الأربعاء 19-09-2018 02:53:46 ص : 9 - محرم - 1440 هـ
فضائيات الصخب والتراشق بالكلمات
بقلم/ دكتور/عبدالعزيز المقالح
نشر منذ: 5 سنوات و 5 أشهر
الخميس 18 إبريل-نيسان 2013 07:42 ص
 لا أخفي حقيقة البهجة التي توفرها لي القنوات الفضائية، ولا الشعور بالزهو حين امسك بخيلاء مفتاح القنوات «الريموت» وابدأ في التنقل من قناة الى اخرى ومن بلد الى آخر وكأن العالم كله صار في متناول يدي، لكن هذه الخيلاء وهذا الزهو الذي يصل الى درجة الغرور لا يخفيان حالة القلق العميق من انحراف التوجه في بعض الفضائيات وما تقدمه من أعمال فنية هابطة ومن «حوارات» تافهة الاسلوب والاداء خالية من كل معنى ايجابي يساعد على انتشال مجتمعاتنا العربية من حالات التعصب ومن الجهل في طريقة طرح الآراء والاستفادة من الاجواء الجديدة التي تدعوالى انتهاج الوسائل الديمقراطية في الاقناع وشرح وجهات النظر لاسيما وهذه«الحوارات» تتم على مرأى ومسمع من ملايين البشر لا يرغبون في معرفة الحقائق فحسب، وانما في معرفة الكيفية التي يتم بها التوصيل.
والوطن العربي كما يعرف الجميع طالع من مرحلة غياب تام لمفهوم الحوار والمواجهة بين الرأي والرأي الآخر، وهذا الوطن خارج من سنوات جدب ديمقراطي ولا يصح، بل لا يجوز ان تقوم بعض الفضائيات العربية بتقديم الوجه القاتم والمشوه للتعبير عن حرية الرأي وتبادل الآراء حول القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، وكم هو جميل ان ينتبه المتحاورون على شاشات هذه الفضائيات الى تجنب الانفعال والى ان يتذكروا انهم ليسوا وحدهم وان الغرفة الضيقة التي يتحاورون تحت سقفها تتحول الى فضاء واسع وانهم في كل حديث او حوار يؤسسون لصورة المستقبل العربي ولتقاليد لم تكن موجودة من قبل في حياتنا، وهم بذلك مطالبون بان يتجنبوا التشنج والعنف في الكلام حتى لا يسيئوا بافعالهم او بالاحرى باقوالهم الغاضبة والمنفلتة الى هذه البدايات التي من شأنها ان تقودنا نحو حوارات اهم واشمل.
لقد تكاثرت الفضائيات في وطننا الكبير، وتوالدت واصبح الانسان العادي في الوطن العربي والعالم يتندر ساخراً بأن وسائل الاعلام الحديثة باتت تمتلك من الخصوبة في التنامي والتكاثر السريع ما لا تمتلكه الارانب المشهورة بالخصوبة العالية، ولا أرى عيباً في هذا التكاثر في حالة انضباطه وامتلاكه لقدر كاف من الوعي الصحيح بالمهمة الملقاة على عاتق هذه الوسائل، فالاكثار من منابر القول يعكس واقع التنوع والتعدد الثقافي والفني والفكري والسياسي ويعطي للباحثين الصادقين عن الحقيقة مجالاً اوسع ويمنح للمتحاورين مساحة ارحب في الكشف عن اهدافهم والتعبير عنها بإخلاص وحرية، وبعيداً عن القمع والضغوط التي سادت لأزمنة طويلة في هذا الجزء من العالم.
ولطالما شكونا وشكت الاجيال التي سبقتنا من ضعف التواصل او بالاصح غيابه وعندما اصبح التواصل ممكناً كادت تفسده اللغة المتشنجة بل كادت تقضي عليه في مهده، وكإنما كانت بعض القنوات تبيت لأمر ما وتهدف الى هذه النتيجة الافسادية وإلا فما الذي يرغمها على بث برامج يتجسد فيها العنف الكلامي في افظع صوره وحالاته، ولا يوجد سبب واحد يمنع القنوات من ان تشترط على المتحاورين فيها ان يلزموا جانب العقل والاحترام المتبادل في طرح وجهات نظرهم القابلة للخطأ والصواب والتي لا يتوقف على رأي أي طرف منها اصلاح الكون او تدميره، فما هو إلا كلام في الفضاء مهما كبرت الالفاظ وتشنجت العضلات.
وما يبعث على الأسف أن برامج الحوار الجاد في هذه الوسائل الإعلامية البالغة التأثير قد انحسرت وبدأت في الضمور والضعف يقابلها نشاط غير متوقع لبرامج الحوار الصاخب والاستفزازي الذي يتساوى من حيث الإثارة مع برامج فضائية أخرى عن المصارعة والملاكمة وما تحرزه من أنصار ومشاهدين يجدون في متابعتها تنفيساً لبعض ما يكمن في صدورهم من رغبات عدوانية مكبوتة ضد الآخرين.. وكم حزنت وأحزن لتبديد هذه الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها بعض الفضائيات العربية في إغراق المشاهد في التفاهات الفنية وما في مستواها فكرياً وسياسياً، واتفق مع ذلك الكاتب الذي ذهب الى القول بأن أكبر نجاح حققه هذا التكاثر المتلاحق ليس إلاّ في تفريخ أعداد من غير الموهوبين وغير المؤهلين للقيام بأعمال فنية هابطة وأدوار بالغة التفاهة بقصد سد الفراغات أو بالأصح الخواء الذي تعاني منه هذه الشاشات التي لا تشبع ولا ترتوي.
وكثير هم أولئك الذين يعبرون عن قلقهم العارم وخوفهم على مصير هذه الفضائيات من خلال إفساد علاقتها بالجمهور الواسع إذا ما استمر ذلك هو حالها والبحث عن الإثارة الوقتية وتحويل قضايا الأمة وهي على درجة عالية من الأهمية الى التراشق بالألفاظ والانجراف بالحوار الموضوعي وتحويله الى صخب متشنج يفقد معه المتحاورون توازنهم وتفقد معه القضايا المطروحة -إن كانت هناك قضايا- أنصارها..
إن من حق أي طرف محاور أن يعتبر الحق معه ولكن ما هي الطريقة الناجحة التي تجعله يثبت ذلك بالمنطق الهادئ والطرح الموضوعي وليس بالضجيج والتلويح بالأيدي والضرب على الطاولة.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
مقالات
استاذ/عباس الديلميتحاوروا.. تآلفوا
استاذ/عباس الديلمي
صحيفة 26 سبتمبرلننتصر ليمننا الجديد
صحيفة 26 سبتمبر
دكتور/محمد حسين النظاريأين الدولة من تخريب الكهرباء ؟؟!
دكتور/محمد حسين النظاري
عبد الله علي السنيدارثروات هائلة.. واقتصاد هش؟!
عبد الله علي السنيدار
مشاهدة المزيد