الخميس 15-11-2018 08:58:47 ص : 7 - ربيع الأول - 1440 هـ
شگل الدولة ونظام الحكم (1-2)
بقلم/ استاذ/دكتور/محمد احمد السعيدي
نشر منذ: 5 سنوات و 6 أشهر و 20 يوماً
الخميس 25 إبريل-نيسان 2013 07:23 ص
يحتدم النقاش هذه الأيام في ِأرض الحكمة حول طبيعة نظام الحكم، وشكل الدولة. وأكثر ما يؤرق الأغلبية الحديث عن الفيدرالية ، حيث يعتبرونها المقدمة لإنهيار أو تفتيت الدولة أو المقدمة للإنفصال أو الشرارة التي لاتبقي ولا تذر.
في هذا البحث المتواضع سنعمل على اختبار مدى صحة هذه الفرضية ونحاول التوصل إلى ما يمكن تسميته بالشكل الأفضل للدولة اليمنية ونظام الحكم.
أولاً : شكل الدولة:
تتخذ الدول إما شكل الدولة البسيطة أو المركبة.
1- الدولة البسيطة:- هي التي تكون وحدة سياسية واحدة رغم أنها غالباً ما تكون مقسمة إلى وحدات إدارية وتخضع لسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واحدة وقوانين واحدة وتتميز بسلطة حكومية موحدة غير قابلة للتجزئة سواء في طريقة ممارستها لاختصاصاتها أو في تكوينها .
ومع ذلك فقد تضطر الدولة البسيطة إلى سن وتطبيق قوانين خاصة على بعض أقاليمها التي تخضع لظروف خاصة، كما قد تنهج المركزية أو اللامركزية كنظام إداري قد يصل إلى حد الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية والتي تقوم على مجالس منتخبة تتركز فيها سلطات الوحدة المحلية التي قد تكون محدودة أو واسعة أو كاملة الصلاحيات .
2- الدولة المركبة : ويمكن إجمال أشهرها بنوعين :
أ– الاتحاد الكونفدرالي : وهو صيغة سياسية تحتفظ فيه كل دولة بسيادتها وإستقلالها عدا بعض الشؤون كالخارجية والدفاع والعملة دون أن تشكل دولة واحدة أو كياناً واحداً .
ب– الاتحاد الفيدرالي: وهو شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة أو موزعة بين مكونين هما حكومة مركزية (الحكومة الفيدرالية) قوية وفاعلة تسيطر بشكل تام على الشؤون الخارجية والدفاع والأمن القومي والأمن الاقتصادي والسياسات الاقتصادية وإبرام المعاهدات. ولها صلاحيات إشرافية وتنسيقية محدودة في بعض القطاعات. ووحدات أو أقاليم أو ولايات أو مخاليف تتكون منها الدولة يتمتع كل منها بقدر عال من الاستقلال، بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة. يكون هذا الوضع مضموناً بنصوص الدستور بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية .
ويتمتع مواطنو الدولة الفيدرالية بجنسية واحدة في إطار الاتحاد الفيدرالي، وبحرية الحركة أو الانتقال والسكن في أي إقليم أومخلاف أو ولاية من ولايات الدولة. وتتحقق المواطنة الكاملة أو الإنتماء للمواطن إلى أي إقليم بمجرد استقراره بالإقليم لمدة ستة أشهر إلى سنة ودفع الضرائب وغيرها من الواجبات، وبالتالي يتمتع بكافة الحقوق ومنها الحق في الإنتخاب والترشح .

الشكل الأفضل للدولة :
لكي نصل إلى قناعة مشتركة ، اسمحوا لي أن أشارككم في نتائج دراسة سابقة لي أعددتها لاختبار نظرية شيخوخة الحضارات أو حتمية وصولها إلى مرحلة الإنهيار بعد مرورها بمراحل الطفولة ثم الشباب وانتهاءاً بمرحلة الشيخوخة التي تنتهي بالهلاك الحتمي. أو دورة العمران بين البداوة والحضارة كما أسماها أعظم علماء الاجتماع السياسي في نهاية العصور الوسطى(ابن خلدون) .
فقد وجدت أن الأقدار قد هيأت للمجتمع الأوروبي ظروفاً غير اعتيادية لبزوغ فجر حضارة من نوع مميز أو استثنائي بمقياس ذلك الزمن. يمكن التمييز بين ثلاث مراحل رئيسة لغرض التبسيط :
أولاً- مرحلة التأسيس:
فقبل الحضارة الأوروبية كانت الدول تبنى على أساس الحاكم أو القائد الفرد، سواءاً استمد قوته من عصبية قبلية أو عرقية أو دينية. المهم أنه متى توفر قائد عظيم أو جبار وتمكن من تجميع عناصر قوة من حوله، واستطاع أن يحكم قبضته على بلد ما، أخذ يتوسع في البلدان أو الأراضي المجاورة إلى أقصى مدى يمكنه ذلك. وقد تستمر الدولة بالتوسع أو المحافظة على تماسكها أو قوتها من بعده لجيل أو جيلين أو أكثر ما دام هناك من يرثون الحكم أو يستولون عليه ممن يتمتعون أو يمتلكون نفس عناصر القيادة أو الجبروت، وتسندهم القوة العسكرية التي تمكنهم من فرض إرادتهم واستعباد الشعوب التي تقع تحت سلطتهم .
وعادة ما يتسم نظام الحكم بالاستبداد والقهر. في ظل نظام شديد المركزية، لا تحده إلا عوامل الجغرافيا، وخاصة على الشعوب التي تم التوسع إليها باحتلالها. وقد يصل الأمر حد تأليه الحاكم الفرد، وبالتالي فقد كان الحاكم الفرد هو عماد قوة الدولة وحاميها ومصدر جاذبيتها والضمان لاستمرارها. فإذا حصل أي خلل أو ضعف لرأس الدولة تهاوت وسقطت .
في أوروبا الغربية تغيرت الظروف إلى الأبد، ولم يعد ممكناً تكرار مثل هذه السيناريوهات. فما اعتبر من قبل المؤرخين وعلماء الحضارة أو الفلاسفة أنه كارثة على الحضارة، والمتمثل بالاجتياح الاستيطاني للشعوب أو القبائل البدائية الجرمانية وغير الجرمانية لغرب وجنوب وشمال غرب أوروبا في العصور الوسطى الباكرة قد فرض وضعاً جديداً تمثل بظهور نظام إقطاعي منيع قسمت بموجبه البلدان إلى إقطاعيات تمتع أقوى زعماء القبيلة بمركز الرئاسة على رؤساء الجرمان أو الاقطاعيات الأصغر، وصار بمثابة الملك عليهم يدينون له بالطاعة والتبعية ولكن مع حقهم في إدارة إقطاعياتهم بشكل شبه مستقل .
ومع توفر الشروط الموضوعية للبروز القوي للكنيسة كقوة دينية ودنيوية، حيث صارت جزءاً أصيلاً من النظام الاقطاعي تمتلك الأراضي الشاسعة، وتديرها وفق ذات النظام الاقطاعي وأدواته الدنيوية، ولها كلمتها ليس في إدارة الدولة فحسب، بل إن سلطاتها كانت عابرة للدول في أوروبا كما أسلفنا. والحقيقة أن الكنيسة قد حازت على سلطات واسعة على كل المستويات (على مستوى الإقطاعية وعلى مستوى الدولة وحتى على مستوى أعلى من الدولة) فمن خلال ما تمتع به البابا من سلطات على كل الدول في أوروبا يمكن اعتباره أنه بسلطاته تلك يمكن اعتباره ملك الملوك، يعاونه الوزراء أو ما يسمى بالكرادله المركزيون في روما، كما كان له أمراء أو كرادلة في عواصم الدول، وأساقفة في مراكز الاقطاعيات وقسسه في المدن .
إن السلطة في الدولة الأوروبية الغربية في ذلك العصر قد كانت محصلة توازن ثلاث قوى رئيسه، هي الملك والكنيسة والاقطاع توازن القوى الثلاث قد جعل من النظام اللامركزي في إدارة الدولة حقيقة ثابتة وواقع معاش. لم تقتصر الفوائد التي جناها المجتمع الأوروبي من جراء التوازن الثلاثي هذا في الارتقاء من نظام الحكم الفردي العقيم إلى نظام جماعي في الحكم أو لامركزي أحدث انعطافاً تاريخياً أنعكس إيجاباً على المجتمع فحسب، بل إنه قد شكل ما يمكن اعتباره الحاضنة أو الرافعة للنمو والتطور في مراحله الأولى كما سيتضح من خلال هذه الدراسة المتواضعة.
جرت العادة ألا يذكر أسم الكنيسة أو الإقطاع إلا وذكر معها سلبياتها التي لا تعد ولا تحصى ،نظراً لما عانت البشرية من صنوف الظلم والإضطهاد لردح من الزمن تحت حكم هذا النظام. ما أود أن يتأكد منه القارئ العزيز أنني هنا لست بموقع تأكيد أو نفي تلك الوقائع التاريخية وليس هذا بموضوع البحث بل إنني قد أخذتها كغيري كمسلمات إلا أنني أقدم في هذا المقام للقارئ العزيز رؤية جديدة أو تحليلاً أو فهماً جديداً لأدوار تعد من وجهة نظري بناءه قام بها هذا النظام الاقطاعي والكنيسة في المرحلة الأولى أو مرحلة التأسيس على الأقل. يبدو من خلاله أن هذا النظام قد أحدث (ربما بدون قصد) عملاً مبتكراً كان له أبلغ الأثر الإيجابي في نشوء الحضارة الغربية المعاصرة. ولهذا الفت انتباه القارئ الكريم لضرورة التركيز والتدقيق فيما سيقرأه ولا يأخذها كمسلمات.
نحن هنا لسنا بصدد التنجيم أو محاولة إستكشاف الغيب ولا ندعي ذلك ولكن نعتقد أنه لولا هذا النظام العجيب لما نشأت المدن التجارية. ولولاه لما استمرت بالنمو والتوسع فقد نشأت المدن في أحضانه معتمدة على التوازن الذي خلقه قبل أن تقوى شوكة هذه المدن وتصبح بفضل ما نسجته من شبكة مصالح وما خلفته من وعي قادرة على حماية مكاسبها ومصالحها، هذا فضلا عن أن النظام الاقطاعي بالشكل الذي ظهر في أوروبا وبما سمح به من تملك الاقطاعيين لعناصر قوة لا يستهان بها بما فيها القوة العسكرية قد جعل كل دولة من دولها منيعة ضد الغزو الأجنبي .
فبينما كانت الدول سابقاً تسقط بمجرد انهزام جيش الملك أو جيش الدولة. إذ أنه في كثير من الأحيان كان المنتصر في معركة يتمكن من اجتياح كامل البلاد بسهولة ويسر .بينما في ظل النظام الاقطاعي فإن أي جيش يحاول الغزو سيجد نفسه ليس بمواجهة جيش الملك فحسب بل سيكون هدف لجيوش الإقطاعيات وسيجد نفسه في حالة من الاستنزاف المرهق في كل إقليم يصل إليه. وهذا العامل ربما يفسر حالة الاستقرار أو التعايش بين الدول الأوروبية في المراحل الأولى للنظام الاقطاعي فلم يسجل المؤرخون اجتياحات كبرى للدول في أوروبا إلا بعد السيطرة على النظام الاقطاعي وتحجيمه والفلات من اساره .
وهذا التفسير قد لا يلغي وجود عوامل أخرى تؤثر في حجم وفاعلية القوى سواء كانت تكنولوجية أو سياسية أو حتى إجتماعية وبمعنى آخر فقد عمل هذا التوازن دور الصاروخ الذي مكن الحضارة الأوروبية من النفاذ من براثن الجاذبية وجعل علوها في الفضاء ممكنا، فلو أن حكم الفرد قد استمر في أوروبا على غرار ما كان في الحضارات التي سبقت، لو أن ذلك حصل لما توفرت البيئة المناسبة لنشوء المدن. وحتى لو ظهر بعض النشاط التجاري او الحرفي لما أتيحت له فرص البقاء، ولعادت الحلقه أو الدورة المفرغة للتخلف لتفعل فعلها في جذب النشاط التجاري والصناعي إلى الوراء كما حصل في الحضارات التي سبقت، فقد كان الاقتصاد ينتعش وينمو في أوج قوة الدولة في ظل الحضارات السابقة للحضارة الغربية والتي أسست على نظام حكم مركزي فردي حيث مع تصاعد قوة الدولة وتوسعها في الأقطار تنتعش التجارة وتزدهر الصناعات الحرفية لتوفير مستلزمات واحتياجات الجيش ومقتضيات بناء الدولة وما أن تتوقف التوسعات أو الفتوحات حتى تخلد الدولة للركود الاقتصادي فيقل الطلب على السلع والخدمات فتضمحل الصناعات الحرفية ويضمحل معها النشاط التجاري في ذات الوقت يؤدي عدم التوسع إلى حرمان الحكومة من موارد كانت تحصل عليها من نهب موارد البلدان التي تفتحها مع تزايد الأعباء العسكرية التي تتكبدها كنتاج طبيعي لتضخم الجيش والموظفين والذي يكون حتمياً في مثل هذه المرحلة لحماية الحاكم من المكائد والمؤامرات والاضطرابات التي عادة ما تميز هذه المرحلة كما أسلفنا عندما تصبح موارد الحكومة محدودة تلجأ لفرض المزيد من الضرائب على المنتجين والتجار وفي ظل ضعف الطلب على السلع تصبح الضرائب عبئا ثقيلا فيعزف المنتجين عن الإنتاج لأنه بات عبئاً ثقيلاً عليهم فيتضائل النشاط الاقتصادي فيزيد الدولة رهقاً فتضمحل وتشيخ أو تموت أو تنهار كما يطلق عليها المؤرخون .
ثانياً: مرحلة الإنطلاق: كان ذلك شأن الحضارات الغابرة والتي كما أسلفنا كانت تحمل بذور إنهيارها منذ ميلادها وبعد أن تبين لنا كيف أن النظام الاقطاعي قد كان سبباً في تجاوز هذه المعضلة سنراجع معاً فيما يلي أوجه الإختلاف أو العوامل التي ميزت مرحلة إنطلاق الحضارة الأوروبية الغربية ومدى أهميتها وكيف أنها قد شكلت دافعاً قوياً وضماناً بائناً لاستمرار وارتقاء الحضارة الأوروبية :-
1- توازن القوى الذي ساد في مرحلة الإنطلاق في أوروبا قد فرض نظام حكم لامركزي أو ما يمكن تسميته بنظام حكم محلي لامركزي أو اتحادي أو فيدرالي في ظل توازن معقول بين السلطات الاقطاعية أو المحلية وسلطة الملك والكنيسة والتي كانت جزءاً من السلطة الاقطاعية المحلية وعلى المستوى الأعلى في بلاط الحكم.
2- هذا التوازن أيضاً أفضى إلى قيام الدول على نظام مؤسسي فباعتبار أن المؤسسة هي التنظيم الذي ينشأ لرعاية كل شأن من شئون الدولة، فإن الدول الغربية كانت تدار بما يمكن تسميته بنظام مؤسسي مناسب تقريباً ظل ينمو ويرتقي مع ارتقاء تلك الدول في سلم الحضارة فقد توفر لديهم من المؤسسات ما كان له الصبغة الرسمية ويعرف بمجلس العرش أو مجلس البلاط والذي كان عادة ما ينشأ بقرار مكتوب يقوم أعضائه بمساعدة الملك في تدبير شئون الدولة، كما كان هناك جماعات النبلاء والذين تمتعوا باستقلال كبير مدعوم بالقوة العسكرية التي كانت لهم أو من حقهم أو خاضعة لهم.بالتالي فقد كان لهم سلطان كبير في اقطاعياتهم ، حدت من سلطات الملك، فضلاً عن كونهم أعضاء في الهيئات العليا في البلاط الملكي الكنيسة هي أيضاً كان لها نظام مؤسسي واضح العالم كما أسلفنا يرأس هيئتها على مستوى الدولة المطران أو الكاردينال وكانت تضم الأساقفة في تسلسل هرمي مكنها من القيام بأدوار حيوية، فقد كانت تمنح الشرعية للبيت الحاكم وتعمل كوسيط بينه وبين عموم الشعب كما انتظم كل من المزارعين والتجار والحرفيين في نقابات تحمي مصالحهم في ظل قوانين ونظم تكفل لهم حقوقهم في الانتظام في مثل تلك الهيئات أو النقابات للدفاع عن مصالحهم .
وبقدر ما أفضى هذا النظام المؤسسي إلى وضع حدود لصلاحيات الملك، إلا أن الواقع من ناحية أخرى قد برهن على أن النظام المؤسسي هذا قد شكل عوناً هاماً وحاسماً للملك في السير في الطريق الآمن والناجح بل إنه شكل جسراً حيوياً بين الملك وعموم الشعب. وبالمحصلة فإن أثره الإيجابي كان واضحاً في إطالة أعمار بيوت الحكم في أوروبا الغربية التي سلكت هذا النهج .
3- نمو المدن التجارية والتي شكلت النواة الأولى والضرورية لعملية التحديث والتطور إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً كما أسلفنا .
4- الحرية الإقتصادية والسياسية التي اكتسبتها تلك الشعوب بفضل ذلك التوازن قد كان لها أبلغ الأثر في التطورات اللاحقة، سواء الفكرية أو الاقتصادية أو السياسية حيث مكنت تلك الشعوب من استغلال أو الاستفادة القصوى من عقول وإبداعات أبنائها، وسمحت بالمراجعة الدائمة للمسار وتقويمه ليكون دائماً في خط تصاعدي مستمر وكانت بمثابة المتنفس للاحتقانات التي عادة ما تواجهها الدول .
5- بناء المجتمع على أساس تعددي (الملك ووزرائه وحاشيته، والنظام الكنسي والاقطاعيين والجيوش المركزية والمحلية، أو التي تحت امرة الاقطاعيين والطبقة الوسطى التي تشكلت مع الزمن وأخذت بالنمو)، كل هذه الفئات شكلت دافعاً قوياً للاقتصاد بما تمثله من قوة شرائية متنامية جعلت الطلب على السلع والخدمات محفزاً قوياً ومتصاعداً لزيادة الإنتاج .بعكس ما كان يحصل في الدول والحضارات التي بنيت على أساس فردي غالباً ما كانت تصل إلى طريق مسدود أو نهاية حتمية كما تبين مما سبق .
6- يمكن القول أن مهد الحضارة الأوروبية الغربية المسيحية هو حوض نهري البو والراين، اللذين شكلا خط التماس بين الكتلة الجرمانية والكتلة اللاتينية، الذي كان نتاج طبيعي لغارات الجرمان على أراضي الدولة الرومانية بحسب أرنولدتوينبي ولكن لايمكن الإشارة إلى عاصمة أوروبية بحد ذاتها والقول أنها عاصمة الحضارة الأوروبية الغربية ،وهذه ميزة أخرى للحضارة الغربية حيث أنها رغم إنطلاقها من إقليم معروف إلا أنها لم تصاب بالداء الذي أصاب سابقاتها بأن تكون رهينة عاصمة واحدة فحسب، إذا سقطت تلك العاصمة سواء بمؤامرة داخلية أو بغزو خارجي سقطت معها الدولة وعوضاً عن عاصمة واحدة أو دولة واحدة كان للحضارة الأوروبية مراكز إشعاع تتبادل الأدوار أحياناً وتتكامل في البعض أو تتنافس في سباق حميد نحو الريادة رغم التمايز أو اختلافها في الأهمية النسبية لكل منها.
7- رأينا كيف أن الدين ممثلاً بالنظام الكنسي كان حاضراً وفاعلاً في كل دولة من الدول الأوروبية. والحقيقة أن الدين قد لعب دوراً بارزاً وحيوياً على مستوى القارة الأوروبية بأسرها.    
فالكنيسة باعتبارها مؤسسة ذات طابع دولي أو عابر للدول تفردت بأن يكون لها عاصمة واحدة في روما ولها أذرع أو فروع تابعة لها (الكرادلة والأساقفة) في مراكز الدول وبهيكلتها الهرمية العجيبة التي تصل إلى كل إقليم وناحية من نواحي أوروبا، ولكونها راعية المثل والقيم الروحية السامية للدين المسيحي، وبغض النظر عما كتب ويقال عن سلبيات وهفوات لاتعد ولا تحصى للنظام الكنسي في نظر الكثير ، رغم ذلك إلا أنها من وجهة نظرنا قد كان لها بصماتها في مرحلة الانطلاق للحضارة الأوروبية على أقل تقدير .
فحقيقة وجودها بهيكلتها المعروفة والسلطات التي تمتعت بها قد جعل منها (دون قصد أو دون تخطيط منها) جعل منها أداة تواصل واتصال من خلالها على الأقل تم تناقل الأخبار والرؤى والمعارف بما فيها أخبار النجاحات والاخفاقات سواءاً كانت سياسية أو اقتصادية أو علمية أو اجتماعية في كل بلد إلى البلاد الأخرى. وهذا أمر حيوي أفادت منه أوروبا في وقت كانت الدول الأخرى تعيش فيه واقعاً إنعزالياً مغلقاً لاتعي ما يحصل في محيطها وبالتالي لا تتفاعل معه أو تتبادل الخبرات.. مع الزمن وبدورها الحيوي هذا كانت الكنيسة سبباً في إذكاء حالة من التنافس والسباق نحو الريادة بين الدول الأوروبية وهو أمر أضاف بعداً جديداً أو زخماً لا يستهان به لدفع مسيرة الحضارة الأوروبية الغربية إلى الأمام . لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تركت الكنيسة بصماتها نحو خلق نوع من التقارب في العادات والتقاليد والأعراف والمثل وما نلحظه اليوم من شبه إتساق أو نوع ما من أنواع التشابه في الثقافة الأوروبية يرجع جزءاً هاماً منه إلى الكنيسة ، سواءاً بفعل منها أو بردة فعل من أعدائها أو ممن لا يتفقون مع ما تمثله الكنيسة أو ما تفعله أو تطلب من الناس أن يفعلوه .
8- التجارة أيضاً كان لها دوراً فاعلاً وقوياً في النهضة الأوروبية الغربية. فبالإضافة إلى كونها أداة لتصريف السلع والخدمات، فإنها قد ساهمت بشكل فاعل في تمويل الحرف والصناعات. كما كانت لها بصماتها في نقل المعارف والتكنولوجيا وغيرها من أسباب التوحد والتقارب والتنافس في القارة الأوروبية كما سبق أن بينا عند التطرق إلى دور الكنيسة .
9- الجغرافيا أيضا لعبت دوراً محفزاً. فبالمقارنة بالحضارات القديمة التي ظهرت في مناطق شبه معزولة، حيث تفصلها عن غيرها من الدول صحارى شاسعة تمثل عائقاً طبيعياً، سواءاً لتوسع الدولة أو لتوسع التجارة. فإن دول أوروبا قد تمتعت بميزة طبيعية تحسد عليها . فليس هناك أي عوائق طبيعية تقف حائلاً أمام تنامي التجارة بين دولها .
ثالثاً: مرحلة الارتقاء: أهم ماميز هذه المرحلة الطويلة هو إطلاق العنان للعقل البشري ليعطي أفضل ما استودع الخالق فيه من طاقات إبداعية خلاقة في كافة المجالات وعلى كل الأصعدة .                                                             
رأينا أن النظام الاقطاعي الكهنوتي أو الكنسي في المرحلة الأولى قد كان له الدور الحيوي البارز في احتضان المدن التجارية أو بتعبير آخر عمل مع الزمن كقوة صاروخية دافعة بلغت من القوة ما يكفي لنقل عملية أو مسيرة التقدم بعيداً عن تأثير جاذبية منظومة التخلف (إذا جاز لنا التعبير) التي كانت تشكل عائقاً دائماً لعملية الانطلاق، والعامل الحاسم الذي كان يقف خلف ما كان يعرف بظاهرة الحلقة المفرغة للتخلف. بعد النفاذ من جاذبية التخلف وحتى تمضي مسيرة التقدم إلى الأمام بوتيرة عالية كان لابد من الخلاص من بقايا الصاروخ والمتمثل بالنظام الاقطاعي الكهنوتي بكل عناصر قوته سواءاً الدينية أو الدنيوية وكل ما يشكل إعاقة من أي نوع للنهضة التي صارت حقيقة واقعة في المرحلة الثانية. ومع تقدم المسار وتباعد المسافات وعلو الهامات وتجذر الوعي النهضوي في المجتمع وتملك عوامل القوة والتمكين، لم يعد مقبولاً ولا ممكناً التعايش مع أي من عناصر منظومة التخلف. وصار المجتمع الأوروبي يمضي في طريق التقدم بشكل متصاعد السرعة مكتسحاً كل عائق في طريقه ونظراً لطول هذه المرحلة ولكثرة الأحداث والتغيرات والإنجازات التي حققها المجتمع الأوروبي خلالها والتي أفرزت أوضاع أدت إلى أعداد لا تحصى من التطورات الاقتصادية والإجتماعية والسياسية والعلمية والتكنولوجية والثقافية، نقلت المجتمعات الأوروبية من أشكال وأنماط اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية متخلفة، إلى أشكال وأنماط أخرى مغايرة اجتثت نظام التخلف من جذوره محدثة نظاماً حضارياً تلقائي التطور عظيم في إنجازاته، مكن تلك الدول ومن لحق بركبها من الارتقاء بشعوبها إلى أعلى المراتب وجعلها تتربع على هامة الحضارة الحديثة ومكنها من التحكم بمقدرات العالم بأسره وقد تميزت المرحلة الثالثة هذه بما يلي:
1- الانتهاء التدريجي من رواسب النظام الإقطاعي والكنسي واجتثاثها بكل جذورها ومظاهرها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية والثقافية التي شكلت عوائق في كل محطة من المحطات المتقدمة التي مر بها قطار التقدم .
2- على أنقاض النظام الاقطاعي المتهاوي وبشكل متدرج عبر الزمن تم ترسيخ جذور نظام ديمقراطي مؤسسي لامركزي بشكل متفاوت ولكن تصاعدي في دول غرب أوروبا والدول التي لحقت بها (الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكندا وكوريا الجنوبية واستراليا) هناك دول أخرى مثل الصين وماليزيا وتركيا والهند تسعى للحاق بركب الدول المتقدمة هذه ،وقد أثبتت قدرتها على تحقيق غاياتها، هذا النظام بغض النظر عن كونه جمهوري أو ملكي المهم أنه تميز بشكله الحالي بمايلي :
أ- سيادة القانون واحترام الدستور واستقلال القضاء، فلا يعزل القاضي أو ينقل إلا بحكم قضائي، كما يجب أن تكون هناك محكمة دستورية عليا تراقب أي تلاعب أو خطأ في القوانين وفي أساليب تطبيقها . وتكون المرجع في حالة حدوث أي خلاف دستوري بين مجالس ممثلي الشعب والحكومة .
ب- حكم دستوري يستمد الحاكم شرعيته بالانتخاب الحر المباشر، ويقدم نفسه إلى الشعب بناءاً على برنامج سياسي مسبق. وأن يكون قابلاً للعزل بالطرق الدستورية وبشكل سلمي..
ج- مجالس ممثلي الشعب، وتشمل مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب المنتخبة انتخاب مباشر حر ومجلس الولاية أو الإقليم أو المحافظة ومجلس المديرية المنتخب بطريقة الانتخاب الحر المباشر .
د- لكل مواطن حق متساوي في الترشيح والتصويت ودون أي تمييز أو تقسيم أو تفرقه بين الناس بوضع أي نوع من الشروط المسبقة. كما لكل مرشح حق الدعاية الانتخابية. هذه المجالس يجب أن يكون لها كل الحقوق التشريعية وحق المراقبة والمطالبة وحق العقاب والعزل .
ه - حرية العمل الحزبي.
و– حرية الإعلام : ويشمل الصحافة ودور النشر والوسائل السمعية والبصرية والخطابة والاجتماعات العامة والجمعيات العامة والجمعيات العلمية والاجتماعية والتظاهرات السلمية وفوق كل ذلك فإن الديمقراطية تنطوي على إزالة الفروق الطبقية وعلى المساواة بين الناس ووضع حد لسيطرة القلة على الأغلبية فلا ديمقراطية بدون حرية سياسية، والحرية السياسية بدورها لايمكن تجزئتها، إذ يجب أن تشمل على المبادىء والقواعد التالية:
أ– حرية الفرد وتشمل حرية الرأي السياسي والتصريح عنه عبر الوسائل المختلفة المتوفرة وعدم الرقابة على الفكر والنقد إلا في الحدود التي يبينها القانون، والتي تمس حرية الآخرين. وتشمل حق الفرد في ألا يحبس ولا تحدد إقامته ولا يمنع من التنقل إلا في حالة خروجه عن القانون. وأن يكون آمناً على حياته وكرامته وماله، فلا يهان ولا يصادر ماله ولا يحارب في رزقه ولا ينقل من عمله أو يعزل منه، وأن يكون له الحق في الوصول إلى كافة مناصب الدولة دون اللجوء إلى محسوبية أو شللية أو طائفية وأن يكون المعيار الوحيد في الإرتقاء بالوظائف العامة هو المؤهل العلمي والكفاءة والمقدرة الشخصية.
ب– حق كل فرد الشعب في تشكيل الجماعات والجمعيات والأحزاب السياسية وفق الأطر السلمية الحضارية غير المسلحة وفي حرية التجمع والاجتماع في الأماكن العامة والخاصة بدون رقباء وحق التظاهر السلمي وفي اختيار نوع الحكم والحاكم ومحاسبته وسحب الثقة منه. وفي إزالة كافة أنواع التمييز بين أبناء الشعب سواءاً كان تمييز وراثي (كالنبلاء والأمراء و...إلخ) أو تمييز طبقي أو اقتصادي (كالتمييز بسبب المستوى المادي) أو التمييز الديني (الكهنوت).
فلا تحتكر السلطة من قبل طبقة أو فئة مميزة أو شلة أو طائفة أو قبيلة بل يتم الإلتزام برأي الأغلبية مهما كانت النتائج .
3– في ظل التطور الجذري والمكاسب العظيمة التي حققتها مجتمعات غرب أوروبا على صعيد النظام السياسي ومع تنامي هذه المكاسب أو منصة انطلاق يتم بنائها بشكل محكم لتمكين منظومة الحضارة الأوروبية من الانطلاق السريع، بدى وكأن أرضية صلبة وخصبة أخذت تتشكل تدريجياً للفلات من أسار الجاذبية الأرضية والعلو في فضاءات الحضارة الرحبة اللامتناهية، مطلقة العنان لانطلاقة فذة وغير مسبوقة على كافة مناحي الحياة اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وعلمياً....إلخ في تشابك أو تفاعل وتناغم متواصل ومتنامي لا تحده حدود و لا تعجزه سدود .
في ظل هذا التشابك الواسع أو بمعنى أدق النسيج المعقد، يجد الباحث صعوبات في مقاربة مكوناته، والعوامل الدافعة، باعتبار أنها في حالة من التفاعل المتبادل الدائم ،يصعب معه الحديث عن بعضها بمعزل عن تأثير البعض الآخر، فعلى الصعيد الاقتصادي نمت المدن وتطورت وتزايد عددها وأخذت ترتقي بوظائفها، حيث تحولت من مجتمعات حرفية بسيطة كما أسلفنا إلى نوع من الحرفيين المتخصصين في إنتاج أنواع من السلع بشكل متكرر، كالسلع الإنتاجية البسيطة والمعدات أو الأدوات الزراعية وصناعة الملابس والأحذية و....إلخ.. ومع تسارع عملية التخصص وتقسيم العمل بين أفراد المجتمع وتوفر الأمن، ازدهرت حركة التبادل التجاري فيما بين الاقطاعيات ومع الخارج بين الدول الأوروبية وحتى مع العالم .ومع اتساع حركة التبادل التجاري اتسعت رقعة السوق فتزايدت أهمية التجارة حيث لم يقتصر دورها على مجرد تصريف المنتجات الحرفية وبيعها في السوق، بل تجاوز ذلك إلى كونها مصدراً هاماً لتمويل الصناعات الحرفية .وقد تنبهت بوقت مبكر بعض الحكومات في أوروبا الغربية للدور الحيوي الذي تلعبه التجارة في إحداث تنمية متسارعة، فعملت على تسخير كل إمكاناتها بما فيها القوة العسكرية لخدمة التجارة وفتح الأسواق العالمية لتصريف المنتجات الصناعية، وتوفير المواد الخام اللازمة لدوران عجلة الإنتاج .                                  
لهذا الغرض انطلقت تلك الدول في سباق محموم لاستعمار بلدان العالم للسيطرة على مصادر المواد الخام والأسواق، وتأمين ممرات آمنه للنقل في أرجاء العالم. وبرع الأوروبيون في حملاتهم الاستكشافية، حيث لم تبقى قارة على وجه البسيطة إلا وطأتها أقدامهم فيما عرف بعصر الاستكشافات. كما برعوا في بناء أساطيل النقل البحري العملاق فتزايدت حركة التبادل التجاري بين أوروبا وبقية العالم . ولم يفلت الزمام من يد القبطان، فقد استمر العلماء والمفكرين بقيادة المسيرة وتوجيهها نحو العلى وبخطى متسارعة، حيث ولد في هذه المرحلة علم الاقتصاد وهو العلم الذي يبحث في أسباب ثروات الشعوب ورفاهيتها. وقد أكد مؤسس علم الاقتصاد (آدم سميث) على أهمية العمل كمصدر أساسي لثروة الشعوب ونادى بضرورة التخصص وتقسيم العمل ومع تطور الفكر الاقتصادي تم ترسيخ مبدأ الحرية الاقتصادية أو ما عرف بمبدأ(دعه يعمل دعه يمر) مؤكدين على أن حركة التجارة بين البلدان تعد حجر الزاوية وأهم مصدر من مصادر الثروة. ويمكن إجمال الشروط التي يجب العمل على توفرها من أجل رفاهية الشعوب بحسب الفكر الكلاسيكي بالتالي :
أ – التخصص وتقسيم العمل .
ب – زيادة حجم التبادل التجاري واتساع رقعة الأسواق .
ج – الحرية الإقتصادية (حرية التبادل وتنقل العمال ورأس المال) .
د – زيادة حجم المعدن النفيس (حجم النقود).
ومع اتساع هذه المبادىء في عقول الحكام، تسارع التسابق على فتح أسواق جديدة فاستعمرت القارات وأكتشف ما كان مجهول منها، وتم السيطرة عليها في حملة استعمارية استيطانية غير مسبوقة. ومع تقدم العلوم وتطبيقاتها التكنولوجية (من اختراع الآلة البخارية لجيمس وات إلى غيرها من الاختراعات) مع هذه الإمكانات تمكن الإنسان الأوروبي من إرتياد كل البحار، وصنع سفن عملاقة وذات سرعات غير مسبوقة. فتضاعف حجم التجارة الدولية، وتزايد حجم الإنتاج بدخول الآلات التجارية لخدمة قطاع الصناعة. ولقد كان لهذه التطورات التكنولوجية انعكاساتها الثورية ليس على القوى الإنتاجية فحسب بل تجاوزتها إلى العلاقات الإنتاجية ومع تنامي القدرة العلمية والتكنولوجية (اختراع الآلة البخارية والكهرباء ...إلخ) تطورت العملية الإنتاجية بتطور الآت الإنتاج حيث تم استبدال الجهد البشري بالجهد الآلي على نطاق واسع وتزايد إنتاجية العنصر البشري .
وكما نتج عن هذا التطور تغييرات جذرية في أشكال الملكية مع ظهور المصانع الكبيرة الحجم لتأخذ شكل شركات مساهمه يمتلكها الآلاف من الناس فأنقطعت الصلة بين العامل المنتج ووسائل الإنتاج وتم فصل الملكية عن الإدارة لأول مره . وبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة لا تقبل الشك أن اللامركزية الصارمة مهما إختلفت مسمياتها أو أشكالها قد شكلت الرافعة والضمان لاستمرار الحضارة الأوروبية وتشكل حجر الزاوية للحكم الرشيد، ويبقى فقط الوصول إلى الحد الأمثل من اللامركزية الذي يناسب مجتمعنا. وفي تقديري أنه وباعتبار أن حجم بلادنا صغير فإن شكل الدولة البسيطة نظام الحكم المحلي واسع الصلاحيات يمكن أن يكون مثالي، لو ضمنا عدم ظهور رئيس مستبد يغير الدستور ويعيد بلادنا إلى وحل الاستبداد والظلم. فإذا لم نستطع تطوير نظام حكم محلي كامل الصلاحيات بضمانات كافيه للإستمرار والتقدم، فإن الدولة المركبة للنظام الإتحادي الفيدرالي من عدة أقاليم (ثلاثة عشر إقليم) رغم أنه قد يكون أكثر تكلفة من الناحية الإقتصادية إلا أنه سيكون مناسب جداً ويؤدي الغرض، بشرط أن يكون من عدة أقاليم ، لأن أي صيغه لإتحاد لدولتين سيكون مقدمه للإنفصال والتشرذم وسفك الدماء وبالتالي سيكون طريق إلى الهاوية .                                            
فبالإضافة إلى مافيه من ميزات سبق وأن ذكرناها فإن النظام (الفيدرالي) يوفر أرضية صلبة لإعادة الثقة في نفوس الكثير من أبناء المحافظات الجنوبية والوسطى وتهامة، وبعدم العودة إلى نظام التسلط والاستبداد والإقصاء ، وهذا السبب بحد ذاته يكفي للانحياز لخيار النظام الاتحادي (الفيدرالي) رغم أن الكثير من الخبراء يعتبروه خيار صمم للدول كبيرة الحجم أو ذات الشعوب المنتمية لأعراق أو ديانات مختلفة أو متنوعة. والفيدرالية تأتي بعد الدولة البسيطة على مستوى العالم حيث أنها مطبقه في العديد من الدول منها: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والهند وباكستان وماليزيا واستراليا وبلجيكا والبرازيل والنمسا والأرجنتين ودولة الإمارات العربية المتحدة ونيجيريا وسويسرا .
ثانياً: نظام الحكم: في حالة اختيار الدولة المركبة كشكل للدولة ، فإن النظام الرئاسي كما يطبق في الولايات المتحدة الأمريكية وفي هذا النظام يتولى رئيس الدولة الإدارة الفعلية للسلطة التنفيذية ومباشرة شؤون الحكم مع نائبه المنتخب وبدون وجود رئيس حكومة، سيكون الأنسب والأفضل للأسباب التالية:
1- إن بلادنا من أصغر البلاد التي تطبق النظام الإتحادي (الفيدرالي) فإذا ما طبقنا نظام إتحادي فإن معظم المهام التي عادة توكل للحكومة المركزية ستصبح من صلاحيات حكام الأقاليم، أوالمخاليف، أوالمحافظات، ولن يبقى من اختصاصات الحكومة المركزية إلا الوزارات السيادية بالإضافة إلى وضع الاستراتيجيات والتخطيط والاشراف بالنسبة للوزارات الأخرى وهذه مهام يستطيع الرئيس ونائبه القيام بها ولا تحتاج إلى رئس وزراء .
2- لو تم قبول رئيس وزراء أو نظام برلماني على مستوى المركز فالإحتمال الأكبر أن يسبب إرباك كبير، إذ أن هناك مخاطر أن يدور صراع بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية أو تنازع إختصاصات ، وصراع أخر أو تنازع الإختصاصات بين رئيس الوزراء ورؤساء الأقاليم أو المخاليف .
3- قد نعود لتكرار سلبيات النظام السابق حيث كانت الصلاحيات في أغلبها بيد رئيس الجمهورية، ومع ذلك تحمل المسئولية على رئيس الوزراء ، الذي استخدم كمشجب في كثير من الحالات لتغطية هفوات النظام، أو يقدم كقربان كل ما وصل النظام إلى طريق مسدود.
فمن ميزات النظام الرئاسي أن الرئيس ونائبه ينتخبون مباشرة من الشعب وأنهم مسئولون مسئولية مباشره أمام الشعب ، وبالتالي سيعملون بكل حرص وبأعلى مسئولية وإقتدار . إذ ليس لديهم أدنى مجال للتهرب من المسئولية.
4- النظام البرلماني يجعل السلطة كلها في يد الأغلبية ، ويهمش الأقليات البرلمانية.
5- يبدو أنه غير مناسب أو غير فعال للدول ذات التجربة السياسية الحديثة ، إذ تحتاج إلى وعي وإدراك سياسيين عاليين ، إضافة إلى تعميق التجربة الحزبية .
وبالتالي فهو يؤدي إلى ظاهرة عدم الاستقرار ، بسبب الخلافات التي تنشأ بين الكتل البرلمانية المشكلة للحكومة ، وكثرة تغيير الحكومات في الدول الفقيرة عادة ما تسبب في خسائر كبيرة وتعطيل الحياة .
6- غالباً ما يكون رئيس الحكومة أكثر طغياناً ، لأنه يعتمد على ديكتاتورية الأغلبية.
هذا فضلاً عن ميزات أخرى عامة للنظام الرئاسي منها:-
1- يوازن بين توفير فرص أفضل لعمل وحرية الحكومة ، بالمقابل يوفر للبرلمان أو ممثلي الشعب صلاحيات واسعة في الإنتقاد والرقابة والتشريع والمناقشة .
2- ضمان إستقرار الحكومة والإستقرار السياسي والإقتصادي ، بغض النظر عن التوترات الحزبية وغير الحزبية.
3- بإعتبار أن الرئيس منتخب مباشرة من قبل الشعب فإنه يكون في حل من الولاءات الضيقة، ويتمتع بهيبة وشعبية كبيرة .
4- ولأن نائب الرئيس ينتخب مع الرئيس من قبل الشعب فإنه يتمتع بصلاحيات واسعة يفيد بها الرئيس بتخفيف الأعباء عليه ويفيد الشعب ويشكل ضمان لإنتقال سلس وآمن للسلطة في حالة حصل ما يعطل الرئيس عن الإستمرار في أعماله .
مما سبق يتضح أن الدولة الإتحادية (الفيدرالية) بنظام رئاسي سيكون الخيار الأفضل ، وعليه يمكن بناء  إقتراح الهيكل التالي كبديل أمثل بناءاً على طبيعة وحجم مجتمعنا من وجهة نظري :-
أ- السلطة المركزية أو الإتحادية (الفيدرالية) ويكون مقرها العاصمة وتتكون من السلطات التشريعية ، التنفيذية ، والقضائية على النحو التالي :-
- السلطة التشريعية وتتكون من غرفتين:
1- مجلس الشيوخ أومجلس الأقيال أو مجلس:- الإتحاد ويتكون من ثلاثة ممثلين لكل مخلاف أو محافظة أو ولاية بحيث يكون المخلاف دائرة واحدة بغض النظر عن عدد السكان في كل مخلاف وهو أمر يعطي وزن أكبر للمخاليف أو المحافظات قليلة السكان . وهذا الأمر سيمكن المحافظات الجنوبية من شغل نصف المقاعد في الغرفه الأهم في البرلمان .
2- مجلس النواب :- ويتكون من مائة وخمسون عضو ينتخبون على أساس عدد السكان في عموم الجمهورية ، ويفضل إنتخابهم بالقائمة النسبية على مستوى كل مخلاف أو محافظة. وهو أمر يخفف من تأثير النعرات القبلية ،ويجعل المرشح ممثلاً للمحافظة وليس للقبيلة ، وعلى فرض أن عدد السكان 24.000.000 أربعة وعشرين مليون فسيتم تقسيم عدد السكان على الدوائر بحيث يكون في كل دائرة  60ألف ناخب، ولمعالجة الوضع لصالح المحافظات قليلة السكان يمكن توزيع الدوائر بحيث يكون مرشح لكل مائة إلى مائة وأربعون ألف ناخب بينما تكون الدوائر في المحافظات كثيفة السكان مائه وستون ألف إلى مائتي ألف ناخب.
هذا الأمر سيضيف ميزة أخرى للمحافظات قليلة السكان حيث تتمتع بعدد أكبر من أعضاء السلطة التشريعية.
ومن مهام السلطة التشريعية ، وضع القوانين الإتحادية ، وإعلان الحرب وتصديق المعاهدات ، ولها حق الرقابة والملاحقة وسلطة الإتهام وغيرها من السلطات التشريعية المعروفة .
- السلطة التنفيذية :-
ويقف على رأس هذه السلطة رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب ولمدة أربع سنوات. وله حق الترشح لفترة ثانية فقط. ويتكفل بحماية الدستور، وتطبيق القوانين، وإقتراح مشروعات القوانين وله حق رفض المشاريع والقوانين، ودعوة المجلس التشريعي إلى الإنعقاد في الدورات الإستثنائية، وتوجيه رسائل شفوية إلى المجلس وتعيين كبار القضاة والمساعدين والوزراء وكبار الموظفين بالحكومة المركزية والإتحادية. والقوات المسلحة كما أنه المسئول بصورة أساسية عن الدفاع عن الدولة بإعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعن علاقاتها مع الدول الأجنبية ،وهو الذي يعين السفراء والقناصل ويستقبل السفراء الأجانب.
كما يمكنه منح العفو وإرجاء الأحكام في الجرائم الفيدرالية بإستثناء التهم الموجهة إليه أو إلى أعضاء المحكمة العليا. وإنشاء برامج جديدة أو مناصب أو لجان أو وكالات لتنفيذ برنامج الرئيس، وتنفيذ التشريعات التي يقرها المجلس التشريعي. على أن يكون للمجلس التشريعي والمحكمة العليا الحق في إلغائها أو تعديلهاوتكون ملزمة إذا لم ينقضها الرئيس. على أن يكون للمجلس النيابي حق تجاوز نقض الرئيس بإقتراع لثلثي مجلس الأقيال. كما يمكن الإعتراض على الأوامر التنفيذيةعن طريق المحاكم في حالة إانتهاكها للدستور أو القوانين النافذةوغيرها من السلطات المعروفة في النظام الرئاسي .
وحتى يستقر الوضع ويتم تحاشي الوقوع في الظروف التي وقعت فيها مصر الشقيقة بحيث يطغي حزب واحد على السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولكي يتم إستكمال بناء الدولة أرى أن يتم إعادة إنتخاب الرئيس عبدربه منصور هادي لمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد بشكل إستثنائي كمرحلة إنتقالية، على أن يختار نائباً له من المحافظات الجنوبية يرشح معه بالإنتخابات للفترة الإنتقالية .
وينتخب نائب الرئيس مع الرئيس ، ويحل محل الرئيس في حال الوفاه أو فقدان الأهلية أو أقيل من منصبه إثر محاكمة أوإدانة .
يساعد الرئيس في إدارة الدولة العديد من الهيئات والمجالس والمستشارين يمكن الإشارة إلى أهمها كما يلي :
الوزارات التي يجب أن لا تزيد في رأيي عن خمسة عشر حقيبة بإعتبار أن أغلب الصلاحيات قد إنتقلت إلى الحكومات المحلية. وأرى أن تشمل الوزارات الآتية:-
1- وزارة الخارجية
2- وزارة التخطيط والتعاون الدولي
3- وزارة الاقتصاد والصناعة
4- وزارة المالية
5- وزارة العدل
6- وزارة التربية والتعليم
7- وزارة الدفاع
8- وزارة الداخلية
9- وزارة الزراعة والبيئة
10- وزارة العمل
11- وزارة الصحة والخدمات الإنسانية
12- وزارة الإسكان والتنمية الحضرية
13- وزارة الطاقة وتشمل(النفط والكهرباء)
14- وزارة النقل
15- وزارة الأمن القومي ( يقع عليها مسئولية التنسيق والتوجيه بين الأجهزة الأمنية كالأمن القومي والأمن السياسي والمخابرات العسكرية بالإضافة إلى مراقبة الأمن الإقتصادي)
تتبع كل وزارة هيئات ومؤسسات وقطاعات تسهل تنفيذ مهامها ، كما تنشأ مجالس وهيئات ترتبط مباشرة بالرئيس تساعده في تنفيذ مهامه منها :
1- مكتب رئاسة الجمهورية .
2- المجلس الأعلى للشؤون الإقتصادية: ويتكون من الوزراء المختصين وبعض رؤساء الهيئات وعدد من الخبراء الإقتصاديين وعلى أن يشكل الخبراء المستقلين ثلث إلى نصف عدد أعضائه .
3- المجلس الأعلى للأمن القومي : ويتكون من وزراء الأمن القومي والداخلية والدفاع والخارجية والتخطيط والتجارة والصناعة والإسكان والطاقة ورؤساء الأجهزه الأمنية ورؤساء المخاليف أو خمسة منهم بشكل دوري ومجموعة من الخبراء في الأمن والدفاع والسياسة والإقتصاد .
السلطة القضائية: وتتكون من المحكمة العليا ومجلس القضاء الأعلى أو المحكمة العليا فقط (بحسب رأي ذوي الخبرة في القضاء) بالإضافة إلى المحاكم الفيدرالية الأخرى . ويتم تعيينهم من قبل الرئيس و بموافقة مجلس الأقيال وبترشيح من المجلس الأعلى للقضاء .
وللسلطة القضائية حق تفسير القوانين وإسقاطها في حالة تعارضها مع الدستور سواءاً كانت قوانين فيدرالية أم محلية . بالإضافة إلى القضايا الأخرى التي يحددها القانون .
ويعتبر القضاء مستقلاً إستقلالاً تاماً عن السلطة التنفيذية والتشريعية بحسب الضوابط المنصوص عليها بالدستور ، بحيث يضمن العدالة النزيهة والمساواة بين جميع المواطنين .
ب- المخاليف:
تتكون الجمهورية اليمنية من ثلاثة عشر مخلاف (يمكن تسميته إقليم أو مقاطعة أو ولاية أو محافظة ولكنني أحببت إستخدام التعبير اليمني)على النحو التالي :
1- مخلاف المهرة                                       8- مخلاف إب ويشمل وصاب والمنطقة الساحلية غربه
2- مخلاف حضرموت                                 9- مخلاف صنعاء بالإضافة إلى ذمار، وريمه، ومأرب
3- مخلاف شبوه                                      10- مخلاف الحديدة ويشمل المحويت
4- مخلاف أبين                                         11- مخلاف الجوف ويشمل عمران، وحجه، وصعده
5- مخلاف لحج                                        12- مخلاف أمانة العاصمة
6- مخلاف الضالع ويشمل الضالع والبيضاء       13- المنطقة الحرة عدن    
7- مخلاف تعز
وبهذا نكون قد حققنا ميزةالحجم الإقتصادي الأفضل بقدر الممكن مع المحافظة على البساطه في الإدارة وبأقل تكلفة ممكنة، فتقليل عدد المخاليف إلى خمسة أو سبعة سيضطرنا إلى إضافة مستوى إداري وسيط بين قيادة الإقليم أوالمخلاف والمواطن وهو (المحافظة) وهو ما يزيد من تعقيد وصعوبة الإدارة ويمكن يؤدي إلى تنازع السلطات بين قيادة المخلاف وقيادة المحافظة.
ينقسم كل مخلاف إلى عدد من النواحي أو البلديات يديركل منها مجلس محلي منتخب ، بهذا البديل يكون لكل مخلاف برلمان أو مجلس نواب من غرفة واحدة أو مجلس واحد ينتخب أعضائه بنفس طريقة إنتخاب أعضاء مجلس النواب الإتحادي ولمدة ست سنوات ولا يحق للعضو إعادة ترشيح نفسه لبرلمان المخلاف ولا للبرلمان الإتحادي إلا بعد مرور دورة إنتخابية ، على أن لا يزيد عدد أعضائه عن عدد البلديات أو النواحي بحد أقصى ثلاثين عضو ولا يقل عن عشرين عضو .
كما تتكون السلطة التنفيذية بالمخلاف من رئيس ونائب أو حاكم منتخب من قبل مواطني المخلاف لمدة خمس سنوات وبإمكانه الترشيح لدورة ثانية فقط ويساعده مجلس تنفيذي مكون من مدراء ورؤساء المجالس المحلية والبلديات والذين يعقدون اجتماعات دورية كما يساعده في إدارة شئون المخلاف عدداً من الوزراء المحليين .
ويتكون مجلس الوزراء المحلي أو المجلس المحلي على النحو التالي:-
1 - وزارة التجارة والصناعة ( ويشمل اختصاصات التخطيط )
2- وزارة المالية                                      3- وزارة الصحة والخدمات الإنسانيه
4- وزارة العدل                                       5- وزارة العمل
6- وزارة التربية والتعليم                            7- وزارة الإسكان والتنمية الحضرية
8- وزارة الداخلية                                     9-  وزارة الطاقة
10- وزارة الزراعة والبيئة                          11-  وزارة النقل
هذا فضلاً عن مكتب الحاكم ورئيس المخلاف والهيئات والمؤسسات والمجالس المحلية التي تعينه على أداء عمله على أكمل وجه كما تدار البلديات أو النواحي من قبل مجالس بلدية منتخب مباشرة من مواطني البلدية .
ثالثاً: السلطة القضائية: ويعتبر القضاء مستقلاً إستقلالاً تاماً عن السلطة التنفيذية والتشريعية بحسب نصوص الدستور .
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كلمة 26 سبتمبر: الحديدة غراد
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
اللواء / علي محمد الكحلاني
وهج:اليمن.. عصية على العدوان
اللواء / علي محمد الكحلاني
مقالات
كلمة  26 سبتمبرمسؤولية المتحاورين
كلمة 26 سبتمبر
استاذ/عباس الديلميأبناء الناس
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/عبدالوهاب البناحينما لا نفكر
كاتب/عبدالوهاب البنا
كاتب/حمزة عباس صبريالحكمة اليمانية
كاتب/حمزة عباس صبري
مشاهدة المزيد