الإثنين 24-09-2018 03:15:47 ص : 14 - محرم - 1440 هـ
حتى نفهم الرئيس ...
بقلم/ كاتب/نصر طه مصطفى
نشر منذ: 12 سنة و شهرين و 24 يوماً
الخميس 29 يونيو-حزيران 2006 02:04 م
عندما أعلن الرئيس علي عبدالله صالح في 17يوليو من العام الماضي أنه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية التي ستجري في شهر سبتمبر من هذا العام فإنه لم يكن يمزح بل كان يتكلم بمنتهى الجدية رغم أنه يعلم تماما أن من حقه خوض الانتخابات باعتبار أن الدستور يسمح له بفترة ثانية وأخيرة ... وفي تقديري أن الرئيس كان لديه العديد من الاعتبارات والقراءة المسبقة والذكية لمجريات الأمور وكيف ستسير فهو من واقع تجربته أثبت أنه أكثر من يفهم واقع البلاد وواقع الحزب الذي يرأسه وبنفس المستوى واقع أحزاب المعارضة الرئيسية التي يجيد قراءة مواقفها السياسية مسبقا ... ومن أجل أن نحاول فهم الموقف الصعب الذي غامر الرئيس بخوضه أعتقد أن مجموعة من المعطيات التي سأجتهد في الوقوف أمامها ستساعدنا على ذلك لأن هناك بلاشك – ومن خلال اطلاعي على المشهد كاملا عن قرب – أمور لاتزال في ذهن الرئيس لم يفصح عنها لأحد ويصعب استقرائها ولعله لمح إليها في حديثه للمؤتمر الاستثنائي بإشارته للشروط التي لم يتمكن من طرحها أمام مليوني شخص احتشدوا ليقولوا له (لا) لأول مرة وليس (نعم) ولم يكن من السهل أن يصر على موقفه أمامهم خاصة أنه يعلم أن معظمهم جاء متفاعلا من أعماقه وليس بدفع سياسي أو ضغط وظيفي فلو أن الحكومة أجبرت كل موظفيها – كما يظن البعض – على الخروج وذلك مستحيل بالطبع لما بلغوا ثلث الذين حضروا إلى السبعين وامتداداته من مدينة الأصبحي حتى خط الستين حتى شارع كلية الشرطة عدا من في المحافظات والذين عادوا من طريق صنعاء بعد عودة الرجل عن قراره.
أول هذه المعطيات أنه لم يسبق للرئيس أن رشح نفسه مطلقا منذ أول مرة انتخب فيها في 17يوليو 1978م حيث تمت تزكيته حينها من معظم أعضاء مجلس الشعب التأسيسي ثم تم انتخابه بأغلبية ثلاثة أرباع المجلس ... وفي عام 1983م تم انتخابه مباشرة من مجلس الشعب التأسيسي ، وفي عام 1988م انتخبه مجلس الشورى المنتخب ، وفي عام 1990م تم انتخابه عضوا بمجلس الرئاسة من الاجتماع المشترك للمجلس الاستشاري وهيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى ثم اختاره أعضاء مجلس الرئاسة رئيسا للمجلس ، وتكرر الأمر في أكتوبر من عام 1993م من قبل مجلس النواب المنتخب ... وبعد تعديل الدستور في نهاية سبتمبر 1994م انتخبه مجلس النواب رئيسا للجمهورية من بين عدة مرشحين ، وعند الشروع في تطبيق أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 1999م اختاره أعضاء المؤتمر العام السادس للمؤتمر الشعبي العام مرشحا للمؤتمر وكذلك تم اختياره مرشحا لحزب التجمع اليمني للإصلاح وأحزاب المجلس الوطني للمعارضة ... ولذلك لم يكن جديدا أن يقول الرئيس في العام الماضي أنه لن يرشح نفسه فهو لم يسبق له أن رشح نفسه من قبل ولن يفعلها ... ولذلك لم يكن صحيحا مطالبة الرئيس بترشيح نفسه فهو لم يكن ليفعلها بأي حال من الأحوال والصحيح كان مطالبته بقبول قرار المؤتمر الشعبي العام باعتباره مرشحه للانتخابات الرئاسية ... إلا أن المسيرة المليونية في العاصمة والمسيرات الكبيرة في المحافظات تجاوزت المؤتمر وأحزاب المعارضة وحسمت قرار الرجل.
وثانيها أنه بالتأكيد أراد إرسال رسالة لم يفهمها لا المؤتمر ولا أحزاب المعارضة فالرجل لم يعرف عنه التهور أو الطيش ليترك قيادة البلاد هكذا دون تهيئتها بحشد كل القوى السياسية للتعاطي مع هكذا استحقاق ، فهو كان يعرف جيدا أن جميع الأطراف بلا استثناء غير قادرة على التعامل مع مثل هذا المستجد إما من منطلق الشك أو العجز فلا المؤتمر تعامل مع حديث الرئيس بالجدية الكافية ولا أحزاب المعارضة لديها الاستعداد لمنافسته بقيادات من الصف الأول ... ومن ثم لم يكن هناك من حل سوى تراجعه عن رغبته فذلك خير من ترك الأمور لمجهول يصعب التكهن به ... وهو عندما قال أن الأمر ليس مسرحية ولا مسيرات أو مظاهرات كان صادقا وجادا ويمكن لأي عالم نفس إدراك ذلك وتحليله من تعبيرات وجهه ونوعية عباراته ... فهو كقائد تاريخي حقق منجزات استراتيجية وتميز بأسلوبه في الحكم عن كل من سبقه لم يكن بحاجة للحشود التي تطالبه بالعودة عن قراره بقدر ما كان بحاجة لأداء مؤتمري متميز بين الجماهير وأداء حكومي أكثر تميزا لقياداته في أجهزة ومرافق الدولة تؤدي لحشد المواطنين يوم الاقتراع للتصويت لقائدهم وتجديد ثقتهم به بأغلبية كبيرة جدا تتناسب مع تاريخه وعطائه ومكانته وإنجازاته ... ومن هنا يمكننا فهم النقد اللاذع الذي وجهه الرئيس لحزبه في قاعة المؤتمر العام الاستثنائي ، وكذلك النقد الذاتي الذي تضمنه البيان الختامي للمؤتمر لأول مرة وما تضمنه من تفويض للرئيس لإصلاح ما يراه من الاختلالات لضمان أداء أفضل خلال المراحل القادمة والخروج من نمط الاتكالية على شخص الرئيس ، وهذا بالفعل يمثل الخطوة الأولى الصحيحة لأن يصبح الحزب الحاكم حزبا مؤسسيا بكل معنى الكلمة بل ويصبح مهيئا لأول عملية تداول سلمي حقيقية للسلطة في عام 2013م باعتبار أننا نعلم جميعا أن عملية اختيار المرشح في الأحزاب السياسية تأخذ إجراءات طويلة كما نشاهد مثلا في الولايات المتحدة عندما يبدأ الحزبان الديمقراطي والجمهوري في اختيار مرشحيهما للرئاسة – ما لم يكن رئيسا بالفعل – بإجراءات تبدأ في شهر يناير وتنتهي في شهر يوليو أو أغسطس من عام الانتخابات التي تتم عادة في شهر نوفمبر من الأعوام الكبيسة ... ونفترض أن نرى زخما من هذا النوع في المؤتمر الشعبي العام ابتداء من عام 2012 ينتهي باختيار مرشح المؤتمر بأسلوب ديمقراطي مؤسسي لانتخابات عام 2013م ... وهذا ما يريده الرئيس علي عبدالله صالح تماما وما يتمنى أن يراه بعينيه ويعتبره تتويجا لسنوات حكمه وعطائه ومنجزاته.
وثالثها أن هذا الزخم الجماهيري الذي حدث يوم السبت الماضي قد أعطى الرئيس تفويضا شعبيا مباشرا بإصلاح الكثير من الاختلالات وإجراء كثير من التغييرات والتخلص من كل العناصر التي أشار إلى أنها أرادت أن تجعل منه مظلة لفسادها ... لم يعد لديه عذر مطلقا فقد حصل على تفويض سابق لما يمكن أن يحصل عليه عبر صندوق الاقتراع في سبتمبر القادم ، فبيده أن يحافظ على مستوى هذا الزخم والتعاطف والثقة الشعبية به من الآن وحتى العاشر من سبتمبر القادم باتخاذ العديد من الإجراءات والقرارات والإصلاحات التي ستحافظ على آمال الناس بأن تكون السنوات السبع القادمة هي سنوات الانطلاق نحو المستقبل الأفضل وهذا لن يتأتى إلا بجهود جبارة يبذلها الرئيس ويختمها بنقل السلطة سلميا فيصبح بالفعل أعظم زعماء اليمن عبر التاريخ وأحد أعظم قادة العرب المعاصرين.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
استاذ/عبدالقادر باجمال : رئيس مجلس الوزراء ارادة الشعب
استاذ/عبدالقادر باجمال : رئيس مجلس الوزراء
استاذ/عباس الديلمي خاطرة متأخرة
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/خير الله خيراللهما الذي حصل في اليمن؟
كاتب/خير الله خيرالله
مشاهدة المزيد