الأربعاء 18-09-2019 18:40:28 م
بوح اليراع: تَعَلْمُنُ الأعراب متجاوزٌ للصواب
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 15 يوماً
السبت 03 أغسطس-آب 2019 10:56 م

في البدء يجدر بي أن أشير إلى أن لفظ(تعلمُن) مصدر اشتق منه الفعل الخُماسي(تعلمَن) أي: اعتنق أو انتهج المنهج العلماني، وأنَّ (الأعراب) هم المجانبون للصواب من العرب والمسلمين المتخندقين في خندق العداء للدين.
أما العلمانية فقد عُرفت -كما نعلم جميعًا -في الغرب الصليبي(موطن المنشأ) بأنها (حرية الديانة والإلحاد)، علمًا أن الشعوب الغربية اضطرت إليها اضطرارًا احتماءً من جشع وتسلط رجال الدين المستغلين الذين اتخذوا من الديانة المسيحية المحرفة -كي يحققوا لأنفسهم حياة مترفة- وسيلة لما لم ينزل به الله من سلطان لجمع الجبايات التي لها بدايات وليس لها نهايات، إلى حدِّ أن القساوسة والرهبان قد أعطوا أنفسهم حق غفران الذنب وقبول التوب وتجرؤوا على الله ببيع صكوك الغفران المتفاوتة الأثمان المترتب عليها -بحسب زعمهم- تفاوت منازل أصحابها في الجنان.
وبالرغم من أن العلمانية كانت مخلصًا لشعوب الغرب من استغلال الذين نصَّبُوا أنفسهم -بالافتراء والكذب- وكلاءَ أو بوابًا عن الرب، فإن أبناء تلك الشعوب -وفي طليعتها العلمانيون المؤسسون- لم يتخذوها بديلاً عن الدين أتى لإزاحته، أو منطلقًا لمحاربته، بل جعلوها تسير بموزاته مقتصرة على التعاملات الدنيوية، بينما بقيت الكنسية تحظى بالقدسية من كل راغب في ممارسة الطقوس التعبدية طمعًا في نعيم الحياة الأخروية، لا سيما وقد تركت للفرد حرية الاختيار بين ما اعتاده من طقوس عبادية وبين ما طرأ على واقعه المجتمعي من ممارسات لادينية إلحادية، ولم نسمع قطْ أن مسيحيًّا أو يهوديًّا أوذي في دينه أو أكره على اعتناق العلمانية.
لكن حين وصل هذا المنتج الغربي ذي الطابع السلبي إلى عالمنا الإسلامي والعربي سرعان ما أقبل عليها الضعفاء افتتانًا وشغفا محتفين بها أعظم احتفاء، وسعوا -بكل ما أوتوا من خبث السرائر وموت الضمائر وعمه البصائر- إلى تطبيقها في واقعنا العربي الإسلامي صاحب الكتاب السماوي العالمي بشكل جائر، بعد أن اكتسبت على أيديهم تعريفًا مختلفا مقتصرًا -وفق ما انتابهم من زيغٍ وشطط- على الإلحاد فقط، ولم يلبث الأعراب المُتعلمنين أن اعتبروها ثورة على الدين بكل ما ترتب على ذلك التوصيف السخيف من استخفاف بالشعائر الدينية وانتقاص من شخصيات المُتدينين.
وما كان أحراهم -وقد ضلوا عن سواء السبيل وفتنوا بها متعامين عن الخيرية الدنيوية والأخروية التي يزخر بها محكم التنزيل- بأخذها على علاتها كما أراد لها مبتكروها، وقدموها -لمجتمعهم العربي الإسلامي المتدين- بوصفها: (حرية التديُن وحرية التَّعَلْمُن)، فلو كانوا قد عفوها ممَّا أولوها من مغالاة إلحادية، لحافظوا على ما كان مُتحققًا لها -دون قصد من مُبتدعيها- من مقاربة مع ما أنزل المولى -تبارك وتعالى- في كتابه مثل قوله -جل شأنه-: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) الكهف من الآية: (29)، على اعتبار أن الإنسان -بعد أن بيَّن له ذو الجلال الهدى من الضلال- مخيَّر في سلوك مسلكه الدنيوي الذي سيفضي به إما إلى ثواب أو إلى عقاب أخروي.
نماذج من التجاوز غير الجائز
لقد ضرب المُتعلمنون من الإعراب مثل السوء في مجاوزة الصواب بمحاولتهم فرض القيم العلمانية بكل أنانية، ومن أبرز نماذج ذلك التجاوز غير الجائز:
1- تركيا (الكمالية الأتاتركية): فمن الثابت تاريخيًّا أن الأمر آل في تركيا بعد سقوط حكم السلطنة العثمانية إلى (جماعة الاتحاد والترقي الكمالية الأتاركية العلمانية) التي بلغ بها عداؤها للتدين والمغالاة في التَعَلْمُن منع الجهر بالأذان لأكثر من قرن من الزمان، كما أن حظر حجاب المرأة في مؤسسات الدولة قد تسبب -أواخر القرن الماضي- بإسقاط الجنسية التركية عن مروة قاوقجي التي كانت نائبةً في البرلمان عن حزب الفضيلة قبل أن يستصدر العلمانيون حكمًا بحله.
2- تونس (بو رقيبة) و(ابن علي): فبالرغم من أن الجمهورية التونسية ذات الأصالة العربية حافلة بالكثير من الآثار الإسلامية، فإن تأثر بعض نخبها السياسية بالثقافة الإلحادية التي فرضت إبَّان الحقبة الاستعمارية قد حملها على التَّعلمُن بشكل معلن، حتى لقد حُظر الحجاب في المدارس والمؤسسات الحكومية التونسية قبل أن يحظر في المؤسسات الحكومية الفرنسية، وذلك أمر غني عن التأكيد، وما عهد زين العابدين بن علي عنَّا ببعيد.
3- الإمارات والسعودية بنسختيهما الصهيونية: إن ما بات يفرض في أوساط تلك المجتمعات الإسلامية من القيم المعادية للدين وما يتعرض لهُ من اعتقالات تعسفية متدينو ودعاة ذينك البلدين من قبل أجهزة أمن نظاميهما الحثيثي الخُطا التطبيعية مع الصهاينة لهو تعلمُن مجاوز لكل الحدود ولا يُشابهه أيُّ تعلمُنٍ في الوجود.