الأربعاء 21-11-2018 09:04:40 ص : 13 - ربيع الأول - 1440 هـ
اعتذارٌ لخزيمة وسُكّانِها
بقلم/ جميل مفرِّح
نشر منذ: 5 سنوات و 9 أشهر و 28 يوماً
الثلاثاء 22 يناير-كانون الثاني 2013 09:30 ص

قد نفشلُ في أيِّ شيءٍ وربما في كلِّ شيءٍ.. عدا الفشل فإنَّنا لا نستطيعُ أن نفرَّط فيه.. لأنَّنا تعوّدنا على أن يكونَ قريباً من لحظاتنا وتفاصيلنا ومجملِ متعلقاتنا.. حدَّ أنّهُ أصبحَ جزءاً لا يتجزأُ من تكويننا ومن كونِنا الفائضِ عن الحاجة.. والأمرُ الأقربُ سوقاً إلى الإحباطِ وخيبةِ الأملِ, أنّنا لا نكتفي بالفشلِ حين نحقّقهُ أو نوقعُ أنفسَنا في براثنِهِ, وإنما لا نفتأُ نبحثُ عن ضحيةٍ نُحمّلُها أسبابَ وتبعاتِ فشلِنا ما استطعنا!! لأنّنا, بالرَّغمِ من انهزامِنا المُطلقِ وسلبيتِنا البالغةِ, لا يسهلُ لنا وعلينا الاعترافُ بالفشلِ, ولا نُكلّفُ أنفسَنا مشقّةَ مواجهتِهِ أو تعويضَ خساراتِنا المُتتالية.. فدوامَ ما نجدُ أنفسَنا أكسلَ وأضعفَ من ذلك!!

الحقيقة أقولُ.. لم أشعرْ في كاملِ حياتي بالفشلِ ولم أكدْ أعترفُ طوالَ عُمري بالأنانيةِ والانتهازيةِ وادِّعاءِ الباطلَ.. ولم أنلْ من نفسي توبيخاً ونقداً وهجاءً ورثاءً أيضاً، كما حصلَ معي وأنا أراجعُ تفاصيلَ وأحداثَ آخرِ زيارةٍ اختياريةٍ قمتُ بها لمقبرة.. لأنّها كانت زيارةً مختلفةً تماماً عمّا سبقَ وقمتُ به شخصياً.. فلم يسبقْ أنْ زرتُ مقبرةً إلا مُتمنطقاً الخشيةَ والرّهبةَ والاتّعاظَ، طامعاً في أجرٍ أنالُه فأصلحُ شيئاً ممّا أفسدَ العُمرُ.. غير أنَّ زيارتي الأخيرة لمقبرةٍ, والتي كانت تلبية لدعوةٍ من عدد من الزملاء والأصدقاء الأدباء والفنانين, لم تكن إلا إثارةً لضجيجٍ وغبارٍ, الموتى أبعدُ ما يكونُ عن الحاجةِ إليهِ, فما بالنا بالأحياء!!

كان هدفَ هذه الزيارةِ الإعلانُ عن موقفٍ احتجاجي على المواتِ الثّقافي الذي شهدته وتشهدُه السّاحةُ اليمنيةُ منذ قرابة عامين, وذلك بالطّبعِ راجعٌ للأوضاعِ غيرِ المُستقرَّةِ التي يشهدُها الوطنُ عموماً.. تجمَّعَ في هذه الفعالية –إن جازت لها التّسميةُ- عددٌ كبيرٌ من الأُدباءِ والكُتّابِ والفنانين والحقوقيين المُعجبين بفكرةِ إقامةِ صباحيّةٍ إبداعيّةٍ ومعرضٍ فنيٍّ في مقبرة، وكثيرٌ ممّن أصابهم الخُمولُ الإبداعيُّ والإنتاجيُّ ووجدوها فرصةً لتحميلِ سواهم مبرراتِ وأسبابَ خمولِهم أو بياتِهم الذي استمرَّ لأشتيةٍ عدَّةٍ، رامياً بهم خلفَ أسوارِ الوجود!! مع أنِّ البدائلَ التي تثبتُ الحضورَ أكثر وأجدى من أن نلجأَ إلى الموتى لينقذونا ممّا نحن فيهِ مِنْ تيهٍ لا حدود له..

