الأربعاء 14-11-2018 06:20:19 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
مشروعية المقاطعة العربية لاسرائيل
بقلم/ سفير/عبدالله محمد الراعي
نشر منذ: 12 سنة و 4 أشهر و 28 يوماً
الجمعة 16 يونيو-حزيران 2006 06:56 ص
ما ان تمكنت اسرائيل بدعم من الولايات المتحدة الامريكية واستراليا والدول الغربية الاخرى من الغاء قرار الامم المحدة رقم (3379) المساوي بين الصهيونية والعنصرية، على خلفية استغلال المتغيرات الدولية واستثمار نتائجها الآتية في مصلحة اسرائيل، حتى بدأ الحديث يدور عن اتجاه جديد تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا يرمي إلى انهاء المقاطعة العربية لإسرائيل على خلفية المتغيرات الدولية وبدعوى أن وقف العمل بالمقاطعة من شأنه تشجيع اسرائيل على المضي في مسيرة السلام، وكان آخر ماصدر عن المسئوولين الأمريكيين قبل فترة بهذا الصدد قول وارن كريستوفر وزير الخارجية السابق من أن بلده ستبذل قصارى جهدها من أجل إنهاء المقاطعة لأسرائيل وتحرك عدد من السناتورات باتجاه مطالبة كلينتون بانهاء المقاطعة العربية، ويلاحظ على هذا الاتجاه انه بدأ خلال المرحلة الراهنة يتخذ شكل ممارسة الضغوط على بعض الدول العربية كي تنهي المقاطعة من الدرجة الثانية والثالثة وعلى أرضية مايمكن وصفه بمقايضة سياسية غير منصفة وصولاً الى تفكيك نظام المقاطعة على نحو تام، فماذا عن خلفية هذا التحرك باتجاه انهاء المقاطعة العربية؟ وماذا عن مشروعية المقاطعة ومستقبل العمل بنظامها؟
أولاً خلفية المقاطعة والتحرك المضاد لها وكان لتطبيق نظام المقاطعة العربية تأثيرات بالغة الخطورة على دور اسرائيل في اطار تنفيذ المشروع الصهيوني، فهذا المشروع بوصه مشروعاً استيطانياً يستند في تحقيق اهدافه الاستراتيجية على الغزو المادي، كاحتلال الارض واستيطانها والغزو الثقافي والاقتصادي لغرض الهيمنة الصهيونية على منطقة الشرق الأوسط، اخذ يصطدم بصعوبات كبيرة اثر فرض المقاطعة الأقتصادية والسياسية والثقافية من قبل العرب على اسرائيل والشركات الأجنبية المؤيدة لها والمتعاملة معها، وقد تبدت هذه الصعوبات في انكماش الدور غير المباشر لأسرائيل في تنفيذ هذا المشروع واستكمال مراحله، ونقصد بالدور غير المباشر هنا، التغلغل الأسرائيلي في الوطن العربي من الناحيتين الثقافية والاقتصادية ، فاسرائيل الحالية وبالرغم من انها وليدة الفكرة الصهيونية ومشروعها لكنها في الواقع تبقى اداة لاستكمال الهدف الكلي والنهائي للمشروع الصهيوني، فهذا الهدف طبقاً لاعترافات القادة الصهاينة وعلى رأسهم «دافيد بن غوريون» «واسحق شامير» يتحقق فقط عندما تتمكن الصهيونية من إقامة اسرائيل الكبرى المزعومة لتجسيد امبراطوريتها التوارثية الخرافية، واذا كان (بن غوريون) في أوائل الأربعينيات قد عبر عن هذه النظرة بقوله إن إقامة دولة يهودية ستكون وسيلة لأنجاز الصهيونية في الظروف الجديدة التي ستعقب الحرب العالمية الثانية) فإن «اسحق شامير» عبر عنها بقوله (ان الهجرة اليهودية الواسعة تحتاج ايضاً الى اسرائيل الكبرى» فيما عبر « اسحق رابين» عن النظرة نفسها برفض اسقاط شعار اسرائيل الكبرى من قاموسه السياسي ورفض الأنسحاب الى حدود ماقبل عدوان حزيران 1967م وبما يؤكد ان اسرائيل الحالية كانت وستبقى وسيلة لأنجاز المشروع الصهيوني ومن هنا يتضح ان جانباً من الجوانب المهمة لخلفية الأتجاه الرامي لانهاء المقاطعة العربية يكمن في تمكين اسرائيل من ممارسة دورها كأداةٍ في اطار العمل من أجل استكمال تحقيق مالم يتحقق من المشروع الصهيوني ، فالغزو الصهيوني للوطن العربي لايقتصر على الجانب المادي فقط مثل احتلال الأرض واستيطانها بل يتعداه الى السيطرة الاقتصادية والتجارية على اسواق المنطقة والى غزو ثفافي يستهدف تدمير الثقافات التاريخية لشعوب المنطقة على خلفية التزوير الصهيوني اليهودي للتاريخ وحتى تكون الثقافة الصهيونية هي السائدة، ومثل هذا الوضع الذي تسعى الصهيونية واسرائيل الى ترسيخه في الشرق الأوسط لايستقيم وسط مقاطعة سياسية واقتصادية وثقافية محكمةٍ من جانب العرب، لذلك فالبديل هو تفكيك نظام المقاطعة العربية من أجل أن يفتح الوطن العربي امام اسرائيل ومخططاتها الصهيونية، ولهذا تحديداً تبقى النـظرة الأسرائيلية للسلام هي ان يكون مجرد وسيلة فقط من أجل اطلاق الدور الوظيفي لأسرائيل في اطار تحقيق المشروع الصهيوني ، وهذا يعني ان السلام ليس هدفاً او غاية بالنسبة لاسرائيل بل هو مجرد حالة من التسوية تسعى لاقتناصها وتوظيفها في خدمة الهدف الاستراتيجي الذي أقيمت لأجله اصلاً، ومثل هذه النظرة جرى توصيفها بدقةٍ من جانب «بن غوريون» عندما قال (ان اتفاقاً مع العرب هو امر ضروري لنا ولكن ليس من أجل خلق سلام، اذ ليس من الممكن بناء البلاد في وضع من الحرب الدائمة ، ولكن السلام هو وسيلة لنا، وان الهدف هو التحقيق الكامل والمطلق للصهيونية ومن اجل هذا فقط نحتاج الى الاتفاق، واذا كان هذا القول قديماً بعض الشيء فإن معطيات الموقف الأسرائيلي المراوغ والمناور والمتعنت من عملية السلام تثبت ان اسرائيل مازالت تنظر الى السلام والتسوية كمجرد وسيلة لأضفاء طابع الشرعية على عدوانها واحتلالها للأرض العربية تمهيداً للأنتقال الى مرحلة جديدة تهيؤها ظروف انهاء المقاطعة العربية فيما لو تحقق لها ذلك ولن يتحقق .. هذا من الناحية الاستراتيجية، اما من الناحية الاقتصادية فإن الغاية من    انهاء  المقاطعة
العربية تكمن في فتح أفاق واسعة امام اسرائيل من تخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة الامريكية، فأمريكا لايمكن ان تظل الى مالانهاية مصدر دعم وحيد تقريباً لأسرائيل يغرق عليها المال والسلاح وحتى الغذاء، ولابد لهذا الوضع من ان يتغير ، ولابد لتغييره ان يتحقق في انهاء المقاطعة العربية وفتح أسواق المنطقة أمام اسرائيل لتمارس تغلغلها الاقتصادي فيها بما يتفق ومتطلبات انعاش اقتصادها وتأمين بدائل توفر لها ماقد تخسره في وقف المساعدات الامريكية لها، وباختصار شديد يمكن القول ان انهيار المقاطعة العربية لأسرائيل هدف استراتيجي صهيوني يتصل بشكل أو بآخر باستراتيجية اسرائيل المعمول بها منذ الثمانينيات والتي عبر عنها الكاتب الاسرائيلي أودينون بالقول (سيتوجب على دولة اسرائيل ان تنجز تغييرات واسعة المدى في نظامها السياسي والاقتصادي على النطاق المحلي جنباً الى جنب مع تغييرات جذرية في سياستها الخارجية حتى تستطيع التصدي للتحديات) ومن غير المستبعد ان يكون محور هذه التغييرات تفكيك نظام المقاطعة العربية وتفكيك الوحدات الوطنية للدول العربية على خلفية تفكيك نظام المقاطعة ذلك ان استراتيجية اسرائيل المرحلية مازالت تنطلق من تفتيت وحدة الشعب العربي القومية عبر تفتيت الوحدة الوطنية لكل دولة عربية على حده، وليس أفضل من التغلغل الأسرائيلي الى الدول العربية على خلفية انهاء المقاطعة العربية وسيلة لتحقيق هذا الهدف القديم الجديد لأسرائيل.. ان عدم مشروعية احتلال اراضي الغير بوصفه عملاً عدوانياً يرفضه القانون الدولي ويعاقب عليه بشدة، يعلن من جانب آخر المقاطعة لهذا الاحتلال كحق مشروع تلجأ اليه الدول الضحية للعدوان لتحقيق هدفين اثنين : معاقبة المعتدي علي عدوانه وتحصين وجودها من أي تهديد لاحق بسبب استمرار العدوان وسيطرة فكره ونهجه على مصدره، وفيما يخص المقاطعة العربية فإنها لم تخرج عن نطاق هذا الفهم، فهي لم تكن سبباً او مقدمة ابداً بل كانت نتيجة اتخذت شكل ردة الفعل العقلاني والموضوعي على مشروع عدواني جسدته اسرائيل بسياستها التوسعية منذ العام 1948م في الارض العربية، فالعرب لم يغزو اسرائيل في وقت من الأوقات بل كانوا دوماً عرضة لغزو اسرائيل مرحلي منظم يستهدف التوسع التدريجي في الأرض العربية، وتبلور الخطر الصهيوني على حقيقته كخطر يستهدف وجودهم وثرواتهم ومستقبلهم دفعهم الى فرض نظام المقاطعة في محاولة لدرء شرور هذا الخطر واطماعه في ارضهم وحقهم في الوجود عليها، واذا جرى النظر الى المقاطعة العربية من زاوية القانون الدولي نجد بأن هذا القانون يعتبرها حقاً مضموناً ليس فقط للدول التي تقع ضحية لعدوان او احتلال ، بل ايضاً للشرعية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة، فالفصل السابع من ميثاق الأمم المتدحة يمنح مجلس الأمن الدولي حق استخدام المقاطعة تحت اسم وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات والعلاقات الدبلوماسية ضد اي عضو يصدر عنه تهديد للسلم او اخلال به او عمل من اعمال العدوان، فلمجلس الأمن ان يقرر مايجب اتخاذه من تدابير وله ان يطلب الى اعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير ، ويجوز ان يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً او كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية، واكثر من هذا فإن الميثاق يبيح لمجلس الأمن الدولي في المادة الثانية والأربعين، حق اللجوء الى القوة لإزالة حالة التهديد والعدوان اذا ماتبين له ان المقاطعة المنصوص عليها في المادة الحادية والأربعين لاتفي بالغرض، وبالنظر الى ان حفظ السلام والأمن الدوليين يعد جزءاً من مقاصد هيئة الأمم المتحدة ومبادئها فقد نص الميثاق في مادته الأولى على انه تحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم، وإزالتها، وتقمع اعمال العدوان وغيرها من وجوه الاخلال بالسلم وكتحصيل حاصل فإن مقاطعة القوى التي تقوم بأعمال العدوان وتهدد السلم الاقليمي الدولي هي تعبير عن هذه التدابير مما يجعل المقاطعة العربية لاسرائيل العدوانية اجراءً مشروعاً تتجسد مشروعيته في مبادئ الأمم المتحدة واحكام ميثاقها.. وباعتبار المقاطعة حق من حقوق الشعوب المضطهدة ووسيلة مشروعة للدفاع عن وجودها وثرواتها وممارسة حقها في تقرير المصير والتصرف بحرية بثرواتها مبدأ نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للشعوب والأفراد .. فالمادتان الأولى والثانية من هذا العهد تضمنان «للشعوب كافة الحق في تقرير المصير والتصرف في ثرواتها وحرية تقرير كيانها السياسي والسيادة على مواردها الطبيعية».. وبمجرد التأكيد هنا على حرية تقرير الكيان السياسي والتصرف بالثروات والموارد الوطنية والقومية يباح مشروع المقاطعة كسلاح شرعي ضد اية جهة تصادر هذا الحق وهذه الحرية والمقاطعة العربية لاسرائيل لم تخرج عن نطاق هذا الاستخدام لأن اسرائيل قامت اساساً على اغتصاب حقوق شعب فلسطين والتنكر الدائم لحق هذا الشعب في تقرير مصيره وسرقة موارده الوطنية والطمع في الأرض والموارد القومية للأمة العربية (المياه والنفط والجغرافيا) ولئلا يكون ثمة لبس حول الموضوع فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة اكدت في قرارها رقم «2649» بتاريخ 30 تشرين الثاني لعام «1970م» (شرعية النضال للشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والاجنبية وشرعية اية وسيلة في متناولها من أجل تحررها واستقلالها وضمان