الأربعاء 14-11-2018 17:15:05 م : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
رسالة مفتوحة للأخ محمود عباس (أبومازن): قبل أن يقـع الفأس في الـرأس
بقلم/ دكتور/نوح عبدالسلام:
نشر منذ: 13 سنة و 10 أشهر و 11 يوماً
السبت 01 يناير-كانون الثاني 2005 05:36 م
< الدافع الرئيسي لكتابة هذه الرسالة الخوف الشديد على الوحدة الوطنية الفلسطينية والتخوف من الضرر العام الذي سيلحق بمجمل القضية الوطنية الفلسطينية إذا ماتحولت بعض الشعارات التي ينادي الأخ أبومازن بتطبيقها والتي تشكل -كما أكد اكثر من مرة- بأنها تمثل قناعات لديه الى سياسة رسمية فلسطينية إذا نجح الأخ أبومازن في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية في الشهر القادم إضافة الى بعض الممارسات التي قام بها والتي برأينا ألحقت اهانة بالشعب الفلسطيني، وبقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبمواقف شهيد فلسطين والأمة القائد الرمز ياسر عرفات.
وحتى نوضح مانشير اليه سنتناول هذه المسائل بنقاط محددة حتى لانقع في خطأ التعميم الذي لايوصل على استنتاجات محددة.
أولاً : التركيز الشديد على ضرورة انهاء عسكرة الانتفاضة حيث مثل هذا المطلب قاسماً مشتركاً في كل المقابلات والتصريحات التي أدلى بها الاخ أبومازن، منذ توليه رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وترشيحه للرئاسة الفلسطينية.
وقبل أن نتناول جوهر الخطورة التي يمثلها هذا المطلب نجيب على كل من يتساءل عما هو الجديد في هذه المطالب، فأبو مازن يطالب به منذ بداية الانتفاضة وأكد عليه حين تولى منصب رئيس الحكومة الفلسطينية. ان الجديد والخطير في هذا الأمر بأن أبومازن حين اطلق هذه التصريحات لم يكن على رأس الهرم السياسي في منظمة التحرير الفلسطينية في السلطة الوطنية الفلسطينية وبالتالي لم يكن هناك خطر داهم من أن تتحول قناعات أبومازن الى سياسة رسمية فلسطينية تمارس فعلياً على أرض الواقع.
أما من ناحية الجوهر فإن انهاء عسكرة الانتفاضة كلمة وشعار غير محدد الملامح والحدود وذلك هرباً من استخدام التعبير الصحيح لها والذي يعني إنهاء المقاومة المسلحة حيث لم يشر أبومازن ولا مرة واحدة بأنه يريد من تحقيق هذه المطالب «انهاء عسكرة الانتفاضة» عدم التعرض للمدنيين الاسرائيليين أو عدم مهاجمة اهداف مدنية او عسكرية اسرائيلية داخل الخط الاخضر وحين يبرر مطلبه هذا يقول بأن عسكرة الانتفاضة واستخدام السلاح وانتهاج المقاومة المسلحة يلحق ضرراً بالشعب الفلسطيني وبالقضية الفلسطينية.. ان هذا التبرير الذي يقدمه لنا الاخ أبومازن لاينطبق أي توصيف عليه سوى أنه «عذر أقبح من ذنب» فهذا التبرير يأتي والشعب الفلسطيني يعيش عشية الذكرى الاربعين لانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة التي أطلقتها وقادتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» الذي ينتمي لها الاخ أبومازن وأحد قيادييها المؤسسين، وبهذا المعنى الذي ذهب اليه أبومازن نكون نحن الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية وجميع الفصائل الوطنية والاسلامية وفي مقدمتها حركة التحرير الوطني الفلسطينية «فتح» نمارس مقاومة وعلى مدار أربعين عاماً تحلق الضرر والأذى بالشعب الفلسطيني وبالقضية الوطنية الفلسطينية.. وأمام هذا المنطق لانملك إلاّ ان نقول : «اللهم لانسألك رد القضاء بل اللطف فيه».
ومن ناحية أخرى يتجاهل الاخ أبومازن حقيقة ومبدأ أكدته كل حركات التحرير الوطنية على الصعيد العالمي وكل الشعوب التي ناضلت وحازت على استقلالها مفادها بأن شكل النضال من أجل التحرر لايتم وفق ارادة هذا الشخص او ذاك او وفق رغبة هذا الحزب او هذا التنظيم لأن شكل النضال واسلوبه تمليه ظروف موضوعية عامة يعيشها كلا الطرفين المتحاربين في ظروف داخلية وخارجية محددة.. وإذا كان الاخ أبومازن يحتج بطلبه هذا بالانتفاضة الشعبية الكبرى التي انطلقت في ديسمبر 1988م فإن هذه الحجة مردود عليها لأن هذه الانتفاضة العظيمة لم تكن سلمية بل شعبية والفرق هنا واضح وان هذه الانتفاضة الشعبية بطابعها العام مارست العنف المسلح وفق ظروفها وإلاّ كيف يفسر تشكيل صقور فتح والنسر الأحمر وكتائب القسام... الخ.. كأجنحة عسكرية للفصائل الفلسطينية وإذا كان هذا الكلام لايقنعه نحيله الى ارشيف التنظيمات الفلسطينية وارشيف جيش الاحتلال الاسرائيلي ليطلع على عدد العمليات العسكرية التي نفذت ضد جيش الاحتلال وضد قطعان المستوطنين أيام الانتفاضة الاولى.
ولابد هنا ان نؤكد بأن هذا المطلب لايمكن ان يدخل في إطار التكتيك لفضح حقيقة المخطط الصهيوني وتجاوباً مع هذا المنطق المغلوط نقول حسناً وبعد ان نفضح الموقف الصهيوني هل يحق لنا اتباع المقاومة المسلحة مرة اخرى بعد ان وصفناها ارهاباً ومضرة بالشعب الفلسطيني وإذا كان هناك من تكتيك فإنا نراه تكتيكاً على الشعب الفلسطيني كي يضحك على ذقوننا لتمرير هذه القناعات الخطيرة والضارة.. لأن حقيقة موقف الاخ أبومازن بأنه فقط مع المفاوضات والمفاوضات فقط دون حتى اللجوء لانتفاضة سلمية او شعبية وهذا ماصرح به لاحدى القنوات الفضائية اللبنانية حين سألته المذيعة على ماذا ستعتمد إذا ما أنهيت عسكرة الانتفاضة، كان جوابه ليس أمامنا إلاّ التفاوض حتى نقنعهم بحقوقنا المشروعة.. إن هذا الموقف يعبر عن فهم تبشيري للعمل السياسي والنضالي التحريري، فأبو مازن يريد ان يطبق علينا وعلى نضالنا التحرري مقولة السيد المسيح عليه السلام «إذا ضربك عدوك على خدك الأيمن  فأدر له الأيسر» وهو في نفس الوقت يقدم فهماً معكوساً للتفاوض الذي ينطلق من مبدأ خذ وفاوض ليعكسه ويصبح أعط ثم أعط وبعد ذلك طالب وإن التفاوض في حقيقة الأمر يأتي ليحصد ماحققته المقاومة من حقائق على أرض الواقع ومايثير الاستغراب في هذا المشهد الغرائبي فكلما توغل شارون في تنكره للحقوق الوطنية الفلسطينية إلى درجة أنه أصبح يرسمها ويحددها لنا كلما هبط أبومازن بسقف خطابه السياسي ليصبح موقفاً مائعاً دون ملامح.
وفي سياق المنطق المعكوس الذي يمارسه الاخ أبومازن نراه يعكس علاقة المرشح بالناخبين ففي العادة يقدم المرشح برنامجاً يوضح ما سوف يحققه للناخبين، أما أبومازن يقدم مطالب للناخبين.. وفي آخر الأمر بالنسبة لهذه النقطة كنت أتمنى ان يركز أبومازن على ضرورة هدم جدار الضم والفصل العنصري قبل البدء في تنفيذ خارطة الطريق كونه يتعارض مع الشرعية الدولية وفق قرار محكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
وأخيراً نسأل الاخ أبومازن هل ماتصرح به وتطالب بتنفيذه هو برنامجك الشخصي أم برنامج حركة التحرر الوطني الفلسطيني «فتح» مع أننا نعرف الاجابة سلفاً بأنه برنامجك الشخصي الذي لايعبر عن كامل برنامج حركة فتح ولو كان ذلك لماذا لم تحل «فتح» كتائب الاقصى ذات الفعل العسكري البطولي المميز.
