الجمعة 20 أكتوبر-تشرين الأول 2017
  بحث متقدم
محمد عايش
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مقالات
RSS Feed محمد عايش
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
القائد العشريني الذي مرغ أنف الجيوش في صحراء ميدي
بقلم/ محمد عايش
نشر منذ: 3 أشهر و 4 أيام
السبت 15 يوليو-تموز 2017 10:09 م

بين عامي 97 و98، تعرفت إلى طفل ذكي وهادئ، وصامتٍ في الغالب طيلة استماعه لثرثرات مقيلنا، أنا وأشقائه الأكبر، في ديوان منزلهم العامر في إحدى القرى اليمنية.

ستتفرق السبل، بيني وأشقائه/ أصدقائي، وستأخذ الدنيا كلاً منا في وادٍ، كما هي عادة الأيام والسنين.

***

قبل أشهرٍ، كنت بالقرب من “ميدي”، التقيت بعقيل الشامي، القائد العسكري المحنك الذي ينجز منذ أزيد من سنتين ملحمة يمنية خالدة، في الدفاع عن حدود اليمن الشمالية الغربية.

لم أكن أعرفه، كنت أسمع به كسائر الناس، وهذه هي المرة الأولى التي أقابله فيها.

شاب في العشرينات من عمره، حاد الذكاء دمث الأخلاق، هادئ متواضع، وعليك أن تبذل جهداً لكي تنتزع منه جملة أو اثنتين عن بطولات جبهته. إنه لا يحتفل بالبطولات الخاصة ولا يحتفي بالثناء، وينهمك أكثر في الحديث عن عظمة جنوده وعن ما ينبغي على الناس أن يفعلوه لدعم المعركة.

وهذا جعلني أتعمد أن أكون، في أسئلتي، رزيناً أكثر منه رغم أني جئته محمولاً على جناحٓيْ الإعجاب والدهشة بصموده الأسطوري في وجه أعتى قوة عسكرية إقليمية، وأعتى محاولات اجتياح تتعرض لها أراض يمنية على الإطلاق (الاجتياحات العثمانية والبرتغالية والبريطانية تبدو متواضعة قياساً بهذه المحاولات).

ستنتهي هذه الحرب كيفما انتهت، ولن تنتهي، طوال التاريخ، حقيقة أن هذا الشاب اليمني العشريني، أهدر كرامة جيشين اثنين: السعودي والسوداني. ومرغ في صحراء ميدي أنف ثلاثٍ من أعتى القوات الجوية في العالم والمنطقة: الأمريكية و السعودية والإماراتية.

35 مقاتلاً من جنوده اقتحموا منطقة الحثيرة السعودية الحدودية خلال ثلاث ساعات. فيما عجزت السعودية، بجيشها أولاً، ثم بجيش من المرتزقة اليمنيين ثانياً، ثم بمجاميع دينية لا شبيه لها إلا داعش ثالثاً، ثم بالجيش السوداني رابعاً؛ عن اجتياح حتى ثلاثة كيلومترات في حرض وميدي، وطوال سنتين وثلاثة أشهر.

هل هذه مبالغات؟؟

هل كانت السعودية تبالغ إذاً وهي تتحدث عن معارك “تحرير” حرض وميدي منذ بداية “العاصفة”؟!

قبل أن تبالغوا في استغراب معجزات هؤلاء اليمنيين المدفوعين في بسالتهم بعدالة القضية وبفداحة الشعور بالظلم؛ سلوا السعودية، أين هو هذا “التحرير”، وأين وصلت هذه المعارك؟!

أو وتخفيفاً للإحراج، سلوها أين وصلت معارك تحرير “الحثيرة” التي تحتاج لتحرير فعلاً، وقد ذهبت كل معارك تحريرها نفس أدراج الرياح التي ذهبت فيها محاولات احتلال حرض وميدي.

***

بواسطة أحدث طيران، وبأحدث الأسلحة؛ احرقت السعودية الحجر والشجر في حرض وميدي وأحالتهما إلى مدن وقرى ميتة، ومناطق غير مأهولة، مرتكبة أبشع جرائم الحرب الجماعية، كي يتسنى لها لاحقاً الاجتياح. وحين حاولت المرة الأولى صدمت بما ستُصدم به محاولتها للمرة الألف: صدمت بجدارٍ يمني عازل، وشديد البأس، قوامه مقاتلين

معظمهم في عمرٍ أصغر من عمر قائدهم العشريني، وبأسلحة تكاد تجعل منهم عُزّلاً قياساً بسلاح خصمهم، وفِي أرض تشن عليك طبيعتها الصحراوية الجافة حرباً أقسى من حرب خصمك.

مقاتلين يكمنون لعدوهم تحت شوك الصحراء كالأفاعي المرقطة، حتى إذا اقترب العدو أذاقوه سماً وأعادوه جثماناً.

وطوال الوقت لا ينفك طيران الأواكس الاستطلاعي، والطيران الحربي بأنواعه، في ساعات المعارك أو خارجها؛ يحلق فوق رؤوس هؤلاء المقاتلين مترصداً كل حركة وكل سكون عسى ينال ولو من فرد منهم، حيث المقاتل الفرد هنا (وفِي باقي الجبهات) تُشن عليه غارة جوية بل وغارات جوية كاملة، وهو مالم يحدث في كل الحروب التي يعرفها الناس.

لو لم نرٓ، ولو لم نعش، لما صدقنا.

جبهة ميدي تعيد كتابة تاريخ كامل من العلاقات بيننا وبين جارنا المؤذي، المتغطرس، والمستعين علينا دوماً، بأكبر ثروة، وأكبر ترسانة نفاق دولي.

***

هل تتذكرون الطفل في بداية المقال؟؟

في منتصف حديثي مع عقيل الشامي تعرفت عليه وتعرف علي: لقد كان هو ذلك الطفل الذكي والهادئ. ولقد كانت دهشتي كبيرة، ليس لأن العالم صغير ومصير الحي يتلاقى كما يقال، بل لأن من يصنع هذه الملحمة اليمنية الخالدة، ومن يقف في أساس هذا الجدار اليمني الأسطوري، هو في هذا الحد من صغر العمر.

ومثله مقاتلوه، وسائر زملائه في جبهات الحدود الأخرى.

هنا يمنٌ فتيٌ.. صاعدٌ.. لايتوق لشيء كما يتوق لوطن مستقل، أو الموت.. على الحدود.

هذا هو المهم.. وهذا هو كل شيء بالنسبة لي كيمني، ولتذهب الانقسامات السياسية إلى الجحيم.


تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع صحيفة 26سبتمبر نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
سياسي/ عبد الله علي الصبري
محنة الجنوب المحتل !
سياسي/ عبد الله علي الصبري
مقالات
كاتب/احمد ناصر الشريف
التآمر على اليمن.. اكتملت حلقته
كاتب/احمد ناصر الشريف
عميد/يحيى محمد المهدي
15 عاماً.. من الصرخة ضد البغاة والظالمين والصهاينة
عميد/يحيى محمد المهدي
عبد الغني العزي
نجاح دائرة التوجية كابوس للمرجفين
عبد الغني العزي
عميد/يحيى محمد المهدي
نحن في عمق كل مدينة يمنية
عميد/يحيى محمد المهدي
كاتب/احمد ناصر الشريف
اليمن في مواجهة أقوى دول العالم
كاتب/احمد ناصر الشريف
اللواء/علي الكحلاني
حكمة العاشر من رمضان
اللواء/علي الكحلاني
المزيد
جميع الحقوق محفوظة © 2012-2017 صحيفة 26سبتمبر
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.056 ثانية
أعلى الصفحة