حقوقها) وهذا التشريع يستجيب بالضرورة للمقاطعة العربية لأسرائيل باعتبارها وسيلة من وسائل الدفاع عن الوجود الفلسطيني والعربي وانتزاع حقوقه المغتصبة.. ان الميثاق الدولي لايؤكد شرعية المقاطعة وحسب، بل هو يحضُّ على ممارستها بالفعل صوناً للسلم والأمن الدوليين وعقاباً للمعتدي على عدوانه، ومن منطلق الحرص على السلم الدولي وحماية الأمن القومي العربي اتخذ العرب قرارهم التاريخي بتطبيق نظام المقاطعة واحكامه على اسرائيل والشركات المتعاملة معها لأن دعم اسرائيل من قبل هذه الشركات هو دعم لعدوانها المهدد للسلم الدولي وللأمن القومي العربي، ومن المهم ان يشار هنا الى ان المقاطعة العربية بدأت بعد ان تبين بأن لاسرائيل اطماع لاحدود لها في الوطن العربي تستهدف محو هويته القومية واقتلاع امته من جذورها الحضارية والثقافية واقامة الامبراطورية الصهيونية العدوانية على انقاض كيانها وحضارتها وثقافتها، وهذا يعني ان المقاطعة العربية تمت بسبب من اختلال اسرائيل للأرض العربية واستخدام العدوان وسيلة ثابته من قبلها للتوسع في هذه الأرض وطرد سكانها منها تمهيداً لضمها، واستيطانها، وبالتالي فإن وقف المقاطعة والغاءها يتطلبان بالضرورة الغاء الأسباب التي ادت لطرحها وفي المقدمة منها تخلي اسرائيل عن استراتيجيتها التوسعية والكف عن الادعاد بأن حدودها تتسع لكل الوطن العربي، والامتناع عن مواصلة التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وعن الاستمرار في احتلال الأرض العربية..
ان المسألة المطروحة الآن هي ايهما اسبق العدوان الصهيوني والاحتلال الناجم عنه أم المقاطعة العربية..؟ واذا كانت وقائع الصراع تقول بأن الاحتلال هو الذي سبب المقاطعة ، فالأولى بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والدول التي تطالب بإنهاء المقاطعة العربية ان تطالب قبل ذلك بانهاء الاحتلال الصهيوني وعدوانه المستمر وان تعمل فعلاً من اجل الغاء الاحتلال بوقف دعمها اللامشروع له وتطبيق احكام الميثاق الدولي عبر مقاطعة اسرائيل صوناً للأمن الدولي وعقاباً لها على استخفافها بالشرعية الدولية وعدوانها على حقوق العرب.. ثم ان العمل بنظام المقاطعة لم يقتصر على العرب فقد سبق وجرى العمل بهذا النظام في مواجهة الكيان العنصري في جنوب افريقيا في وقت سابق نتيجة انه نظام ينتهك مبادئ الأمم المتحدة وشرعيتها بمحاربتها العنصر ية الجائرة، كما جرى قبل اقل من ثلاث سنوات تقريباً تطبيق نظام المقاطعة بشكل صارم على اكثر من بلد وبدون الالتزام بالمعيار الثابت مبدأ لميثاق ومبادئ الأمم المتحدة.. ان على الذين يعملون للضغط على العرب لإنهاء مقاطعتهم لاسرائيل وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ان يعملوا على إزالة الأسباب التي قادت العرب الى استخدام حقهم المشروع في مقاطعة كيان يرفض السلام ويغرق حتى قرطي اذنيه في احلام التوسع والعدوان..
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حميد رزق
أمريكا تدعوا لوقف الحرب وتحالف السعودية يصعّد: وجهان لعملة واحدة
حميد رزق
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الأحداث:العيب فينا وليس في سوانا
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
المبادرةُ الأمريكيةُ جِهَنَمِيّةُ الأهداف محفِّزةٌ على الاصطفاف
عبدالسلام التويتي
مقالات
دكتور/عمر عبد العزيزاليمن والمسألة الصومالية
دكتور/عمر عبد العزيز
رسالة مفتوحة
عميد ركن/ رزق صالح الجوفي
استاذ/عباس الديلمياستجابةً لصديقي
استاذ/عباس الديلمي
كلمة  26 سبتمبرالسلطة المحلية
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد