الثلاثاء 25-09-2018 04:40:54 ص : 15 - محرم - 1440 هـ
اللواء محمد علي القاسمي فقيد وطن.. وخسارة شعب وجيش
بقلم/ اللواء الركن/علي محمد صلاح
نشر منذ: سنة و 7 أشهر و 27 يوماً
الخميس 26 يناير-كانون الثاني 2017 08:25 م
إذا كان لكل أمة عظمائها، ولكل شعب رموزه من خيرة أبنائه يصنعون التاريخ الذي يجسد في مضامينه ذاكرة الشعوب والأمم، وإذا ما كان لكل جيش من جيوش العالم قادة مخلصون وبارزون جربتهم ميادين العزة والكرامة ومواقع الشرف والبطولة وساحات الفداء، وصقلت مواهبهم ومهاراتهم وخبراتهم مراحل ومنعطفات عصيبة من الكفاح والنضال في سبيل تأدية الواجبات والمهام الوطنية وتحقيق الغايات والأهداف الاستراتيجية العسكرية لتبقى شاهدة على مر السنين كعامل متجدد لا يمكن طمسه أو نسيانه، فإن فقيد الوطن الكبير رفيق دربي اللواء الركن/ محمد علي القاسمي رئيس هيئة الأركان العامة تغمده الله بواسع رحمته، قد جمع خلال مسيرته العملية الحافلة بالإنجازات بين النضال الوطني على مختلف الأصعدة العسكرية والاجتماعية والسياسية.. مُسخراً كل طاقته ونشاطه في سبيل النهوض بالوطن وتطوير وتعزيز قدراته الدفاعية وبما يواكب متطلبات وطبيعة المهام ومقتضاياتها وفق رؤية مستوعبة لمحدداتها الزمنية والمكانية، ومضامينها وأبعادها المستقبلية وبما يصب في خدمة المصالح العليا لليمن.
لقد عشنا وتعايشنا مع الفقيد الراحل اللواء الركن محمد علي القاسمي عقوداً من زمن النضال والكفاح الوطني، وفي مسارات متعددة الجوانب لكنها موحدة الأهداف والغايات النبيلة التي كانت وستبقى في مقدمة قضايا وهموم كل اليمنيين الشرفاء المخلصين لشعبهم، ووطنهم وجيشهم ومستقبل أجيال أمتهم.
وفي هذا السياق نحن بصدد قراءة الصفات والسجايا الإنسانية والأخلاقية والقتالية والعسكرية لشخصية الفقيد اللواء القاسمي والصفات الحميدة التي كان يتحلى بها، والتي لا حصر لها، وهو غني عن التعريف.. ويحظى باحترام وتقدير الجميع دون استثناء، ولكني فقط أدلي هنا بشهادتي للتاريخ عن بعض الجوانب العملية والنجاحات التي سعى الفقيد والى جانبه الكثير من منتسبي القوات المسلحة المخلصين الى تحقيقها لتشكل عملية إنجازها عاملاً هاماً في مسارات تحديث وتطوير القوات المسلحة وإعادة بنائها وفقاً لأسس وطنية وعلمية وحديثة تقوم على مرتكزات البناء التخصصي النوعي وبما يواكب متطلبات معركة الأسلحة المشتركة وتقنيات العلوم العسكرية العصرية، وفي هذا المضمار كانت الاتصالات العسكرية أو كما كان يسمى بسلاح الإشارة في القوات المسلحة يعاني الكثير من الصعوبات بسبب عدم توفر الأجهزة الحديثة وأوكلت القيادة العسكرية العليا آنذاك مهمة تحديث وتطوير منظومة الاتصالات الى فقيد الوطن القاسمي الذي بذل جهوداً كبيرة ومخلصة لازالت ثمارها جلية وواضحة حتى اليوم في هذا الجانب الذي يمثل شرياناً حيوياً في جسد تشكيلات وصنوف القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية.. ونتيجة لهذا النجاح المحقق على صعيد الواقع العملي الذي كان يمضي بالتزامن مع مجمل مسارات النهوض بقدرات المؤسسة الوطنية الدفاعية كانت المهمة التالية المسندة للفقيد رحمه الله الانتقال الى جوانب التأمين الفني للقوات المسلحة الذي كان هو الآخر بحاجة شديدة الى تحديث وتطوير نظراً لما يمثله من أهمية قصوى في الحفاظ على جهوزية الآليات والمعدات العسكرية والأسلحة وصيانتها من خلال الورش الفنية المركزية وتوفير قطع الغيار اللازمة التي كانت تكلف خزينة الدولة مبالغ كبيرة من العملة الصعبة، وفي هذا الاتجاه سخر الفقيد اللواء الركن محمد علي القاسمي كل جهوده لإنشاء الورش الفنية المركزية ورفد وحدات القوات المسلحة بالكوادر الفنية التخصصية، وبدأت عجلة العمل والإنتاج بخطوات مدروسة وفقاً للإمكانات المتاحة تأتي ثمارها، وأخذت هذه العملية في التوسع بمجالات التصنيع الحربي وتوفير قطع الغيار للأسلحة والآليات العسكرية.. كما تم تطوير ألوية النقل العسكرية لتسهم بدور فاعل في تلبية احتياجات القوات المسلحة في هذا المنحى، وفي هذا المسار ابتكر اللواء القاسمي العديد من الأساليب الإدارية والبرامج العملية التي كان يجري تنفيذها من قبل الكوادر المتخصصة بروح معنوية عالية في ظل ذلك الاهتمام الذي كان يوليه الفقيد بعملية التأهيل والتدريب لمنتسبي الجانب الفني ورعايته المعيشية لهم، وهو الأمر الذي جعل من تلك الخطط والبرامج المرسومة تتحول الى إنجازات يتم تحسينها الى الأفضل من وقت الى آخر.
لقد كان الفقيد مشهوداً له بين صفوف منتسبي القوات المسلحة بالتواضع والبساطة والحزم معاً، وهذا ما جعله محل احترام وتقدير الجميع، وبهكذا مسلك قيادي استطاع ان يحقق نجاحات نوعية متميزة في أهم الجوانب العسكرية، وهي الجوانب الفنية التي تمثل الركيزة الأساسية للجاهزية القتالية للقوات المسلحة.
إن عملية انتقال الفقيد القاسمي لتحمل مسؤولية رئاسة هيئة الأركان العامة اقتضتها موجبات وطنية آنذاك وكان رحمه الله عند ذلك المستوى الرفيع من الكفاءة والإخلاص والاقتدار في قيادة القوات المسلحة.. جاعلاً من خلال موقعه القيادي العسكري الكبير مصالح الوطن العليا القاسم المشترك مع محيطه السياسي والاجتماعي.. باذلاً جهوداً عملية مضاعفة تتواءم وحجم مسؤولياته القيادية في رئاسة هيئة الأركان العامة.. مذللاً الصعوبات أمام القوات المسلحة سواءً في جوانب التدريب والتأهيل وتنفيذ الخطط والبرامج السنوية، أو على مستوى تحسين الأوضاع المعيشية للمقاتلين وتأمين متطلباتهم وتلمس همومهم وقضاياهم والإسهام بقدر الإمكان بمساعدة المحتاجين والمستحقين من منتسبي المؤسسة الدفاعية.. لينتقل بعد ذلك الى مهام ومسؤوليات وطنية من نوع آخر، وذلك عندما تم تعيينه مفتشاً عاماً للقوات المسلحة، وهو منصب قيادي مستحدث كان يتطلب إيجاد منظومة هيكلية وقانونية جديدة، وبذل فقيد الوطن الكبير اللواء القاسمي جهوداً جبارة لإيجاد الأسس العلمية التي يرتكز عليها عمل ونشاط المفتش العام للقوات المسلحة، وأنجز الكثير والكثير في هذا الجانب.. إلاّ أن المرض حال دون مواصلته العمل المناط به، وكانت إرادة الله الأقوى، لينتقل الى جوار ربه بعد حياة حافلة بالنضال والعطاء الوطني الذي كان وسيظل شاهداً حياً على مسيرة قائد عسكري محنك وشخصية سياسية واجتماعية بارزة..
تغمد الله فقيد الوطن والشعب والجيش اليمني والأمة اللواء الركن محمد علي القاسمي بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.. إنه سميع مجيب..