الإثنين 24-09-2018 20:00:14 م : 14 - محرم - 1440 هـ
لحظة حرية: امتحان صعب .. ومشهد مختلف
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 12 سنة و 3 أشهر و 16 يوماً
الخميس 08 يونيو-حزيران 2006 07:44 ص
لم يتبقَ سوى ثلاثة شهور تقريباً على الانتخابات االرئاسية والمحلية التي ستشكل محطة هامة في مسار التطور اللاحق للديمقراطية الناشئة في بلادنا.. ومما له دلالة عميقة أن يتزامن الاستعداد لهذه الانتخابات مع حراكٍ سياسي لا يخلو من الحوارات والتجاذبات والاستقطابات والتحالفات التي أسهمت في استنهاض مفاعيل العملية الديمقراطية داخل المجتمع، وارتفاع مستوى الوعي بضرورة توسيع قنوات المشاركة الشعبية في الحياة السياسية.
الثابت ان متغيرات هامة ونوعية حدثت في المشهد السياسي العام للبلاد منذ أول انتخابات عامة في سنة 1993م.. فقد تبدلت خارطة الاصطفافات والتحالفات والمواقع على نحو مثير للدهشة والتأمل، فيما تضاعف سجل الناخبين الذين يحق لهم الاشتراك في العملية الانتخابية إلى ما يزيد على 9 ملايين ناخب وناخبة على إثر تسجيل مليون ناخب جديد خلال شهر أبريل 2006م في إطار عملية مراجعة كشوفات القيد ، وتسجيل الناخبين الجدد الذين بلغوا السن القانونية لممارسة حقوقهم الانتخابية ، مقابل ثلاثة ملايين تقريباً في الانتخابات الرئاسية والمحلية السابقة عام 2000م ، الأمر الذي يؤهل الانتخابات القادمة لتدشين منعطف تاريخي في خبرة الممارسة الديمقراطية والحياة السياسية عموماً.
يزيد من أهمية الانتخابات القادمة التي تتهيأ لها البلاد أنّها تتم في ظروف محلية وإقليمية وعالمية تتسم بالتأثير المتزايد لقيم الديمقراطية والحرية والمشاركة في تقرير مصائر الشعوب والأمم والمجتمعات ، بالاضافة الى تعاظم الميول الرافضة للاستبداد والتسلط والهيمنة ، سواء على مستوى العَلاقات بين النظم السياسية ومجتمعاتها ، أو على مستوى العَلاقات بين الدول والحكومات في إطار المجتمع الدولي الأمر الذي يلقي على عاتق الفاعليات السياسية والوطنية مسؤولية تحويل الانتخابات القادمة إلى منطلق جديد لترسيخ الممارسة الديمقراطية وتأهيل بلادنا للتفاعل الحي مع التحولات الحضارية العميقة التي يشهدها عالمنا.
يقيناً أنّ ثمّة عوامل داخلية وخارجية تضفي على الانتخابات القادمة أهمية نوعية ، ما يستوجب تحويلها إلى مناسبة لإنضاج الثقافة الديمقراطية وتخليص العمل السياسي من رواسب الأفكار والعادات والعَلاقات الموروثة عن طرائق التفكير والعمل الشمولية ، وإعادة اكتشاف الواقع وصياغة مهمات قابلة للتحقيق ، والابتعاد عن المتاجرة بالشعارات الشعبوية والمكايدات السياسية والمزايدات اللفظية .. بمعنى المراهنة على الفوز بمستقبل والتوقف عن الاشتغال على رواسب الماضي .
لعل التحدي الكبير الذي يجعل من الانتخابات القادمة اختباراً صعباً في مدرسة الديمقراطية هو مدى قدرة الأحزاب السياسية وفاعليات المجتمع المدني على تفعيل قوة القانون بدلاً من الاحتكام إلى قانون القوة ، وما يترتب على ذلك من ضرورة نبذ ثقافة العنف ورفض الأعمال الخارجة عن القانون أثناء العملية الانتخابية ، وعلى وجه الخصوص في مراحل الدعاية الانتخابية والتصويت والفرز.. وبقدر نجاحنا في خوض مباريات انتخابية خالية من العنف والأعمال غير القانونية ، بقدر نجاحنا في إنضاج العملية الديمقراطية الجارية في البلاد وتجذير قيمها في حياة المجتمع.
لا نبالغ حين نقول إنّ الأحزاب السياسة كلها مطالبة بعبور حقل الألغام الذي ينتظرها في الطريق إلى الانتخابات القادمة ، حيث يتوجب تخليص الخطاب السياسي والإعلامي الحزبي خلال العملية الانتخابية من رواسب ثقافة القمع والأحادية التي تمارسها الأحزاب بدون استثناء وبصورة متبادلة تحت شعار «الدفاع عن الحريات ومقاومة الممنوعات».
من حق كل حزبٍ أن يمارس حريته في نقد الجميع وتسويق مشروعه السياسي بحرية تامة.. بيد أنّ النقد يفقد وظيفته الحرة عندما يتحول من نقد الآخر إلى نقضه!!
ولا ريب في ان أهم ما يميز النقد عن النقض هو أنّ الأخير يلغي الأول.. أما النقد فإنّه لا يلغي شيئاً بل يفتح أفقاً حراً للتفكير وتغيير شروط العَلاقة مع الآخر، وتمكينه من التفكير بطريقة مغايرة والاستماع إلى ما لم يكن بالإمكان السماح بالاستماع إليه.
لا يتم النقد في الفراغ بل يشتغل على أفكار ومشاريع وأدوات تتصل بالواقع وتسعى إلى تغييره في آن واحد ، وهو لا يمكن حدوثه بدون التحرر من ديكتاتورية الشعارات الشعبوية والمشاريع العقائدية الشمولية التي تتمركز حول الذات وتتمترس وراء الأفكار الجامدة .
لا اتهم حزباً أو مجموعة من الأحزاب بديكتاتورية الشعارات والتمركز حول الذات وحراسة الأفكار.. فالجميع عرضة للوقوع تحت طائلة هذا الخطر الذي يُعد عدواً لدوداً للحرية والديمقراطية والمعرفة.. فلا يكفي أن يتداول حزب سياسي خطاباً انتخابياً يكشف عن هويته السياسية أو الفكرية أو العقائدية ، لأنّ الذي يقرر هوية هذا الحزب أو ذاك هو نمط عَلاقته بذاته وبغيره ، وطريقة تعامله مع الناس والواقع والأفكار والأحداث.
من نافل القول إنّ هناك وسطيين مارسوا الوسطية بتطرف.. كما أنّ هناك تقدميين طبقوا مشاريعهم التقدمية ثمّ أوصلوا مجتمعاتهم إلى أوضاعٍ أكثر رجعية وتأخراً وتخلفاً.. وهناك أيضاً قوميون وحدويون كرسوا التجزئة والطائفية والتشرذم الداخلي بممارساتهم (القومية الوحدوية).. وإسلاميون أساؤوا بممارساتهم وتعصبهم إلى الإسلام والمسلمين وغير المسلمين ، ثمّ تقاتلوا أو تصارعوا فيما بينهم ، وقاموا بإقصاء بعضهم بعضاً بعد أن أقصوا الآخرين من قبل.. إنّ جميع هؤلاء كانوا نسخاً من بعضهم البعض حتى وان استبدت بهم الاختلافات والصراعات والتناقضات ، ولذلك اشتركوا في مشاريع فاشلة شهدت على أنّ القواسم المشتركة التي تجمعهم هي ضيق الأفق والتعصب العقائدي وقصور الأدوات ، والاغتراب عن الواقع والتاريخ والعالم ، وصولاً إلى العجز عن اكتشاف الأبعاد المتنوعة للحقيقة.
ستجرى الانتخابات القادمة على قاعدة جديدة من الاصطفافات والتحالفات التي أزالت المسافات بين أعداء الأمس الذين أصبحوا اليوم حلفاء وأصدقاء، وهذا شيء محمود لا تثريب فيه.. لكن الدرس الذي لا يجوز تجاهله هو الاعتراف بأنّ المشاريع الحزبية القديمة احترقت .. وأنّ أفكارها البالية فقدت جاذبيتها ومصداقيتها.. وعليه يجب ألا ّ يغيب عن بال الجميع أنّ الناس لن ينخدعوا بالوعود والشعارات إذا لم يتخلَ أصحابها عن إضفاء القداسة على الأفكار والمشاريع السياسية التي يطرحونها ويدافعون عنها ، لأنّ الذين يقدسون الأفكار والأحزاب والمشاريع السياسية يكونون أول ضحاياها سواء تغنت بالوطن أو الأمة أو الثورة أو الدين أو الاشتراكية.. وأكثر السياسيين والمثقفين العرب الذين أخفقوا ثمّ انتقدوا ماضيهم ، كانوا من المدافعين عن نظم لم يكن لها من شاغل سوى تصفية المخالفين والتنكيل بهم..!
ما ينبغي للأحزاب أن تتداركه هو تجنب الوقوع في خطاب المطلقات الذي يستهوي الأحزاب العقائدية غالباً ، ومعظم أحزابنا من النوع العقائدي الذي يشتغل على الدعوة بدلاً من البحث عن الحقيقة والمعرفة.. ومن واقع تجارب الشعوب العربية مع الأحزاب العقائدية يمكن القول إنّ الحذر أصبح يلازمها تجاه كل من يرفع شعار الحرية.. فليس من يرفع شعار الكفاح من اجل الحرية والحداثة و حقوق الإنسان او الجهاد من اجل حراسة الدين ، وصياً على هذه القيم.. وليس من يدعو إلى فكرة ويزعم أنّها الحقيقة المطلقة قد أصبح موضعاً للثقة المطلقة بموجبها !!
يخطئ من يعتقد أنّ بإمكانه استخدام الديمقراطية كوسيلةٍ لإعادة إنتاج تجارب الأحزاب الشمولية العربية في الحكم ، ومعظم أحزابنا امتداد لها واستعادة لذكراها وتمجيد لنماذجها وأفكارها.. كما يخطئ أيضاً من يعتقد بإمكانية استخدام الديمقراطية المعاصرة بهدف إعادة إنتاج الماضي الشمولي الاستبدادي البعيد او القريب بكل أصوله ونماذجه وأدواته ونصوصه وطقوسه.. أنّ التعامل مع التجارب الشمولية في خطاب معظم أحزابنا يتم دائماً في نطاق المطلقات (الدفاع عن مصالح الأمة.. الدفاع عن الثورة والوطن والديمقراطية.. حراسة الدين.. الخ).. والمطلق يقود دائماً إلى الأُحادية والاستبداد والارتهان للماضي ونماذجه.
ليست المشاريع أو الشعارات الانتخابية التي ستطرحها الأحزاب والتنظيمات السياسية في الانتخابات الرئاسية والمحلية القادمة صافية ومطلقة ومتعالية.. أنّها على العكس من ذلك نسبية ومتداخلة من حيث المشكلات التي تثيرها، ومنطوية على معانٍ غائبة في معظم الاحيان ، ولذلك يجب ألا نجعل من المعاني الغائبة سلطة مطلقة على العقل ومصادرة مكشوفة للحقيقة ، الأمر الذي يفرض على الجميع تحويل المباريات الانتخابية التعددية إلى منافسة لتعلم فن الحوار والتدافع السلمي وإدارة الاختلاف بين شركاء لا أعداء.. بين فواعل تعمل تحت الضوء من أجل التغيير واستشراف المستقبل .. بين أبعاد متنوعة لحقيقة نسبية لا يحتكرها أحد.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حمير العزكي
غريفيتس و الحديدة
حمير العزكي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
أحمد الحسني
وحق لسلطنة عمان أيضاً
أحمد الحسني
مقالات
كاتب/نصر طه مصطفى الهشاشة والفشل!
كاتب/نصر طه مصطفى
استاذ/عباس الديلميثقافة الديمقراطية
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد