الثلاثاء 25-09-2018 05:49:15 ص : 15 - محرم - 1440 هـ
من يحارب الإرهاب .. وكيف ؟!
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 6 سنوات و شهر و 15 يوماً
الخميس 09 أغسطس-آب 2012 03:19 م

 أثارت العمليات الارهابية التي شهدتها بلادنا مؤخرا المزيد من التساؤلات حول مغزى تنامي موجة الإرهاب ، والإعلان الصريح لتنظيم (القاعدة) عن نفسه في عدد غير قليل من البلدان العربية، وتسابق الصحف الحزبية والمستقلة في اليمن على وجه التحديد لإجراء لقاءات مع مسؤولين مفترضين في تنظيم (القاعدة) بأسمائهم وصورهم الصريحة بعيدا ً عن الأسماء الحركية والصور الملثمة (!!)، إلى جانب الإسراف في نشر تصريحات وتحذيرات على لسان مصادر قيادية (أو مقربة) في هذا التنظيم الإرهابي الدولي الذي يفترض على الأجهزة الأمنية اليمنية ملاحقته بصورة جدية في داخل اليمن، كتجسيد لتعاونها مع أجهزة الاستخبارات العربية والعالمية التي تلاحقه في كل مكان في العالم، منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 13737 لعام 2001 بشأن مكافحة الإرهاب ومنعه من الحصول على مكان آمن، وقطع مصادر تمويله.

 والثابت ان الجرائم الارهابية التي أعلن تنظيم القاعدة طوال الفترة الماضية مسؤوليته عن القيام بها في اليمن و مصر والاردن والسعودية واليمن والعراق والمغرب والجزائر وباكستان، فجرت ردود فعل ومناقشات ساخنة في البلدان العربية والاسلامية، حول ظاهرة الإرهاب ومنابعه وسبل تجفيفها، حيث لم تتوقف تلك المناقشات وردود الفعل على المجتمع المدني فقط بل تجاوزته لتصل الى اعلى مستويات النظام الرسمي في عدد كبير من الدول العربية.

تأسيسا على ذلك، يمكن القول إنّ الإرهاب الذي تمارسه جماعات متطرفة باسم الإسلام يتسبب في إلحاق أضرا ر جسيمة بمصالح المسلمين عموماً، كما يسيء في الوقت نفسه الى علاقتهم بالغير في إطار المجتمع الدولي والحضارة الإنسانية المعاصرة. حيث تحاول هذه الجماعات فرض وصايتها على العقل و الحقيقة والحرية، والتحدث باسم الله، والإدعاء بحراسة الدين من خلال إباحة القتل وإهدار الأرواح وسفك الدماء ومصادرة حق الإنسان في الحياة وترويع الناس، وإثارة مشاعر الكراهية ضد أتباع الأديان الأخرى والمذاهب الاسلامية المخالفة للقطر السلفي الوهابي والمهووسين به ، وما يترتب على ذلك من تهديد مباشر للسلم الاجتماعي على مستوى كل بلدٍ إسلامي، وصولا ً الى زعزعة الأمن والسلم الدوليين على مستوى العالم الإنساني عموماً.

 المثير للدهشة أننا عقب كل جريمة إرهابية يرتكبها المتطرفون باسم الدين نكتشف حقيقة جديرة بالتأمل، وهي أنّ أخطار هذه الجرائم الإرهابية لا تهدد فقط حق الإنسان في الحياة، بل تمتد لتشمل الدين نفسه، حيث يؤدي نشر وممارسة الأفكار المنحرفة والدفاع عنها أو البحث عن ذرائع لتبريرها، إلى تشويه صورة الإسلام وتحريف رسالته السامية، وهو ما يفسر قيام رجال الدين والمؤسسات والهيئات الدينية بإصدار بيانات الاستنكار الموسمية عقب كل جريمة ارهابية، وإعلان براءة الاسلام منها، دون أن يؤدي ذلك الى وقف الارهاب الذي ارتفعت معدلاته بوتائر عالية وملحوظة رغم تكاثر لجان (الحوار) و(المناصحة) وتزايد بيانات الاستنكار والبراءة من رجال الدين الذين اعتادوا على إصدار بيانات موسمية يشبه بعضها بعضا ً بعد كل جريمة ارهابية يكتوي بها بلد عربي أو إسلامي !!؟؟

 وقد سبق لكاتب هذه السطور ان تناول في مقالات عديدة سابقة تقييما للجهد المبذول من قبل الحكومة اليمنية والحكومات العربية في مواجهة الإرهاب وملاحقة مرتكبيه، بيد أنّ هذا الجهد ظل ولا يزال محصوراً في المستوى الأمني فقط، فيما تظل المنابع التي تصنع التطرف والإرهاب آمنة وسالمة وغانمة، الأمر الذي يؤدي الى إعداد وتفريخ المزيد من المتطرفين الذين يواصلون مسيرة سابقيهم ممن طالتهم المعالجات الأمنية.

 من نافل القول أننا نرهق أجهزة الأمن كثيراً ونلقي عبء مواجهة هذا الخطر عليها وحدها حين يتم حصر مكافحة الإرهاب داخل نطاق المؤسسات الأمنية فقط، وترك منابع ثقافة التطرف والتعصب تعمل بحرية وفعالية داخل المجتمع بأسره عبر وسائل الإعلام والثقافة والمكتبات والأشرطة الصوتية ومناهج التعليم والمساجد والمعاهد الدينية التي تتبع مناهج سلفية متشددة ووافدة من خارج الحدود، وغيرها من الآليات التي تسهم في صياغة وعي الناس، وتشكيل مواقفهم واستعداداتهم وممارساتهم.

 وعليه فإنّ فعالية الدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في ملاحقة الإرهاب وحماية المجتمع من مخاطره المدمرة، لا تنفصل عن الدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع بأسره في حماية نفسه من ثقافة التعصب والتطرف والكراهية، الأمر الذي يستوجب التصدي الحازم لكل الأعمال والمناشط الفردية والجماعية التي تسعى الى إضفاء المشروعية الدينية على هذه الثقافة الهدامة والممارسات الناجمة عنها!!

 أعتقد أنّنا الآن بحاجةٍ إلى الصراحة والشفافية والابتعاد عن القوالب القديمة عند مناقشة سبل مواجهة هذه الثقافة المتعصبة، لأنّها موجودة في بعض مكوّنات البيئة الثقافية والروحية للمجتمع العربي وليست وافدة علينا من كوكب آخر، وإن كانت دخيلة وغريبة على ديننا الإسلامي الذي يُعد مكوّناً محورياً للثقافة السائدة في مجتمعاتنا الإسلامية.

 ومما له دلالة خطيرة أنّ الإرهاب المتستر بشعارات دينية في المجتمع اليمني المعروف بميوله الأصيلة للتدين، يحمل إشارة إنذار إلى مجتمعاتنا الإسلامية كي تنتبه لخطورة توظيف الدين سياسياً من أجل تحقيق أهداف دنيوية غير أخلاقية وذات أبعاد إجرامية على نحو ما حدث في مصر والاردن واليمن والسعودية والمغرب والجزائروباكستان، وغيرها من المدن العربية والإسلامية التي اكتوت بنار الإرهاب قبل ذلك.

 وبالنظر إلى مضمون الخطاب الديني لقادة تنظيم « القاعدة » فقد حاول الخطاب الغربي الموجه إلينا، الإيحاء بأنّ معضلة الإرهاب الذي يقدم نفسه من خلال خطاب ديني إسلامي أصولي تعود إلى معضلة في النص الديني ذاته، لا إلى أسباب سياسية واجتماعية وثقافية !

 سبق لنا في مقالات سابقة الإشارة إلى أنّ مراكز الأبحاث والجامعات الأمريكية والأوروبية حاولت أن تطرح تساؤلاً يتعلق بالأسباب التي جعلت جماعات العنف في العالم العربي والإسلامي تتخذ طابعاً دينياً، وتتبنى خطاباً متطرفاً يجسد فهمها الخاص للنص الديني، بمعنى اتهام الثقافة الإسلامية بأنها قابلة لإنتاج هذا النوع من العنف، الأمرالذي يسهم في تكوين موقف سلبي إزاء العرب والمسلمين في سياق ما يسمى صدام الحضارات!

 صحيح ان ثمّة محاولات فكرية عربية استهدفت تبرير الإرهاب من خلال إظهاره في صورة احتجاج إسلامي يتخذ شكل العنف، فيما أنبرت محاولات أخرى لحصر أسباب هذه الظاهرة في وجود انحراف في فهم وتأويل النصوص.. بيد أن المشكلة ليست في النص ولكن في طريقة قراءته وفهمه. فقد شهد العالم الإسلامي موجات من الاحتجاج ضد الاستعمار والانقطاع الحضاري بوسائل مشروعة، سواء من خلال حركات الإصلاح الديني في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بالانفتاح على الحضارة الغربية، وعدم تكفيرها، ومحاولة الإفادة من منجزاتها، أو من خلال حركات التحرر الوطني التي قاومت الاستعمار الأوروبي وخاضت نضالاً بطولياً في سبيل الحرية والاستقلال.

 يقيناً أنّ الإفراط في تأجيل إدانة الإرهاب و التراخي في مكافحته، واشتراط أن يتم ذلك بوجود تعريف دولي للإرهاب، كان يعكس تفريطاً آخر في إدراك وتقدير كلفة هذا التأجيل، خصوصاً وأنّ لدى الأمم المتحدة حزمةً من القرارات الدولية التي تراكمت منذ عام 1961م، وجميعها يتضمن تعريفاً لمفهوم الإرهاب، وتأكيداً على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال على نحوٍ يميز بدون أي لبس بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال ولا يحتاج بالضرورة الى إعادة تعريفه مجددا ً .

 ولذلك فقد استغلت القوى اليمينية والصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية تردد بعض الأطراف العربية عن المشاركة في الحملة الدولية للإرهاب بذريعة الحاجة الى تعريفه أو إعادة تعريفه ، حيث سعت هذه القوى إلى تكوين موقف يزعم بوجود بيئة عربية سياسية وثقافية تفرخ الإرهاب وتصنعه، وما ترتب عن ذلك من خلط بين الجماعات السلفية المتطرفة التي تحمل فهماً منحرفاً ومنغلقا ً للنصوص، وبين الحركات الإسلامية الإصلاحية المستنيرة، وجمعهما في سلة واحدة.

 يبقى القول إنّ أحداث 11 سبتمبر تسببت في إلحاق أضرار مدمرة ليس بالولايات المتحدة، بل بالاقتصاد العالمي كله، الأمر الذي فرض على أجندة المجتمع الدولي ضرورة إعادة تشكيل وبناء السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى وبضمنها دول الاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان والصين.. حيث أثارت هذه الأعمال الإرهابية ردود فعل عالمية واسعة جعلت من قضية مواجهة الإرهاب مهمة حيوية وحضارية، يتوقف النجاح فيها على تعاون كافة الدول من أجل مجابهة هذا الخطر.

 في هذا السياق يمكن القول بأن الاسلام السياسي شهد تحولا خطيرا بعد التزاوج الذي تم بين فكر الاخوان المسلمين وفكرالمؤسسة الدينية غير الرسمية في المملكة العربية السعودية على تربة الصدام بين الزعيم القومي العربي جمال عبدالناصر وثورة 23 يوليو من جهة، وبين التنظيم الدولي للاخوان المسلمين بعد فرار الاخوان الى السعودية عقب فشل محاولة اغتيال جمال عبدالناصر التي خطط لها الجهاز السري الخاص للاخوان ونفذها في ميدان المنشية بالاسكندرية عام 1954م من جهة أخرى ، ما أدى الى صدور قرار من مجلس قيادة ثورة 23 يوليو بحل تنظيم الاخوان وهجرة قياداته وكوادره الى السعودية ، الأمر الذي أسفر عن إعادة بناء الايديولوجيا الجديدة للاسلام السياسي على تربة تكفير المجتمع العربي والاسلامي والنظام الدولي بأسره . وتقسيم العالم الواقعي الى فسطاط للايمان وآخر للكفار ، وغير ذلك من الأفكار المتطرفة التي صاغها كتاب ( معالم في الطريق ) للمفكر الاخواني سيد قطب ، ثم تبلورت في ما تُسمى ( الصحوة الاسلامية ) و(الفكر الصحوي) ، خصوصا بعد اختلاط الايديولوجيا الجديدة للإسلام السياسي بمخرجات فقه عصر الانحطاط في بيئة الجهاد الأفغاني التي لا يجب إنكار وتبرئة دور التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في صناعة تلك البيئة الجهادية التي ألحقت كوارث خطيرة بالعالم العربي والإسلامي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي جعل الأخوان المسلمون من أراضيها ومؤسساتها الخيرية منشأ ً للايديولوجيا الجديدة للإسلام السياسي. ولعل ذلك يفسر المعاني العميقة للتصريح الشهير الذي أصدره الأمير نائف بن عبدالعزيز رحمه الله عام 2004 وتداولته على نطاق واسع وسائل الاعلام السعودية والعربية والعالمية ، والذي أتهم فيه الإخوان المسلمين بأنهم (( أصل المصائب في العالم العربي والإسلامي )) بحسب تعبير الأمير نائف.

 وما من شك في أن المملكة العربية السعودية دفعت ثمنا كبيرا من جراء انتشار الفكر الضال والثقافة المتطرفة في المجتمع السعودي بواسطة المناهج الدراسية والمدارس الدينية وتكايا المساجد والجمعيات الخيرية والتجمعات والمخيمات الصيفية والمدارس التي تتغطى بواجب تحفيظ القرآن ، بالإضافة إلى نمط الحياة المتشددة الذي يحاول المتشددون و المتطرفون تسويقه وفرضه بالقوة تحت واجهة حماية الفضيلة وردع المنكرات، عبر اقتحام المطاعم العائلية والتلصص على عورات النساء والحياة الشخصية للعائلات بحثا عن ( النامصات والمتنمصات) ، مرورا ً بتحريم الغناء والموسيقى والتصويرالفوتوغرافي والألعاب الرياضية الرجالية والنسوية والسينما والمسرح ومختلف الفنون، وصولاً إلى تكفير المجتمع والدولة والمثقفين والصحفيين والقنوات الفضائية والأفلام الكارتونية والمنظمات النسوية ، وممارسة الإرهاب والعنف ضد مؤسسات الدولة الأمنية والتجمعات السكنية والمواطنين الأبرياء.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
اربعة أعوام مع ثورة 21 سبتمبر
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
صحيفة 26 سبتمبرقرارات تاريخية
صحيفة 26 سبتمبر
دكتور/محمد حسين النظاريالحوار.. ودول الجوار
دكتور/محمد حسين النظاري
مشاهدة المزيد