والذي يكادُ يبدو واضحاً أنَّ هذا التّصرُّفَ والوضعَ ليس إلا محاكاةً وانعكاساً للأوضاعِ الحياتيةِ عموماً والسّياسيةِ خصوصاً.. فروَّادُ السّياسةِ أيضاً يعيشون ذاتَ التخبُّطِ والإعياءِ وكلٌّ يحاولُ أن يظهرَ في الصّورةِ المُثلى، مُلقياً على سواهُ أسبابَ ما يعيشُهُ الوطنُ عموماً من فوضىً عارمةٍ, بتنا لا ندركُ لها أولاً ولا آخر, كما لا ندركُ مَنْ وما أوقدها!! ومَنْ وما سيطفئها!! والمتابعُ لأصداءِ هذه الحركةِ التي تشبُهُ تعلُّقَ الغريقِ بالقشّةِ، سيجدُ أنَّ كثيراً من الأدباءِ والفنّانين والكُتّاب يتسابقون على إسنادِ فكرتِها إلى أنفسِهم، وكأنَّها –أي الفعالية- أقصى وأنبلُ وأبرعُ ما يمكنُ أن تقومَ به شريحةٌ بإمكانِها إعادةُ صناعةِ التّاريخِ والحدُّ من كلِّ هذه الفوضى المُدمّرةِ, لا أنْ تلجأ إلى مُزاحمةِ المَوتى في أبديتِهم ومحاولةِ حشرِهم فيما نصنعُهُ لأنفسِنا من فوضىً وهزائمَ اختياريةٍ لا تليقُ بمثلِنا على الإطلاق!!

انظروا كم نحن أبناء هذا العصر اتّكاليون وسلبيون!! حتى الموتى لم نتركهم في دعتهم الأبدية.. نريد أن نستغلهم ونحتمي بهم ونستكثر عليهم دعتهم ونتقرَّب بهم من قضاء حوائجنا الدنيوية أو رواج قيمنا وأفكارنا البالية بلى قلوبنا وأرواحنا!! تُرى لو كانت منفعتنا وشهرتنا من تغييبهم وتهميشهم وهيئ لنا ذلك.. أيمكن أن ندَّعي أننا من واراهم الأجداث؟! ربما.. لا بل بالتأكيد سنفعل لأنّنا جيلٌ لا يخطئه الابتكار ولا يفوته الانتهاز..

في الأخير المعذرة لخزيمة التي جئناها ذلك الصباح موتى نسير على أقدامنا.. والمعذرة لسكّانها الذين جلبناهم من سكونهم ليكونوا جمهوراً مُصفّقاً لخطابٍ لا يعرفون كنهَهُ وغاياتٍ لا يدركون لها معنى... و...، ...، والمعذرة للجميع حتى أنا..

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الفقيه
بـوح الحروف:لا تصالح.. مع «الأنا»..!!
أحمد الفقيه
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
رهانات تحالف العدوان الخاسرة !!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
دكتور/محمد حسين النظاريالهادي.. رجلٌ بأمةٍ
دكتور/محمد حسين النظاري
كاتب/أحمد الحبيشيتداول الأيّام والأعوام
كاتب/أحمد الحبيشي
دكتور/عبدالعزيز المقالحالحوار في زمن التخلف!
دكتور/عبدالعزيز المقالح
دكتور/محمد حسين النظاريبالعلم نبني اليمن
دكتور/محمد حسين النظاري
استاذ/عباس الديلميعباس الديلمي يكتب (تعز)
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد