوصية من جهة أخرى، بما يحقق للهوية والخصوصية تجدداً متنامياً يسقي جذورها بماء الحياة المستديمة، ويغذيها بمقومات النماء والبقاء، ويدرأ عنها مخاطر الجفاف والتيبس والذبول.
وكعادة اللقاءات التي يجريها المسؤولون العُمانيون مع ضيوفهم ، تحوّلت زيارة ودية قام بها الأستاذ عبدالعزيز الرواس مستشار السلطان قابوس بن سعيد للشؤون الثقافية ووزير الإعلام السابق لرؤساء تحرير الصحف العربية في فندق مسقط انتر كونتينيتال ، إلى حلقة نقاش حول الآثار المتبادلة بين الكمبيوتر واللغة العربية ، حيث ارتفع صراخ بعض الصحفيين العرب من خطر الانترنت على اللغة العربية والتحذير من عواقب انتشار الاصطلاحات اللاتينية، والمطالبة بحماية اللغة العربية من هذا (الغزو) الذي يهدد بصياغة أصالتنا وهويتنا !!
كان مفاجئاً للذين ظنوا أنّ وجودهم في بلد محافظ مثل سلطنة عمان يبرر لهم الصراخ ضد  العولمة التي تهدد الإسلام والعروبة ، ما سمعوه على لسان الأستاذ عبدالعزيز الرواس الذي عرض أفكاراً جريئة وغير مألوفة تنم عن ثقافة رفيعة ، حيث قلل الرواس من هذه المخاطر والهواجس ، مشيراً إلى أنّ خطاب الخوف على اللغة العربية من الانتر نت ينطوي على اتهام غير مباشر للغة العربية بالعجز عن التجدد ، وعدم القدرة على الاستجابة لتحديات التلاقح الثقافي بما هو أحد حوافز التعايش والتفاعل بين الحضارات والثقافات.
لا يرى الرواس عيباً أو خطراً في أن يتم استخدام مصطلحات أجنبية بحروفٍ عربية مثل انتر نت،أيديولوجيا ، تكنولوجيا، سينما، أنفلونزا، هيدروجين، أوكسجين، كمبيوتر، الخ، حيث انتقد بشدة تعريب كلمة كمبيوتر إلى (الحاسوب) نظراً لمحدودية معنى الحاسوب قياساً إلى وظائف وقدرات الكمبيوتر التي تتجاوز استخدامه لأغراض الحساب فقط .
وبحسب الرواس لا بأس على العرب إذا كتبوا الكلمات التي ذكرها بحروف عربية إذا كان تعريبها سيؤدي إلى إفقار وتسطيح معانيها، منوّهاً بأنّ القرآن الكريم استخدم كلمات (فارسية) مثل (سندس واستبرق) حيث أدى الاحتفاظ بأصلها اللغوي الفارسي ، إلى إبراز معانيها على نحو أفضل مما لو تم تعريبها.
كان الرواس واضحاً في تحذيره من خطورة الأفكار التي تدعو إلى وضع حواجز بين اللغة العربية والاصطلاحات التي أنتجتها الحضارة الحديثة والفتوحات العلمية والتكنولوجية ، لأنّ من شأن هذه الحواجز عزل اللغة العربية عن السياق العلمي والمعرفي الإنساني، وتهديدها بالجمود، وما يترتب على ذلك من احتمال بروز خطر حقيقي يهددها تحت شعار حماية اللغة العربية من غزو الاصطلاحات اللاتينية !!
بيد أنّ الروّاس أبدى مخاوفه على مصير الحرف العربي – وليس على اللغة العربية – من الطاقة اللامتناهية للكمبيوتر بما هو أداة لنشر وتدوين المعرفة في هذه الحقبة من مسار تطور الحضارة البشرية ، مشيراً إلى أنّ ثمة لغات كانت تستخدم الحرف العربي مثل اللغة التركية على سبيل المثال، ما زالت حية ، وما زال عطاؤها الثقافي مزدهراً على الرغم من أنّها هجرت الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني غداة سقوط الخلافة العثمانية بتأثير نتائج الحرب العالمية الأولى.
تأسيساً على ذلك لا يخفي الرواس قلقه على مصير الحرف العربي الذي تتكوّن منه كلمات اللغة العربية ، باعتبار أنّ الكلمة هي وعاء المعنى ، وإذا عجز تعريب بعض الاصطلاحات والاختراعات بكلمات عربية عن إطلاق طاقة المعنى على نحو ما يحدث عند الإصرار على استخدام كلمة حاسوب بدلاً من كمبيوتر، فإنّ ثمة خطراً مؤكداً ينتظر الحرف العربي بتأثير الحاجة إلى استخدام حروف لاتينية لضمان إطلاق المعنى اللامتناهي لكلمة كمبيوتر، الأمر الذي يحتم علينا – بحسب الرواس – استخدام كلمة كمبيوتر وغيرها من أدوات العولمة كما هي بالحروف العربية كوعاء للمعنى الذي تحمله كلمة كمبيوتر وغيرها من الاختراعات.. وبهذا نحقق للغة العربية ثراءً واستمراراً من خلال استيعاب الاصطلاحات العلمية والحضارية التي أنتجتها الثورة العلمية والحضارة الحديثة وتدوينها بالحروف العربية فقط، بدلاً من الاضطرار إلى كتابتها بالحروف اللاتينية كرد فعل على عجز التعريب عن استيعاب معانيها وتقريبه إلى الذهن، وهو عجز يحول دون تحقيق وعي معرفي بمعاني هذه الاصطلاحات بما هي أوعية لمعاني تندرج ضمن حوافز السلوك الاجتماعي المعاصر.
  
صحيفة 26 سبتمبرالسلطة المحلية
صحيفة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد