الثلاثاء 18-09-2018 16:39:46 م : 8 - محرم - 1440 هـ
الحوار.. لكي يكون طريق اليمن إلى الخلاص.. لا إلى الكارثة
بقلم/ د.مطهر السعيدي
نشر منذ: 5 سنوات و 9 أشهر و 25 يوماً
الخميس 22 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 07:56 ص
  الاعتقاد الشائع هو أن الحوار يمثل وسيلة اليمن الأسلم وربما الوحيدة للخروج من غابة التحديات المركبة والمشاكل المستعصية التي ما زالت تتخبط بداخلها منذ عقود، ربما ليس إلى بر الأمان مباشرة ولكن إلى أول الطريق الموصلة إليه، وهذا يكفي كإنجاز مرحلي عظيم، ولهذا الاعتقاد مبرراته الوجيهة التي نتفق مع الكثير منها، ولكن السؤال المهم الذي لم يتم التطرق إليه بجدية كافية حتى الآن هو ما إذا كان ثمة شروط او ظروف يمكن للحوار في ظلها ان يتحول الى طريق محتمل نحو الكارثة او الكوارث الوطنية الكبرى، وماهية هذه الكوارث ومصادرها إن وجدت، ووسائل تحصين الحوار ضدها، ولعل ان هذه التساؤلات لم تثر إما لعدم التنبه لوجود هذه المخاطر أصلاً أو بسبب التقليل من اهميتها، على أننا نعتقد ان لهذا التخوف ما يبرره، وأن ثمة مخاطر حقيقية ذات مضامين استراتيجية هامة جداً يمكن ان تترتب على الحوار في حال عدم اخذ اهم المحاذير بعين الاعتبار، وان هذه المخاطر هي ذات احتمالية عالية في حال عدم التنبه لها والتعامل الفعال معها، وسوف نحاول فيما يلي الاجابة بإيجاز شديد عن كل من هذه التساؤلات المقلقة.
أما الشروط والظروف التي يمكن ان تجعل من الحوار محتملاً نحو الكارثة فإن من أهمها بالاضافة الى ضعف الدولة وانحسار هيبتها، ومن ثم دورها في كبح الممارسات الانتهازية والابتزازية والتصرف خارج حدود المشروعية الدستورية وأسس المصلحة العامة ما يلي:
1. انحصار او حتى تركز الحوار على اطراف الصراع السياسي والعسكري والأمني الراهنة وعلى مراكز القوى وجماعات المصالح ومختلف مصادر الأذى السياسي والأمني الواقعة والمحتملة على اختلاف انتماءاتها الفئوية والمناطقية بأجنداتها الفئوية الضيقة، التي تفتقر في كثير من الحالات الى الرؤية الشمولية المتوازية، وإلى الحس الوطني والأسس المرجعية للمصلحة العامة.
2. تركيز الحوار في مصعاه لتحديد خيارات ومسارات البناء الوطني المستقبلي على مقتضيات وشروط تحقيق التوافق بين القوى المتحاورة، وانحصار مرجعيات الحوار او حتى مجرد إخضاعها لمتطلبات تحقيق هذا التوافق بغض النظر عن المصالح العامة، الامر الذي سوف يعكس على نحو او آخر القوة النسبية والمصالح النسبية للقوى المتحاورة بتمثيلها المتحيز لمصلحة مراكز النفوذ وجماعات المصالح ذات الاجندات الخاصة، بما فيها التي ترى في بناء الدولة اليمنية خطراً عليها باعتبارها نقيضها الوجودي المباشر، عوضاً عن ان تكون هدفاً لها، أو تلك التي لن تقبل بهذا الهدف إلا باعتباره وسيلة لترجيع كفتها، ولضمان حد أدنى معين من مصالحها بما في ذلك شروط إدامة هيمنتها.
3. الدخول إلى الحوار دون وضوح كاف بشأن ماهية المصلحة العامة في ضوء خارطة الخيارات المجتمعية الممكنة، ومرتكزات ومسارات تحققها وحقيقة الأرادة الشعبية العامة بشأنها، وبدون التزامات واضحة بشأن تحقيق الصالح العام من خلال الحوار، او على الاقل مراعاته والتوقف عند حوافه القصوى، ودون وجود دور مجتمعي فاعل لحماية المصلحة العامة للشعب والوطن، وتحصين الحوار ضد محاولات المصلحي الانتهازي سواء على قاعدة التوافق او غيره.
أما ماهية المخاطر التي يمكن ان تترتب على الحوار في حال السير فيه في ظل المعطيات السابقة فهي كثيرة من أهمها ما يلي:
1. إنهاء بشكل حاسم أي سمة او ملمح للمرحلة الراهنة باعتبارها مرحلة انتقالية، وتكريسها كلياً ونهائياً كمرحلة تأسيسية تؤدي فقط الى تأصيل وتعزيز مرتكزات القوة والنفوذ لأطراف التوافق الراهنة وتلك التي سوف تتمخض ترتيبات الحوار بنهجه الراهن عن ضمها الى المنظومة التوافقية، وبينها العديد من القوى الانتهازية ذات الأهداف الضيقة، ومن دون النظر الى حقيقة تمثيل هذه القوى للإرادة الشعبية أو المصالح العام من عدمه حتى في إطار فئتها.
إن تحويل المرحلة الانتقالية الى مرحلة تأسيسية لتكريس سلطة قوى التوافق القائم سوف يكون له انعكاساته الخطيرة على الحوار وخصوصاً بالنسبة للقوى ذات الاجندات الوطنية الهادف الى بناء الدولة الحديثة، التي سوف تصاب بمشاعر الخذلان واليأس، واخطر من ذلك وأدهى انه سوف يعزز موقف القوى ذات الاجندات الاخرى وبالذات الانفصالية، وذلك لانه سوف يكسب هذه القيادات المزيد من التفهم لطروحاتهم الانفصالية بين منتسبي فئاتهم وخارجها، على اعتبار ان ما اشبه الليلة بالبارحة، فليس ثمة جديد حقيقي في بنية الدول او نهج بنائها، وان الامل قد تمخض وولد أناس جدد يعملون الاشياء القديمة ذاتها، ومن ثم فلا أمل في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة والعادلة، ولا سبيل الى النجاة إلا بالقفز خارج الاسوار.
إن استدعاء الشخصيات والكيانات المعادية لنهج التحديث وبناء الدولة اليمنية الواحدة الموحدة، ومنحهم الحق والصفة التمثيلية للفئة المعينة او لانفسهم، لمجرد قدرتهم على الاذى وحتى بدون سند ديمقراطي من داخل الفئة التي يمثلونها ذاتها، ومنحهم وفئاتهم حق تمثيل الشعب عموماً لتحديد اهم خياراته ومساراته المستقبلية إنما يمثل تحيزاً غير مبرر ضد المصلحة العامة وضد خيار بناء الولة الحديثة ولمصلحة تكريس سلطة القوى المهيمنة على المشهد السياسي بحكم الامر الواقع، وتكريس النموذج السابق للحكم ولصيغ التفاعل السياسي في الدولة بكل ما يحمل هذا من مخاطر السياسية والاستراتيجية المميتة لمرتكزات الاستقرار المجتمعي والسياسي والأمني، ولوحدة اليمن وللدولة اليمنية عموماً.
2. استدعاء القوى وجماعات المصالح الفئوية والمناطقية «وحتى العصابية» المتربصة في كل زاوية والمصالح المرتبطة بها والمتحالفة معها، إلى الفرصة التاريخية السانحة لتخليق وتعزيز مرتكزات نفوذها خارج إطار المعايير الواقعية العادلة للتمثيل المجتمعي والسياسي، ومنحها الاعتراف والاعتبار السياسي المحلي والدولي وما يتبع ذلك، وإكسابها من خلال ذلك المشروعية السياسية، ومنحها أدوار غير مبررة توظف لخدمة أغراضها الخاصة المجافية لأسس بناء الدولة الحديثة وتحقيق الصالح العام، وتحويلها بذلك إلى كيانات شبه مؤسسية ضمن البنية السياسية العامة للدولة، ومن ثم العبث السياسي بعناصر التنوع المجتمعي، وإطلاق حالة استقطاب سياسي شديد وواسع النطاق صراعي الطابع، يهز مرتكزات السلم الاجتماعي ويجعل وسائل ومظاهر الاستقطاب الفئوي والمناطقي والتهييج العاطفي ضمن وسائل العل السياسي الاعتيادية ولعقود عديدة قادمة إن بقي للدولة اليمنية وجود، وتحويل اليمن بذلك الى تركيبة متحجرة من الكانتونات السياسية الفئوية بما فيها القبلية والمناطقية، الدكاكينية الطابع ذات الهيمنة الأبوية للبيوتات والأسر.. اعتى وأمر من ماهو موجود في التجربة اللبنانية.
3. تحفيز القيادات وجماعات المصالح الفئوية والحزبية والمناطقية والمصالح المرتبطة بها على تعميق حالة الوعي الفئوي او المناطقي العام بأسس تميز اي منها عن بقية فئات المجتمع، والمبالغة في تصوير طبيعة التناقضات بينها وبين بقية الفئات، وإكساب هذه التناقضات مضامين إستراتيجية مصلحية وعاطفية وحتى أخلاقية لا يدعمها ولا يبررها الواقع، وذلك لظمان وتعزيز التظامن والولاء الفئوي باعتباره اهم مرتكزات هيمنة ونفوذ القيادات الفئوية سواء داخل الفئة المعينة ام ضمن البنية السياسية العامة للدولة، وإكساب عملية بناء الوعي الفئوي هذه أدوات التعميق والاستقواء الذاتي خلال الزمن، وبث ومراكمة الحساسيات والأحقاد والعقد بين أبناء المجتمع الواحد.
4. التجاوز على حق الشعب الديموقراطي في تحديد خياراته الاستراتيجية التي لعلها الأهم والأبعد أثراً على مدى تاريخه كله قديمه وحديثه، وتقرير ذلك من خلال الحوار الذي لم يحضره الشعب ولم يحدد شروطه وكيفياته ولا مبتداه او منتهاه، والذي تتحدد فيه الصفات والأدوار على اساس معطيات الامر الواقع في مجال قدرات ممارسة العنف اللامشروع او في مجال التهويل الإعلامي الذي أكثر ما يعكس هو النفوذ الإعلامي، ولم تثبت اسسه الواقعية في اوساط الشعب، ومع ان الشعب ليس على اي نحو شريك في لعبة صراع مجموعات المصالح ومراكز النفوذ التي لا يربط معضمها بالشعب او بمصالحه رابط حقيقي يذكر.
5. الإجهاز على هدف بناء الدولة المدنية الحديثة، وذلك من خلال تأصيل نفوذ القوى وجماعات المصالح المعادية لبناء الدولة اليمنية الحديثة عن وعي أو عن غير وعي، ومن خلال تأصيل مرجعيات وأساليب العمل السياسي المناقضة لمتطلبات بناء دولة المواطنة المتساوية والفرص المتكافئة وسيادة القانون، واستبدالها إما بدولة مراكز ومشيخات النفوذ التقليدية فئوية «بما فيها القبلية» أم مناطقية او الحرب الأهلية.
إن المصلحة النهائية لكل ذلك هي الإسهام الفاعل في توسيع وتأصيل وتنظيم وتحفيز مرتكزات الصراع المجتمعي متعدد البؤر والأبعاد، ومنحه الحوافز المصلحية والأطر المؤسسية واسس المشروعية السياسية ومشروعية التمثيل الفئوي او المناطقي، وكذا المشروعية الدولية، ومدة بوسائل العمل وبمقومات الفاعلية التي ما كان يحلم بها بدون الحوار، وكما ان الحوار يسعى الى التركيز المتحيز لانتقاء القوى والشخصيات ذات الأجندات الخاصة، وتحفيزها للتوافق فيما بينها لتعزيز حضورها وفاعليتها، ومن ثم منحها الصفة الاعتبارية في تمثيل فئة مامن غير مجرد السؤال عن رأي هذه الفئة، ثم الدخول معها في حوار استراتيجي حول مستقبل البلد كله، كل ذلك حتى من قبل سؤال عن ما إذا كان هؤلاء يقرون بالانتماء والولاء المبدئي للوطن أم لا، وهو ما يشبه سعي شخص ما لحفر هوة سحيقة في منتصف طريقه بغرض محاولة عبورها، وهذا إن صح فلعله نهج لا يعد إلا بالويل والثبور وعضائم الامور، فهو في افضل حال سوف يؤدي الى تحول اليمن الى نسخة اكثر تعقيداً وتحجراً واقل مرونة وتمدناً عن النموذج اللبناني، وفي اسوأ حال فهو اشبه ما يكون بحشو اليمن بحزام ناسف يمكن تفعيله بفتيل الحوار الفاشل، الذي يمكن ان يضع اليمن ككيان وكدولة في اتجاهه الأخير نحو التدمير الذاتي من خلال حروب لا تبقي ولا تذر إذ لا يمكن ولا يتصور ان يجري تمزيق اليمن بدون حرب «او حتى بحرب»، أما ما يتعلق بإمكانية وأسلوب وشروط تجنيب الحوار هذا المآل المفزع وتأهيله للدور الوطني المرتجى منه، فنحن نعتقد ان هذا ممكن من حيث المبدأ إذا ماتم تجنب المحاذير السابق الإشارة اليها تحصين الحوار بالمقومات الحقيقية لإنجاحه ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:
1. تطوير ما يمكن تسميته بمرجعية الصالح العام وتتضمن الأسس والضوابط والأهداف التي يعتبر الخروج عنها مساساً بالمصلحة العامة، وجعل هذه المرجعية ملزمة للحوار وللمتحاورين جميعاً، والإعلان عنها للشعب وتوعيته بأهميتها، وبدوره بمختلف كياناته وافراده «بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني» في ممارسة الرقابة الصارمة للتأكد من الالتزام بها، وفي الدفاع عنها باعتبار ان الشعب هو حاميها الاكبر والاخير.
2. توسيع وتنويع قاعدة المشاركة الفعلية «وليس الشكلية» في الحوار على الاسس وبالكيفية التي تمكن من التعبير عن إرادة ومصالح مختلف فئات الشعب على نحو متوازن وعادل، وإزالة أي حيف او تحيز لمصلحة اطراف الصراع الدائر وتحالفاتهم، وجماعات المصالح المنظمة والنافذة، التي تمتلك وسائل الاستقواء والابتزاز والإيذاء السياسي والأمني للمجتمع، وتمتلك الجراءة الاخلاقية والمسلكية لتوظيفها لخدمة مصالحها واجنداتها الخاصة.
3. التأكيد على ألآ يتمخض عن الحوار اي خيارات استراتيجية بشأن كيان الدولة اليمنية وخيارات بناءها الذاتي المستقبلية، واي حقوق استثنائية فئوية انت او مناطقية وجعل هذه القضايا منوطة بالشعب يقررها من خلال مؤسساته الدستورية في ظل الظروف الاعتيادية، وخارج إطار اي وضع استثنائي يتيح الاستقواء او الابتزاز او الالتفاف على الإرادة والمصلحة العامة.
4. الحيلولة بكافة الوسائل دون تحول المرحلة الانتقالية الراهنة الى مرحلة تأسيسية لترسيخ هيمنة القوى المسيطرة حالياً على مفاصل الدولة وقدرات ممارسة العنف في المجتمع، من خلال الاستقواء على المجتمع ومحاربته في قوته وغير ذلك من ضروريات الحياة كالكهرباء والدواء والتعليم والشارع الآمن والطريق السالك..، ومن ثم رسم نهج التحولات السياسية المستقبلية على النحو الذي يعزز مرتكزات نفوذها على المدى الطويل، والتأكد من إتاحة بيئة مواتية لتفاعل القوى السياسية والمجتمعية، على النحو الذي يعزز فرص التفعيل العادل للإرادة الشعبية ولأسس ومرتكزات بناء الدولة، وجعل المصلحة العامة هي مرجعية الفعل السياسي وغايته الأولى.
إننا نؤمن بالأهمية بل وبالضرورة الاستراتيجية للحوار لإخرج اليمن من النفق المظلم الذي تتخبط فيه، ونتمسك به لذلك، ولكننا نؤمن كذلك بان الحوار الفاشل هو بالفعل طريق الى الكارثة الوطنية الكبرى، وان عدم الحوار وكسب الوقت لمصلحة بناء وتقوية الدولة واستعادة هيبتها وتمكينها من ممارسة دورها في حماية مصالح الوطن هو رغم كل المحاذير افضل من يجرؤ الحوار الفاشل، على اننا نعتقد ان من الممكن تصميم وتفعيل الشروط اللازمة لحوار ناجح، ونعتقد ان في اليمن من الحكماء والمخلصين من ويقدر على ذلك، ولذلك فإننا ندعو الى جعل هذا الموضوع بالذات اي تحديد مقومات وشروط إنجاح الحوار، وماهية ومكامن الخطر الممكنة في إطاره، موضوعاً للتناول الجاد والمسؤول والمنظم من قبل جميع المهتمين بالأمر، وذلك قبل الدخول في موضوع الترتيبات اللوجستية والتخريجات التصالحية لضمان حدوث الحوار شكلاً، حتى على حساب دوره ومضمونه ونتائجه، وحتى إن أدى في المحصلة الى اسواء ما يمكن ان يكون.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
انفجار الوضع الشعبي في المحافظات الواقعة تحت الاحتلال
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
مقالات
استاذ/عباس الديلميحوار.. تذكرته
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/سعيد الجناحيذاكرة التاريخ (2)
كاتب/سعيد الجناحي
عميد ركن: عبدالحميد علي أحمد الغفريالحوار الوطني والتسوية السياسية السلمية
عميد ركن: عبدالحميد علي أحمد الغفري
مشاهدة المزيد