الأربعاء 19-09-2018 14:34:02 م : 9 - محرم - 1440 هـ
:رسالة إلى صديق يمني حول الثورة و الجمهورية (2-2)
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 11 شهراً و 13 يوماً
الخميس 05 أكتوبر-تشرين الأول 2006 11:21 ص
عرضنا في العدد الماضي لمحات عن الجمهوريات الاجنبية وتجاربها علّنا نتمكن من ضبط الحديث عن الجمهوريات العربية وبالتالي الكف عن جلد الذات عبر القول:
هذه ليست جمهوريات بل «جملكيات» أو «جمهوريات وراثية» لا لسبب إلا لانها لاتشبه النموذج الفرنسي أو لانها لم تعتمد تبادل الرئاسة بسرعة وبإيقاع شبيه بلإيقاع الارووبي أو الغربي. لقد بادرنا إلى الحديث في هذا الموضوع على هامش الاحتفالات اليمنية بثورة سبتمبر وبعد تجربة الانتخابات الرئاسية المفتوحة والاولى من نوعها في العالم العربي وذلك كله في محاولة للرد على سؤال طرح خلال مقيل يمني حول جدوى الاحتفال بالثورة مادام اليمن قد صار جمهوريا وانتهى الامر.
لاحظنا في المقال السابق ان من المتعذر تحديد فترة زمنية معينة يمكن من خلالها القول أن هذا النظام صار جمهوريا ناجزا وانتهى الامر وأشرنا إلى طرق متعددة للوصول إلى الجمهورية وقلنا أن بعض الجمهوريات استقرت ودامت وبعضها الاخر عاد إلى النظام الملكي .فماذا عن الجمهوريات العربية.
الثابت أن الجمهوريات العربية نشأت بواسطة انقلابات عسكرية قامت بها حفنة من الضباط مستندة إلى رغبة شعبية عارمة بالتخلص من الاستبداد الملكي القائم على الحكم المطلق معطوفا على تخلف يفوق الوصف وتسلط ينتمي إلى العصور الوسطى ورضوخ موصوف امام الغزاة والقبول باستعمارهم عبر القواعد العسكرية الضخمة وهزائم بالجملة في المعارك والحروب مع إسرائيل.  في الملكيات والسلطنات العربية كان الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي تملك حق استعمال القوة لذا استخدم بعض الضباط صلاحياتهم في تغيير الاوضاع في بلدانهم على غرار الضباط الاحرار في مصر واعلنت جمهوريات في القاهرة وطرابلس الغرب والخرطوم وبغداد وصنعاء. ونشأت بعض الجمهوريات العربية إثر ثورة شعبية مظفرة ضد الاستعمار الاجنبي شأن الثورة الجزائرية والثورة اليمنية في جنوب البلاد والثورة السورية الكبرى وما تلاها من ثورات ومجابهات مع المستعمر. ونشأت جمهوريات بعد انسحاب المستعمر كما هي الحال في تونس وجيبوتي و نواقشوط و بيروت. ومازالت بعض الجمهوريات تنتظر على قارعة الطريق في الصحراء الغربية او في فلسطين.وإذا عدنا إلى التواريخ نلاحظ أن الجمهوريات العربية حديثة العهد نسبيا: جيبوتي(1977) والصومال( 1974) وجنوب اليمن (نوفمبر 1967) وموريتانيا 1960 وجزر القمر(1975) و الجزائر(1962) و السودان (1956) وتونس (1958) وليبيا(1969). ومصر(1952) وسوريا عام (1946) ولبنان عام (1946) والعراق (1958).شمال اليمن عام (1962).
بيد أن هذه الجمهوريات تكونت في بلدان فقيرة وفي ظل الصراع العربي الاسرائيلي الذي طبع ويطبع الايقاع السياسي في المنطقة باسرها وفي وسط ثقافي عربي وديني مشترك وبالتالي لم يدخل تشكيل النظام السياسي الجمهوري في سياق فيتم صقله وتشذيبه كما هي الحال مثلا بين فرنسا والمانياوبينها وبين بريطانيا.كانت الجمهوريات العربية تنشأ في إطار ثقافي مشترك وكان عليها ان تتنافس على التفاصيل وليس على الاصل الحضاري الواحد لابل كانت معظمها تشكو من كونها جمهوريات تمت في ظل السيطرة والخضوع وبالتالي تتبرأ من ظروف تشكيلها ولا تفتخر بها.
ما من شك أن ظروف نشأة هذه الجمهوريات لا تبرر كل ادائها ولا تعذر كل إخفاقاتها لكنها بالمقابل تعطيها الحق بالاختلاف عن غيرها من جمهوريات الغرب وتخفف من حجم الشعور بالاحباط حال المقارنة مع نظيرتها الغربية حتى إذا ما طغى اليأس والاحساس بالدونية صارت البلدان بكاملها وليس نظامها السياسي فضاءً أسوداً مكبلا بالاحكام المسبقة.
ندخل من هذا الباب إلى الجمهورية اليمنية التي تختلف عن غيرها في السياق التاريخي والتجرية والوسائل ودرجة التقدم وإذا ما جمعت عناصر الاختلاف نصل إلى حالة يمنية مختلفة اختلافا كبيرا عن الحالات الجمهورية الاخرى وبالتالي تستدعي نظرة واستخلاصات مختلفة. أولها أن النظام الجمهوري اليمني كان خشبة الخلاص الوحيدة من نظام «قروسطي» وأن الحروب الاهلية اليمنية التي اندلعت بسبب النظام الجمهوري كانت تتم بين خيارين متناقضين تماما واحد يريد العودة باليمن إلى الخلف والاخر يعدها بالتقدم وكان زمن الحروب الطويلة شراً لا بد منه لتثبيت خيار التقدم، ثانيها أن خيار الوحدة ما كان له أن يتم لولا الثقافة الجمهورية المنتصرة في البلدين وإن كانت الكلفة الاقتصادية لهذا الخيار مرتفعة و معيقة للحلول التي طرحها اليمنيون لمشاكلهم، وثالثها أن اولوية الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي كانت وما زالت شرطا للتقدم المنتظر منذ الثورة وعليه لا يمكن قياس التجربة الجمهورية من زاوية الاستقرار إلا بعقد من الزمن ورابعها أن التداول السلمي للسلطة - وان كان شرطا لقياس جمهورية النظام من لاجمهوريته - فهو - اي التداول - ليس شرطا مطلقا بدليل ان الجمهوريات الغربية وصلت الى التداول النموذجي بعد عقود طويلة من التعثر وهي لم تعرف التداول بصيغة واحدة وشكل واحد ناهيك عن أن الجمهورية الغربية نهضت على قيم ثقافية ودينية مسيحية تنطوي على فصل عقيدي بين السلطة واللاهوت: «اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله» في حين ان التجربة اليمنية كانت وما زالت مشروطة بالقيم الثقافية والدينية الاسلامية التي لا تعترف بالفصل بين الزمني والروحي وتنص على طاعة ولي الامر بغض النظر عن كونه ملكا او رئيسا ... ويمكننا أن نستمر طويلا في تعداد عناصر الاختلاف التي تؤكد على ضرورة تقييم لتجربة الجمهورية العربية عموما واليمنية بخاصة وقياس نجاحها واخفاقها في ضوء ظروفها وليس ظروف غيرها حصرا.
خلاصة القول أن التجربة اليمنية تستحق الاحتفال لانها بالفعل حدث تاريخي فاصل في هذا البلد ولان الاجيال التي ولدت في العهد الجمهوري يجب أن تدرك أنها تدين بتقدمها وتفتحها لهذا النظام وأن مشاكلها وصعوباتها ليست جمهورية وانما ناتجة عن كل التعقيدات السابقة واللاحقة لاستقرار هذا النظام.
تعزية: وصلني ببالغ الأسى نبأ وفاة شقيق زميلنا العزيز الأخ أحمد الجبلي وانتهز المناسبة للتقدم إليه وإلى اهله بالتعازي الحارة راجيا من الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويدخله فسيح جنانه ويلهم ذويه الصبر والسلوان انه سميع مجيب الدعاء «إنا لله وانا اليه راجعون».
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
مقالات
دكتور/ابو بكر القربيمن التنافس الى الشراكة
دكتور/ابو بكر القربي
إلى الماوري منير.!!
عبدالوهاب محمد نعمان
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانيالانتخابات ... الإشراق وعثرات السواد!
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
استاذ/عباس الديلميالقائد الكبير.. كما عرفته
استاذ/عباس الديلمي
كاتب صحفي/عبدالملك الفهيديلهذه الأسباب انهزم المشترك
كاتب صحفي/عبدالملك الفهيدي
مشاهدة المزيد