الثلاثاء 20-11-2018 02:52:08 ص : 12 - ربيع الأول - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة:مشاكل اليمن مضبطة اتهام أم قضايا مرشحة للحل؟
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 10 أشهر و 10 أيام
الجمعة 07 يناير-كانون الثاني 2005 09:50 م
* قال سياسي يمني محترف عن الرئيس علي عبد الله صالح في لقاء تلفزيوني:... أنا لا أنافقه وأقول لقد تحققت الوحدة اليمنية و أصبحت حدود اليمن مخططة مع المملكة العربية السعودية ومع عمان.عالج قضية حنيش بحكمة وجنب البلاد مشكلة كبيرة. كانت العاصفة ستهب على اليمن ويتهم بالإرهاب بعد قضية كول لكنه تمكن من تجنيب البلد مخاطر لا يعلم بها إلا الله. وأضاف قائلاً ما معناه" ...لكن مشاكلنا في اليمن كبيرة".يمر ساسة آخرون على العبارات المذكورة بما يشبه مرور السياسي نفسه أي" ... لقد حقق الرئيس الوحدة وخطط الحدود....و.و.و الخ" لكن مشاكل اليمن كبيرة.
بعض الأصوات المعارضة تتناول المسائل نفسها بصيغة النفي القاطع والمبالغة الحزبية النضالية المعروفة: لقد اغتيلت الوحدة .خسرت اليمن حدوداً وأراضي في تخطيط الحدود. أصبح استقلال اليمن في خبر كان بعد حادث المدمرة كول. المشاكل اليومية فهي في تفاقم مستمر. القمع والبطالة و هبر الأراضي والفساد. في اليمن دولة ديكتاتورية ولا يغرنك الهامش الديمقراطي فهو يضيق باستمرار ومعد أصلا للخارج وليس للداخل ...كذا !!يبدو التحذير من النفاق في فقرة السياسي المحترف مبرراً ذلك أن الثقافة السياسية المعروفة في القصور الجمهورية العربية وبلاطات ملوك العرب تنطوي على النفاق الذي يطلبه الحكام أو يطلب لهم ما يعني أن تحميل الكلام عن الرئيس اليمني معنى الصدق وليس النفاق يراد منه لفت الانتباه إلى أن المتكلم يتفهم الشك الماثل في أذهان عامة العرب ويقول ما قاله صدقا وصراحة وأنه أيضاً يريد التمييز بين القصر الجمهوري اليمني وغيره من القصور الجمهورية في استقبال الكلام المرسل عبر الاثير.سوى أن الصدق والصراحة في القول يستدعي مدى ملائماً وتفسيراً مناسباً قد لا يتيحه حديث تلفزيوني يفترض اعتماد تقنيات خاصة في المخاطبة من بينها التكثيف والاختصار.هذا إذا أردنا حسن النية في النظر إلى ما قيل وليس من سبب يدعو إلى غير ذلك. لكن المشكلة التي يطرحها القول ما زالت بلا حل.أنها تكمن بالضبط في اللا تناسب بين القول ومداه...هيا إذن إلى شرح وتوضيح أكثر للمعنى الوارد في القول نفسه..عبارة الوحدة:... ليس تحقيق الوحدة اليمنية والقتال من أجلها حتى الموت والمغامرة بالحكم نفسه طلبا لإنجاز لم يكن يريده أي من لاعبي الخارج رغم تصريحاتهم المنافقة, ليس في ذلك ما يستاهل المرور عليه ـ في القول ـ مرور الكرام.لقد فشل كل حكام اليمن وكل سياسيها السابقين في تحقيق الوحدة وفشل كل العرب خلال نصف قرن في توحيد أي شيء لا بل شهدت عهودهم انفصالا أكثر وتفتتا أكثر واحترب القوميون باسم الوحدة ـ أكثر مما احترب الرجعيون ـ داخل اليمن وخارجها ومازالوا حتى اليوم منفصلين حتى صار الانفصال مقدسا وسنة من سنن الحياة عندهم وعند غيرهم. مقابل ذلك عاند الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الواقع القاهر والمهزوم وواجه أبالسة السياسة في كل مكان وصمم على بلوغ الوحدة وبرهن على جدواها واخترق ثقافة الانفصال التي تنخر عقول العرب وحقق ما يشبه المعجزة على هذا الصعيد في فترة زمنية قياسية ...بعد كل هذا الجهد وهذا التصميم والتغيير الجذري يجري الحديث عن الوحدة وكأنها كانت تحصيل حاصل أوكأنها تعادل شق طريق بين قريتين. لو يدرك البعض قيمة هذا العمل الهائل في دوائر الحساب والتحليل الاستراتيجي لربما لاموا أنفسهم على اختصار مداه وحجب معناه الكامل وإرساله بكلمة عابرة.
عبارة الحدود: ..أعطى الرئيس اليمني بلاده حدود دولة باتت معالمها واضحة وشرعية بنظر القانون الدولي. أي انه نقل الحدود من حالتها "البرية" إذا جاز القول إلى حالة قانونية متناسبة مع مقاييس وقواعد التعامل الدولي المرعية الإجراء. كانت من قبل حدود حرب وتنازع وخصام وأطماع وصارت اليوم مبدئيا حدود سلام وتعاون مفترض وتواصل وخطوط تتيح تحديد الحق والسيادة بدقة على الأرض. لقد تسلم الرئيس بلدا حدوده سائبة وجعله بلدا بحدود واضحة فنجح حيث فشل غيره طيلة سنين وأفلحت بلاده فيما تصرف بلدان عربية اليوم نصف موازناتها السنوية على صراع الحدود. ألا يستحق هذا العمل أكثر من كلمة عابرة ألا يستحق أن يقدر حق قدره وان يعطى المدى الذي يستحقه.
قضية حنيش:..لا حاجة للتفصيل مجددا في هذه القضية فقد أتيت على ذكرها الأسبوع الماضي. أضيف فقط أن حالة اليمن اليوم أفضل بما لا يقاس قبل صدور قرار المحكمة الدولية حول الأرخبيل... وأفضل بالتأكيد من وقوع اليمن في الفخ الإقليمي الذي نصب له من خلال هذه القضية.
مختصر القول أن هذه القضايا وغيرها لم تتم عرضا فهي تعكس نهجا في الحكم يستحق تقديرا لائقا يتناسب مع مداه وحجمه وأفقه لا أن يظلم بكلمات عابرة يحكمها خضوع غير مبرر لمنطق الردح الذي يطال كل الحكام العرب دون تمييز بين حاكم صالح لبلاده ولغيرها وحاكم طالح لبلاده وللعالمين. أما الأوصاف الواردة في القول الثاني المعارض فهي تنتمي إلى ثقافة سياسية مقفلة على نص إيديولوجي يقيس الذات والعالم بمقاييس تنتمي إلى عصر آخر وان كانت تلمح عبثا إلى تقدم الذات وتخلف الغير..إن ما يثير الدهشة في الحالة اليمنية هو مطالبة البعض بهامش ديموقراطي واسع عبر كلام لا يقيم وزنا للمفارقة في حين أن الكلام المفارق هو الأصل في اللغة الديمقراطية.كيف يمكن لكلام إجمالي أن يصف الوحدة وصفا شنيعا وأن يصف وضعا منفتحا وديمقراطيا تجريبيا رحبا بمثل تلك الفظاعة وان يزعم في الآن معا انه ديموقراطي ومتسامح ومثال يحتذى لبلد في طور النمو راكم تقدما في سنوات الاستقرار القليلة الماضية ما لم يراكمه خلال عقود طويلة من قبل؟ كيف يمكن لكلام عدائي من هذا النوع أن يصل إلى الآخر بغير المعاني التي ينطوي عليها أي معاني القطع والعدم في حين يزعم أصحابه طلب الحوار والاتصال والتفاعل والاعتراض العقلاني...كذا.!!
لا يمكن لأحد في اليمن أن يزعم خلو البلاد من الفساد و هبر المال العام والفوضى الإدارية وانتشار السلاح غير المرخص وتعثر العديد من المشاريع التنموية وانتشار البطالة إلى غير ذلك من الظواهر المشابهة ولو كان البلد بلا مشاكل من هذا النوع لكان الكلام فيه وعنه مختلفا تماما.لكن أن تكون هذه المشاكل "كبيرة" على جاري القول الأول في مطلع المقالة فهو يستدعي من جهة تركيز النقاش على الحل أي على الوسيلة أو الوسائل المناسبة للتخلص من هذه المشاكل. ويستدعي من جهة ثانية ـ وهذا أضعف الإيمان ـ عدم استخدام المشاكل القائمة لطمس المشاكل الوطنية الكبيرة التي حلت وصارت إرثا لليمن ولكل اليمنيين. وفي كل الحالات لا يصلح كمضبطة اتهام في محاكمة منصفة إلا إذا أراد المدعي خسارة القضية التي يدافع عنها؟!
أقول هذا الكلام وفي ذهني ضرورة تحصين الوحدة اليمنية بكل معانيها السامية ولفت الانتباه إلى خطورة السجال السياسي العقيم في بلد يحتاج إلى حلول خلاقة لمشاكل معمرة ومزمنة والى القضاء على أرث من التخلف القرني ينوء بحمله جبل نقم...وللسحرة والساحرات يمكن القول ببساطة عليكم بمياه البحر.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
كلمة 26 سبتمبر:«الاصلاحات»
كاتب/نصر طه مصطفىهموم أول القرن:عرب 2005
كاتب/نصر طه مصطفى
مشاهدة المزيد