ثانياً : بصدد ما أقدم عليه الاخ أبومازن في جولته العربية الأخيرة :
< لقد استبشرنا خيراً حين بدأ أبومازن جولته العربية بزيارة كلاً من سوريا ولبنان في محاولة لرأب الصدع في المواقف السياسية مع هذه الدول الشقيقة من أجل تنسيق المواقف في المعركة السياسية التي نعيشها جميعاً معاً ومن أجل التخفيف من حدة الوضع المأساوي الظالم الذي يعيشه اشقاؤنا الفلسطينيون في لبنان من خلال قوانين لبنان الظالمة وغير الانسانية تمارس بحجة منع توطين الفلسطينيين في لبنان، إلاّ ان هذا الاستبشار والتفاؤل سرعان مامني بنكسة حين شعرنا بالاهانة وأنت تقدم الاعتذار لدولة الكويت با سم منظمة التحرير الفلسطينية، ان الشعور بالمهانة هذا لم يأت من خلال الاعتذار بحد ذاته حيث لابد للمخطئ ان يعتذر عما بدر منه.. أما الاهانة والمهانة تأتي حين يقدم من لم يخطئ اعتذاراً لمن أخطأ.. فمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائل الشعب الفلسطيني لم تقترف أي خطأ تجاه دولة الكويت ونتحدى أي انسان في هذا العالم ان يأتي بتصريح او تعميم او وثيقة علنية كانت أم سرية صادرة عن منظمة التحرير الفلسطينية تؤيد او تدعم تلميحاً كان او تصريحاً اجتياح العراق وغزوه لدولة الكويت.. كما ان الراحل الكبير الشهيد ابو عمار فعل المستحيل مع قادة عرب آخرين وأبرزهم فخامة الاخ علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية اليمنية من أجل ايجاد حل عربي يضمن انسحاب العراق من الكويت ويضمن استقلال هذه الدولة والحيلولة دون حل عسكري يجلب كل جيوش وأساطيل العالم لهذه المنطقة وفي المقابل مارست الكويت حكومة ونواباً وصحافة واحزاباً بجميع تياراتها كل صنوف العداء تجاه منظمة التحرير الفلسطينية وتجاه الشعب الفلسطيني وتجاه الراحل الكبير الشهيد ابوعمار وتجاه عشرات الألوف من اشقائنا الفلسطينيين الذين افنوا زهرة أعمارهم في خدمة وبناء هذه الدولة حيث نكل بالمئات منهم سجناً وقتلاً وتبديداً لما جنوه طيلة أعمارهم في خدمة هذه الدولة والارتقاء بوضعها ولابد ان نذكر الاخ أبومازن بأن حقدهم على قائدنا ورمز نضالنا الشهيد أبو عمار استمر حتى بعد وفاته حين قدم اعضاء في مجلس الأمة الكويتي استجواباً لوزير الاعلام لأن التلفزيون الكويتي بث فيلماً تسجيلياً عن ابو عمار ومنظمة التحرير عقب اعلان الوفاة كان به من السم اكثر بكثير مما به من العسل ولانجد تفسيراً لهذه المهانة التي لحقت بنا سوى المنطق المعكوس الذي ينتهجه أبومازن.
أما ما أثار استغرابنا الشديد بأن جولة الاخ أبومازن التي شملت غالبية دول الخليج اضافة الى سوريا ولبنان والاردن لم تشمل الجمهورية اليمنية هذا البلد بقيادته السياسية وحكومته وشعبه أثبت على مدار سنين طويلة بأنه الشقيق والصديق الوفي لشعبنا الفلسطيني والذي جعل من مناصرة ودعم وتأييد القضية الفلسطينية همه السياسي الأول على الصعيد القومي وقد مثل فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية اليمنية مثلاً يحتذى به بين القادة العرب في دعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني كما مثل اليمن مأوى لكل فلسطيني تقطعت به السبل ورفضته الدول العربية وهي الدولة العربية الوحيدة التي اصدرت وثائق خاصة بالفلسطينيين ممن حرمتهم الظروف امتلاك اثبات شخصية له ولعائلته من بين الدول العربية غير المضيفة للاجئين الفلسطينيين وفق تصنيف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.. ولا نريد هنا تعداد مايقدمه هذا البلد للشعب الفلسطيني حتى لانفهم على غير مانقصد ايضاحه ألا وهو تبيان المنهج المعكوس الذي يمارسه الاخ أبومازن معكوساً مع منهج الشهيد ابوعمار الذي كان مدرسة في تجميع كافة عناصر القوة وحشدها وتوظيفها لصالح القضية أما الاخ أبومازن يحاول ان يصالح بعض من عادونا حتى لو كان الصلح هذا يلحق المهانة بنا جميعاً ولايلتفت لأقرب الاصدقاء والاشقاء لنا.
وأخيراً أليس من الأصح والأجدى ان تكون الدعاية الانتخابية لأبومازن داخل الوطن الفلسطيني وليس عبر الفضائيات العربية.. مازلت أتمنى ان أرى أبومازن يقوم بدعايته الانتخابية في مخيم رفح ومخيم خان يونس ومخيم جنين وفي حي القصبة وفي نابلس ومخيم نورشمس في طولكرم لأن هناك القضية وهناك الخيار.. ومازلت أخشى ان يكون كل ماسبق بداية لانقلاب على نهج استطاع ان يحافظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية وان يسير بالقضية الفلسطينية وسط أعتى الأمواج والعواصف قدماً نحو الهدف، منهج الشهيد القائد الرمز أبوعمار وهنا يقع الفأس في الرأس.
مشاهدة المزيد