الأربعاء 19-09-2018 02:22:30 ص : 9 - محرم - 1440 هـ
صنعاء تحت الحصار الفارق بين لحظة الانتصار ولحظة الانكسار
بقلم/ دكتور/غيلان الشرجبي
نشر منذ: 6 سنوات و 3 أشهر و 11 يوماً
الخميس 07 يونيو-حزيران 2012 02:08 ص
> الفارق بين الحياة والموت- الوجود والعدم- إن الفرق بين دول تنهار حينما يذعن أهلها لمنطق الاستسلام والهزيمة بينما تحسم شعوب أخرى أمرها- فتتخطى عتبة الخوف للإصطفاف في خندق الصمود انتصاراً لحقها الطبيعي في الوجود، لذلك قيل: «اطلبوا الموت توهب لكم الحياة» ف«ليس من مات فاستراح بميت.. إنما الموت ميت الأحياء»، فإذا كتب الموت شهادة فتلك قمة السعادة.. ولأن «النصر صبر ساعة» كما يقال- فالساعة لا تدل على التوقيت بالضرورة، بقدر ما تدل على مدى الاستعداد لمقاومة العدوان- لتكون اللحظة الفارقة بين صراع الإقدام والإحجام بمثابة الفيصل لأي الاتجاهين تتحرك الإرادة الجامعة- وكيف تتضاءل الاعتبارات الزمانية وتهون التضحيات الجسيمة بينما تلوح بوادر الانتصار بعد طول انتظار، وكيف تتحول سويعات الفرحة العارمة الى ذكرى خالدة تسجل فيها إعلان البشرى بأن (وطناً انتصر وقد كاد أن يندثر تحت وطأة الحصار وركام الدمار».. وهكذا.
تتوحد الوقائع التاريخية لتتلاشى الفروق الزمانية والمكانية لتبقى «وحدة الموضوع» ماثلة للعيان، وكأننا نتابع مشاهد درامية.. لأحداث مأساوية قد تختلف كماً وكيفاً الا أن الاختلاف لا ينفي ذلك التقارب النوعي على طرفي المعادلة الأزلية التي يقف فيها من (فرض عليه الحصار موقف التحدي لطوق الحصار ف«ليس لهم من خيار غير النصر أو الموت»، بينما تمتلك القوى المعتدية خيارات عدم الرهان على عامل الوقت الذي يفقد جدواه في معركة «صراع الإرادات» حيث الأقدر على الاصطبار هو الأقرب للانتصار وهكذا يمكننا استحضار ملامح «وحدة الموضوع» تلك بالنظر الى أوجه الشبه لمدن شهدت أحداثاً كادت تلغيها من خارطة الجغرافيا السياسية، فإذا بها تكتسب شهرة عالمية لتحتل مكانتها التاريخية المشهودة بفضل الملاحم البطولية التي سطرها أبناؤها دفاعاً عن الأرض والعرض من أن تداس والحرية والكرامة من أي انتقاص.
وإذا كانت أوجه الشبه تثير في الأذهان «مدينة ستالين جراد» بصمودها الملحمي الذي شكل بداية انهيار المشروع النازي لاجتياح العالم بأسره، وإذا كانت المقاومة الاسطورية ل«مدينة غزة» قد تصدت لاعتى قوة عسكرية لاسرائيل المدعومة بقوى الصهيونية العالمية، فإن «صنعاء» ترقى الى مستوى المقارنة الموضوعية لهذين النموذجين رغم المفارقات الاستثنائية باعتبار أن «لكل قاعدة استثناء» والأهم في التشابه أن تظل لكل من أمثلته خصوصياته الاعتبارية وهذا ما تتميز به «صنعاء العاصمة» أيضاً هذه المدينة التاريخية التي جنى عليها وضعها المتميز فأضحت هدفاً لصراعات متكررة للإستحواذ على السلطة التي تمثل «مدينة صنعاء» رمزاً فيحرص كل من يتطلع لإضفاء الشرعية على نفوذه السيطرة على مركز هذا النفوذ الرمزي بالقوة بغض النظر عن مدى تحقق هذه المشروعية خارج نطاق العاصمة من عدمه.. ولعل «سور صنعاء القديمة» خير شاهد على متوالية الاستهداف وهواجس درء الخلاف الذي لم تكن ثورة 1948م إلاَّ علاقة بارزة لتحولات جذرية لا تتوقف عند حدود التنافس التقليدي بصيغة الاستحواذية، وإنما بوجود قوى تحررية تتطلع لإقامة نظام عادل يحتكم الناس فيه إلى دستور يلبي طموحات شعب لا إلى شريعة غاب».
