السبت 15-12-2018 10:30:40 ص : 7 - ربيع الثاني - 1440 هـ
بلوغ الزندقة السياسية مستويات قياسية
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 3 أسابيع و 3 أيام و 7 ساعات
الأربعاء 21 نوفمبر-تشرين الثاني 2018 03:25 ص

من الأمور البديْهة أن عُلماء الإسلام مجمعون على أنَّ المُتتبِّع للرخص في مُخْتَلَفِ المذاهب على سبيل التشهِّي ودون مُرجحٍ شرعي قد تزندق وزاغ عن طريق الحق، مع أن الباعث على ذلك -في الغالب- هو التكاسُل الذي ينحدر بهمة المتكاسِل إلى الأخذ بالأسهل في ما يَعْرِضُ لَهُ من مسائل.
فإذا كان هذا هو موقف الشرع من مُتتبِّع الرخص في مسائل العبادة التي لن يترتب عليها أيَّ ضرر بأي شخص آخر، فما بالنا بـ(الزندقة السياسية) المتمثلة في كثرة تحوُّل الساسة من اتجاه إلى اتجاه وبتناقص يبعث -في كثير من الأحيان- على الغثيان جريًا وراء ما يحصدونه من مال وجاه، بكل ما يترتب على ذلك التحوُّل من الإضرار بمصالح الأمة ويجلبه عليها من خُطُوب مُدلهِمَّة.
وإذا كانت نظام حكم (على صالح) الذي ربطت بين أركانه شبكة من المصالح قد مثل تربة خصبة لترعرُع هذه الرذيلة المتنافية مع مكارم الأخلاق المؤسسة لمجتمع يسودُهُ النفاق بصورة لا تُطاق، فإنه -بسبب تسخير الوظيفة الحكومية والمال العام- لترسيخ مداميك النظام الفاسد الذي حفل بتأريخٍ طويل من الدسائس والمكائد، فقد كانت الزندقة السياسية تبلغ بأربابها من مختلف القوى أعلى مستوى.
ومن جانب آخر إذا كان ذلك النظام قد اندثر، فما يزال للزندقة العفَّاشيَّة في واقعنا أبلغ الأثر، وما أكثر ما نلحظها في سُلوكيات بعض المُتأثرين به من قيادات حزبه من وقت إلى آخر.
أما اليوم -ونتيجةً للتأثير الكبير للاعبين الدوليين في واقع اليمنيين- فقد بلغت الزندقة السياسية مستويات قياسية، وهي تُمارس -بالنظر إلى قدرات وميولات المتزندقين- بصورتين هما:
الهروب إلى الأمام: وباعثُّه على ذلك حجزُ مكان مع أيِّ كان، وتقتضي هذه الصورة تنصُّل المُتزندق –بسرعة خارقة- عن مواقفه السياسية السابقة التي لا تتطابق -لا من قريب ولا من بعيد- مع مقتضيات الواقع السياسي الجديد، وبذل قُصارى جهده في تغيير جلده، ثمَّ المسارعة إلى تبنِّي موقف الطرف المُسيطر بمبالغة فجّة متجاوزًا أصحاب الموقف أنفسهم، فإذا هو بمبالغته المطلقة البالغة حدَّ الزندقة قد أضَرَّت بهم بصرف انتباههم عمَّا قد يُصاحب أداءهم من أخطاء، وإذا هو -برغم ما يناله منهم من عطاء- قد صار للاختلالات والأخطاء غِطاء، فضلاً عن أنَّهُ يبقى –غالبًا- نارًا تحت رماد، حتى إذا ما وجد مصلحتهُ مع غيرهم نجدهُ قد حاد، وبدأ يسلقهم بألسنةٍ حداد.
مواصلة الاقتحام إلى الأمام: أما هذا الصنف الآخر فباعثه على اعتناق الزندقة حصد المغانم التي اعتاد حصدها بشكل دائم، والمُتزندق -عادة- صاحب جلود متعددة ومتمتع بطاقات تزلفيَّة متجددة، وقدرات على الإقناع كفيلة بتغيير ما قد أُخذ عنه من انطباع، فضلاً عن أنَّ براعته في التملُّق وشطارته في التسلُّق يُبلِّغانه أهدافه الدنيوية بأقصر مُدَّة زمنيَّة.
أما حِدَّةُ نظراتِه ودقةُ ملاحظته فأكثر كفاءة من عين اليعسوب التي تنظر بحذر وانتباه في كلِّ اتجاه، إذ لا يلمح فرصة موصلة إلى مال أو جاه إلاّ وطار إليها على بساط الريح مستحوذًا عليها ولو كانت في سطح المريخ، مُتبرئًا من اتجاهه السياسي السابق ونافِرًا من مبدإِه نفور العبد الآبق، فإذا هو قد غدا جاسوسًا حقيرًا على التنظيم الذي كان في صفِّه مُجرِّدًا لسانه المسموم لذمِّه وقصفه، وهو على الدوام على استعداد تام للتنقُّل من طرف إلى طرف نقيض متخليًّا -وبشكل هادئ- عمَّا كان يحضُّ عليه من احترامٍ للمبادئ.
وهذا الصنف المُتزندِق المُداهن هو الطاغي على واقعنا السياسي الراهن، وهذه الأصناف الرخيصة على قدر من الكثرة إذا ما قورنَتْ بأصحاب المعادن النفيسة مِنَ الرِّجال العقلاء الثابتي الولاء الذي يُقَدِّسون المبادئ ويعيشون بها ولها، ويُضحون بالنفس والنفيس من أجلها، ويعيشون دائمًا وأبدًا حياةً يتطابق فيها سرُّهم مع العلن، فلا يسعني -في معرض إشادتي بثباتهم على المبدأ في وجه عوادي الزمن- إلاَّ أن أنشد فيهم قائلاً:

نَفْسِي الْفِدَاءُ لِكُلِّ شَخْصٍ لَمْ يَزَلْ    طُوْلَ الْمَدَى مُتَمَتْرِسًا فِيْ خَنْدَقِه
لَمْ يَنْجَرِفْ شَغَفًا بِمَالٍ زَائِلٍ كَلاَّ،    وَلَمْ يُرْهِبْهُ شَاهِرُ بُنْدُقِه
يَحْيَا وَفِيًّا لِلْمَبَادِئ غَيْرَ مُكْـ         تَرِثٍ بِمَنْ ضَحَّى بِهَا بِـ(تَزَنْدُقِه)

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
مجازر العدوان .. ومشاورات السويد
توفيق الشرعبي
مقالات
كاتب/احمد ناصر الشريفرهانات تحالف العدوان الخاسرة !!
كاتب/احمد ناصر الشريف
كلمة 26 سبتمبر: محرر البشرية
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
مشاهدة المزيد