الخميس 15-11-2018 11:33:19 ص : 7 - ربيع الأول - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة:خارطة طريق يمنية للقرن الإفريقي والبحر الأحمر
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 10 أشهر و 11 يوماً
السبت 01 يناير-كانون الثاني 2005 05:37 م
يقول نابيلون بونابرت في مكان ما من مذكراته إن سياسات الدول الخارجية محكومة بجغرافيتها.هذا القول ما زال صحيحاً حتى يومنا هذا على الرغم من تراجع أهمية الجغرافية تحت تأثير ثورة الاتصالات والمواصلات.فالثورة المذكورة يمكن أن تقرب المسافات وتكثف الاتصالات لكنها لا تلغي الجوار الجغرافي الذي يظل قائماً إلى أبد الآبدين ويظل خليقاً بالأولوية في سياسات الدول الخارجية.لذا نجد أن الاتحاد الأوروبي هو أولوية بالنسبة لدوله العظمى منها والأقل عظمة. ونجد أن أميركا الشمالية تتأثر بما يدور في أميركا الجنوبية والوسطي، وبالتالي تعطي أولوية لجوارها وتعتبره حاسماً في مصيرها على الرغم من عظمة الولايات المتحدة وطموحها الدائم للسيطرة على جغرافيا العالم بأسره. ونجد أيضا روسيا تشعر بالاختناق كلما اشتد الضغط الخارجي على محيطها الجغرافي المباشر فتغدو انتخابات جورجيا أو أوكرانيا رهاناً استراتيجياً بالنسبة إليها على الرغم من تواضع دور البلدين على الساحة الدولية.ولا يبدو من باب العبث أن يبني جمال عبد الناصر سياسته الخارجية وفق نظرية الدوائر الثلاث «العربية والأفريقية» والعالمثالثية انطلاقاً من المعطى الجغرافي.
هكذا تعطي كل شعوب الأرض الأولوية للجغرافية في سياسات دولها الخارجية إلا الحكومات العربية التي تعمل ضد الجغرافية وضد التاريخ، وتتصرف بطريقة عبثية فتعطي الأولوية للأجنبي البعيد على حساب الجيران وذوي القربى، ولعله من المنطقي أن تقود هذه السياسة العمياء إلى ما نحن فيه من انحدار و توتر وحروب وتكاره ومؤامرات على مدار الساعة.
أدخل من هذا الباب للحديث عن «تجمع صنعاء» الذي لم تحمله الدول العربية على محمل الجد عند نشوئه قبل عامين واعتبره بعض المعارضين مؤامرة خارجية ستكون قصيرة العمر والنظر، واعتبره البعض الثالث محاولة تكتيكية ثانوية لعزل اريتريا عن محيطها. فإذا به يثبت انه وجد ليبقى، وإنه ليس مكرساً لمصالح غيره، وإنه ليس موجهاً ضد اريتريا التي دعيت مع جيبوتي والصومال إلى الانضمام إليه وهو ما يأمله الرئيس علي عبد الله صالح في قمة التجمع المقبلة في صنعاءأواخر العام الوافد.
في قمة الخرطوم برهن تجمع صنعاء انه لا يستجيب فقط لمنطق الجغرافية القاهر عندما دعا الدول المذكورة للانضمام إلى عضويته، وهي كلها تعاني من صعوبات ومشاكل من كل نوع، وإنما أيضا يتمتع بجاذبية وتشجيع دولي.ففي هذا التجمع تلتقي حاجة الاستقرار التي تميز كل شعوب جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي مع حاجة الاستقرار الحاسمة التي تتطلع إليها كل دول العالم التي تعبر سلعها -من بينها النفط- مياه جنوب البحر الأحمر وبصورة خاصة الدول الكبرى التي تحتفظ بمصالح اقتصادية ضخمة في هذه المنطقة أو عبرها.
وفي قمة الخرطوم اعتبر قادة تجمع صنعاء إن التلاقي بين حاجات الدول المشاطئة، وحاجات الدول الكبرى وغيرها لا يكفي وحده لكي تجري رياح التجمع بما تشتهي السفن بل لابد من قيادة سفينة التجمع بما يتناسب مع اتجاه الرياح والمناخات الحالية.فإلى أين تتجه هذه الرياح، وما حالة المناخات الراهنة في المنطقة؟
بداية لابد من القول إن الحروب التي تضرب المنطقة لم تعد عصية على الحل. فمن جهة السودان سيوقع اتفاق الجنوب في العاشر من الشهر الجاري وسيفقد النزاع الاريتري السوداني احد أهم أوراقه. من جهة ثانية وافقت إثيوبيا على الحل الأممي لمشاكلها الحدودية مع اريتريا بواسطة الحوار والمفاوضات، ومن جهة ثالثة جاءت زيارة الرئيس افورقي إلى صنعاء لتضع حداً لجفاء صامت منذ نزاع الجزر. إن هذه الخطوات الثلاث من شأنها أن تبدد المخاوف الاريترية من تجمع صنعاء تمهيداً لبحث الدخول في عضويته.
من جهة ثانية تبدو العقبة الأصعب أمام التجمع ماثلة في الحرب الأهلية الصومالية الممتدة من العام 1991 لكن انضمام الصومال إلى عضوية التجمع يمكن أن تفتح فرصة جدية أمام هذه البلد لاستعادة وحدته واستقراره لان حاجته إلى الاستقرار باتت حاجة إقليمية من جهة، ويمكن أن تصبح حاجة دولية من جهة أخرى إذا ما استطاعت الحكومة الصومالية الجديدة أن تستفيد من دعم أعضاء التجمع والمرشحين لعضويته في تقديم خطة داخلية للمصالحة الوطنية تشعر معها فصائل الصراع الصومالي أنها تربح مع المصالحة وتخسر مع الانفصال، والفوضى، وإن الدعم الخارجي الذي تتلقاه من دول المحيط بات مهددا بالزوال إذا ما استمرت في حمل السلاح وتمزيق بلادها.
لقد فقدت الحرب الأهلية الصومالية احد أهم مبرراتها مع انهيار الحرب الباردة وستفقد مع توسيع تجمع صنعاء فضاءها الإقليمي المناسب، وستكون مبرراتها الداخلية اقرب إلى المصالحة منها إلى استمرار الحرب إذا ما تلاقت جهود صومالية وإقليمية ودولية على طريق وضع حد للحرب. يبقى أن يبتكر الرئيس الصومالي عبد الله يوسف خارطة طريق صومالية ملائمة تغري الصوماليين بإلقاء السلاح جانباً والمباشرة بإعادة الأعمار.
أما جيبوتي التي عانت من نزاعات دول الجوار وامتداداتها إلى داخل أراضيها فإنها لن تتردد في الانتماء إلى تجمع إقليمي يحيطها من كل جانب ويحمل وعوداً مستقبلية بالاستقرار والأمن والتنمية.. ناهيك عن حاجة الأصدقاء الدوليين لهذا البلد إلى أن يعم الاستقرار فيه وفي محيطه.
ثمة من يقول إن نجاح تجمع صنعاء رهن بقدرته على انهاء النزاعات الأهلية والحدودية داخل أعضائه الفاعلين والمرشحين وبين بعضهم البعض وان هذه المهمة لن تكون سهلة.هذا القول صحيح تماماً لكن هل لدى هذه الدول خيار آخر غير حل نزاعاتها إذا ما أرادت البقاء على قيد الحياة؟ لعل هذا السؤال هو الذي طرحه على نفسه وعلى الآخرين الرئيس علي عبد الله صالح عندما دعا إلى تأسيس التجمع أواخر العام 2002، ولعل رهانه على نجاح هذه التجربة يزداد عاماً بعد عام خصوصاً انه يعتمد في التعامل مع هذه القضية منهجه الناجح والمجرب في حل النزاعات الطويلة الأمد التي ضربت بلاده وتوحيد أراضيها والدفاع حتى الموت عن هذه الوحدة.
في تجمع صنعاء برهن اليمن مرة أخرى إن استقراره الذي تم عبر خارطة طريق يمنية ناجحة يمكن أن ينقل العدوى الايجابية إلى محيطه عبر خارطة مماثلة.يبقى من الضروري أن يبرهن القادة اليمنيون إن رهانهم على مبادرتهم الإقليمية محصن بما يكفي لردع هواة الصيد في الماء العكر في الداخل والخارج على حد سواء، فالرهان كبير والمتضررون كثر، وهؤلاء يحبون العمل في الظلام الدامس و يتجولون خلف الكواليس حاملين أطباقاً تحتوي على سم قاتل في دسم شهي.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كلمة 26 سبتمبر: الحديدة غراد
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
اللواء / علي محمد الكحلاني
وهج:اليمن.. عصية على العدوان
اللواء / علي محمد الكحلاني
مقالات
كلمة  26 سبتمبرالأمن الإقليمي !
كلمة 26 سبتمبر
كاتب صحفي/يحيى عبدالرقيب الجبيحيملتقى الجامعات اليمنية - السعودية
كاتب صحفي/يحيى عبدالرقيب الجبيحي
مشاهدة المزيد