فإذا بالإمام أحمد يحّرف الكَلِم عن مواضعه بهدف إثارة الناس ضد (حركة الأحرار) وإشاعة: إن الدستور يعني اختصار القرآن والتمرد على الشريعة والخروج على الإمامة الشرعية»، ثم يضيف الى إثارة الحماس الديني للعوام إغراء يضاعف الحماس للانقضاض على صنعاء التي «أباح النهب والسلب لكل ما فيها» وهي خاصية ما كان لأعتى طواغيت الاستبداد أن شرعوها على عواصم ملكهم ومواطني ممالكهم.. اللهم إن كان حاكم كهذا قد أصيب ب«سادية التلذذ بتعذيب من يحب» شأنه في ذلك شأن أمثاله وهم كثر وكلهم يتغنون بأوطانهم جار عليها السلطان وربما أعجبت الأئمة إستراتيجية إهدار صنعاء.
لذلك أعاد الإمام محمد البدر الكرة مرة، فاجهاض ثورة 48 والتنكيل برموزها، قد يتكرر بالإنقضاض على عاصمة الثورة السبتمبرية وبنفس أساليب التجهيل والتضليل إغراءات التمويل، ولتسريع مفعول الحوافز المالية، فقد احتلت العملة الذهبية صدارة الدفع المباشر تحت الحساب ريثما يتم إجتياح العاصمة لتوزيع آملاك من فيها غنيمة للحشود السائرة في ركب الإمامة، ولكن هيهات فقد استفاد رجالات الثورة وقواها الحية من تجربة الثورة الدستورية التي صورها الإمام بأنها ليست أكثر من خلاف أسري مع (بيت الوزير) فجاءت الثورة السبتمبرية بمشروع تغيير شامل ليأخذ الصراع بعداً جماهيرياً مع إمام مخلوع.. فكان لابد أن تجد صنعاء في كافة القرى والمدن على إمتداد الساحة اليمنية روافد مدد وإمداد شكل سداً منيعاً لحماية عاصمة الثورة والجمهورية في ملحمة السبعين التي توجت بنصر مؤزر استحقت معه مدينة صنعاء أن تضاف إلى موسوعة البطولات الملحمية.
وكغيرها من الثورات العربية خاصة عقب خروج قياداتها التاريخية ورموزها النضالية من مسرح الحياة السياسية ب«الموت الطبيعي أو الاغتيال السياسي والتصفية الجسدية وكذا الإبعاد القسري»، فقد افتقد النظام الجمهوري «بوصلة ترشيد المسار الوطني الذي تمثله الأهداف الثورية كإطار نظري للأداء السياسي ومرجعية معيارية للتوجهات العامة» لنشهد تأرجحاً في المواقف يساراً ويميناً صعوداً وهبوطاً- وصولاً إلى العد التنازلي لأوضاع مأزومة يصدق عليها المثل الشعبي: «وعادت حليمة الى عادتها القديمة».
إذاً: إن الإمامة لا تقتضي أن يضع صاحبها على رأسه «تاج أو عمامة» ولا أن يدعي إمتلاك الحق الإلهي في الخلافة، فكل من يمارس الوصاية على الأمة، ويعتبر الشعب رعاياه والوطن ملكيته الخاصة فيضع يده على مصادر «الثروة والسلطة» يكون بذلك قد ضاهى الإمام بالوفاء والتمام.
2- كرعايا لا حول لنا ولا قوة فقد تمسكنا بقشة الوعود المطمئنة المكررة فنطرب كلما سمعنا عن استخراج الثروات الطبيعية، ويسيل لعابنا برؤية «صور أرض الجنتين» تجود بقطوف دانية.. ثم نلعق مرارات الجرعات السعرية حتى لقد صرنا نحسد «المصاب بداء السكر أو ارتفاع الضغط» فلديه ذريعة للحمية من تناول مسبباتها.
3- لقد كنت أحد الذين شككوا بإمكانية تحالف حركة الاحرار وبيت الوزير ضد آل حميد الدين- فما الفارق بين أسرة حاكمة على رأسها إمام وكل يحمل نفس المواصفات، وها أنا أعترف بأن أولئك الرواد كانوا حكماء فعلاً- ولو أن ثورة 48 نجحت وأسست لحاكمية الدستور لما تشدق أئمة هذا العصر ب«شرعية دستورية» بينما المشيئة الفردية هي الحكم- وبيدها وحدها «تجميد النص الدستوري» لإدارة الدولة بابتداع «أعراف بديلة» تتنافى مع الاعراف القبلية التي أهدرتها المساومات وامتيازات كسب الولاءات، فكيف لنا إنكار واستنكار الاعتداء «على أبراج الكهرباء»، وغيرها من البدائل العرفية السائدة التي اضرت بالمصالح العامة وجسدت سلوكا عدوانيا عدائيا لم يكن مألوفا بل مستهجناً ومداناً شرعاً وقانوناً، بكل ما يترتب عنه من اساءات للشخصية اليمنية الاصيلة ولسمعة يمن الإيمان المنقوص والحكمة اليمانية المنتقصة في زمن كل شيء فيه بالمعكوس؟..
5- يقال في المثل: «من تدبر مصائب غيره هانت عليه مصيبته»، لذلك وجدنا فيما آلت اليه الامور في الجمهوريات العربية ملاذا آمنا، ولو على سبيل الحيل الهروبية، لتبرير القبول بالامر الواقع لتداعيات الاوضاع التي لا مجال فيها لتنصل اي من القوى النافذة عن دورها في صناعة الازمات التراكمية، فالقبول بتعددية عدمية يعطي شرعية لديمقراطية عبثية تغلبت فيها الوجاهات التقليدية على العلاقات التنظيمية وبالتالي على العملية الانتخابية والخارطة السياسية لصالح الثقل الفئوي حصراً.
فيا سادتي:
الستم شركاء بشرعنة التقاسم للامتيازات والتكالب على توسيع دائرة النفوذ الذي على اساسه ترجح كفة الميزان في التوازنات المصلحية ليوازي (الأنا) المتضخم الفردي للبعض بحجم المجتمع باسره ألم يستحوذ القلة على مقدرات الأكثرية لأحداث هذا البون الشاسع بين (نسبة البطالة المرتفعة) مقابل (وظائف وهمية وتعدد وظيفي لاشخاص بعينهم واهدار موارد واعفاءات ضريبية وجمركية وهبات واكراميات واعتمادات لا ناس يمتلكون خزائن قارونية»؟!.
اليست المحاصصة المناطقية والشللية مضادة للقيم الوحدوية، ثم أين كانت الاحزاب ومراكز القوى التي تزايد اليوم بمفاسد اولئك الذين استولوا على الأراضي العامة والخاصة وحولوا الوطن إلى فود لأصحاب النفوذ- كظاهرة شوهت القيم الوحدوية ومشروعية المواطنة المتساوية- ثم اليست شواهد التسيس الحزبي للعمل النقابي قاسماً مشتركاً طال بوادر اشاعة مؤسسات المجتمع المدني.
أخيراً سادتي دعونا من البكاء على الاطلال وتبادل الاتهامات بدلاً من الاقرار بتبعات الماضي للخروج من دائرة (الشركاء المتشاكسون) ف(الربيع العربي قد فرض وجوده على الجميع شاء من شاء وأبى من أبى) والمصداقية في التعامل مع ارادة التغيير هي وحدها المحك لتمايز المواقف ولنكن على مدى المصداقية لابد من التوقف عند الملامح النوعية لتجسيد هذه الارادة من عدمه وذلك بالنظر للآتي:
1- ان التغيير المنشود سلوك حضاري يرتقي إلى مستوى المفاضلة الموضوعية ومن يعتقد ان ابدال (س) ب(ص) على اسس حزبية وبنزعة استئصاله، أو أن يشبه البعض حشرة النمل في اقتفاء اثر الدسومة أو رائحة فتات الموائد والمواد السكرية فهو كاذب ومنافق وبعيد عن المزاعم الدينية والوطنية.
2- ان من لا يحرص على اشاعة الامن والاستقرار ومحاربة الاختلالات التي عطلت امكانية تطبيع الاوضاع واوقفت حركة الحياة الطبيعية، ليس سوى مفترى على الله ورسوله وعلى حق المجتمع في البحث عن لقمة العيش الكريم وتطلعات الاجيال في طلب العلم، فيا ترى كم اسرة انقطع عنها الرزق وتقطعت بها السبل بسبب اغلاق المؤسسات الانتاجية والمحلات التجارية ومكاتب العمل، يا ترى اليست الثورة تعني التغيير ولا تغيير في غياب التعليم وتطويق مؤسساته العلمية؟!.
3- الا يجدر بنا الاستفادة من التجارب المماثلة كالمشهد السياسي النموذجي لشباب وجماهير مصر العربية التي كانت تتحرك وقت الدوام وتعود بعد ظهر لساحات الاعتصام، وهي الآن تسعى للتوفيق بين ما تم انجازه وبين ما لم ينجز فترفع الاعتصام مع تحديد موعد مليونية للضغط على المجلس العسكري حتى يستجيب لبقية الاهداف.
4- اذا كان لابد من أن أخص كبار القوم بكلمة فهي.. «إن من حقكم علينا ان نحسن الظن بهؤلاء الذين التحقوا بركب الثورة الشبابية شريطة ان نلمس مؤشرات طبيعة التحول فعلاً لا قولاً، إذ ليس من الحكمة ان يطالب بهيكلة الجيش من يمتلك ترسانة حربية ولا أن ينادي بحكومة مدنية تنهي إشكالية تفرد العسكر بالسلطة المدعومة بتسلط القوة العسكرية بينما يستمد نفوذه من قوة القبيلة ومكانته التقليدية فالقوة هي القوة أياً كان مصدرها ومثلما قدم بعض المشائخ وفي طليعتهم الشباب نموذجاً رائعاً لدخول الساحات بدون سلاح ومرافقين نتمنى عليهم التطبع على العقلية المدنية المسالمة وتجذير الروح الوطنية السلمية.
5- لقد كنت أحد اشبال المظلات في ملحمة السبعين (واقسم بالله ثلاثاً) انني لم ار في خضم الحصار حالة الطوارئ الراهنة فلا «نقاط تفتيش» ولا «أزمات تموينية» وارتفاع اسعار ولا تقطيع للشوارع داخل العاصمة والمدن الاخرى وما الى ذلك فهل لناكمواطنين نحلم بتغيير المفاسد ان نناشد اصحاب القرار في الساحات ان يكفوا عن الإيذاء للجمهور الذي يدعون الحديث باسمه والحديث نيابة عنه!؟
اقسم بالله العظيم «مجدداً» انني لم اشاهد اعمدة الدخان تتصاعد وشهب النيران تتمدد لتغطي سماء عاصمة اليمن الموحد مثلما شاهدته خلال الاشهر الماضية، وذلك بفعل اطلاق القذائف الكثيفة ومن اسحلة مختلفة بما فيها المضادات الارضية الحارقة والخارقة وكأننا نتصدى لهجوم جوي شامل، حتى انني شعرت بالرعب الذي لم اشعر به طوال السبعين يوما فتلك كان لها هدف مقدس بينما هذه انطلقت بدافع مسيس، تلك احتشد فيها المرتزقة خارج صنعاء اماهذه فوزعت فيها الذخائر والاسلحة في كل حارة، لنعيش نموذج لصراع الحارات في الوقت الذي يتحدث فيه عقلاء العالم عن التعايش السلمي والقبول ب(تنوع الحضارات).
فهل يمتلك من اصدر قرار اثارة الرعب ضميراً حياً، هل لديه ذرة احساس بما سيترتب عن نزواته وغطرسته من تبعات اخافة الناس ألا يتوقع اجهاض الحوامل الا يدري ان هناك عجائز وشيوخ كبار السن (لديهم ارتفاع ضغط الدم وامراض قلبية) ادت الى وفاة الكثير منهم الم يعلم ان جيل من الاجنة والرضع والاطفال سيعانون من المخاوف المرضية والمشكلات والعقد النفسية، طوال السنوات العمرية القادمة ام انهم ارادوا ان نعيش اهوال يوم القيامة حين «تذهل كل مرضعة عمَّا ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها»، في الدنيا قبل الاخرة، وان كنت اثق ان من اصدر أو شارك بتنفيذ هذا القرار بعيد كل البعد عن استيعاب مشهد جلل كهذا في حضرة الخالق جل جلاله ولا لتبادر الى ذهنه ذلك النداء المهيب «وقفوهم انهم مسؤولون» ولهانت مغريات التشبث بمالمكانة الدنيوية التي لا تساوي فيها الدنيا بأسرها (جناح بعوضة).اذاً تلك بعض خصوصيات (مدينة صنعاء) التي لم ولن يكف عشاقها عن إلحاق الأذى بها ما لم نحتكم لدولة عصرية وحكم رشيد لا يفرض بالنار والحديد ولغة التهديد والوعيد.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبرقبل فوات الأوان؟!
صحيفة 26 سبتمبر
كاتب/إسكندر الاصبحيومضات:المخا.. مجتمع جديد..!!
كاتب/إسكندر الاصبحي
مشاهدة المزيد