الإثنين 19-11-2018 23:41:55 م : 11 - ربيع الأول - 1440 هـ
الوحدة - وثنائية الحياة
بقلم/ دكتور/غيلان الشرجبي
نشر منذ: 12 سنة و 5 أشهر و 17 يوماً
الخميس 01 يونيو-حزيران 2006 08:08 م
استكمالاً للفكرة التي اجتهدنا في الحلقة السابقة من هذا الموضوع لاستنباط براهينها( العقلية والنقلية) العلمية والمنطقية - المكثفة - وتأصيلها بنصوص شرعية في نفس السياق - وبحدود ماتقتضيه الضرورة، لبلورة (ثنائية عناصر الحياة) وأنها حصيلة توحيد المكونات الحياتية، فلابد من وقفة مكثفة - أيضاً - لاستنباط الوجه الآخر من معادلة الخلق والوجود، وكيف ان اعتساف طبيعة الأشياء يلغي جدواها- فبثنائية (المادة والروح) انبثقت الحياة .. فخلق الانسان من (صلصال من طين) و(نفخ الله فيه الروح) فانتعش وتحرك وتناسل وتكاثر - وتغليب أي من طرفي هذا التركيب الحيوي، الذي يشترك فيه الانسان مع الكائنات الأخرى - وان تميز عنها بعقلانيته- أفسد حيوية الحياة - اما بإنكار روحانيته او بالتنكر لغرائزه- بفروقها النسبية، من حيث قدرته على عقلنة سلوكياته .. ومثلما يتدخل العقل لترشيد علاقة الانسان بالكون والحياة، ودمج وتوحيد مكوناته - إيجاباً - قد ينحرف عن سبيل الرشاد، وتتفرق به السبل في الاتجاه المضاد - و يتلخص هذا الجنوح، بعدم التوازن بين المتطلبات المشروعة لثنائية المادة والروح.
 ولعل من أروع روائع (فقه اللغة العربية) ان كشفت اسرار الصيغ اللفظية - وان (جذور المفردات) توحي بتقارب المعنى اللغوي، وان اختلف المبنى اللفظي - فكما تنسجم دلالات اللفظ (انفصام الشخصية) في ذات الفرد،يقترب هذا المعنى مع (انفصال) المنافي لإرادة التوحد- وليشمل ذلك (انعزال).. وقس على ذلك - فتلك قاعدة أصيلة لدراسة المبنى و المعنى الفقهي للغة - فيما يتعلق بدلالات الألفاظ الأقرب الى موضوعنا وأوجه الشبه بين (الشخصية السوية) والتي لايمكن الا ان تكون (اجتماعية، وحدوية، تشدها الحاجة الى الانتماء، مجبولة على التعايش مع الآخر، تحرك سلوكها ديناميكية الجماعة ، ويعزز فاعليتها الانجاز الجماعي، وتمتلك من المرونة ما يمكنها من التمييز بين الخاص والعام ، وبين الخصوصيات الانسانية لاستيعاب علاقة المخلوق بالخالق، وبالتالي بالكون والحياة) - واخرى (شخصية انطوائية، إنعزالية، انفصامية ، إنفصالية..) تعكس نفسية مسكونة بظلامية الشخصية المزدوجة، ويترجمها الجنوح السلوكي، وان اتخذ من (التبريرات والاسقاطات قناعاً له).. ولست - هنا - بمعرض الاسترسال في الأسس السيكولوجية  التي يصطنعها الوعي لتغطية الرغبات اللاشعورية، وكيف ان (التحليل النفسي) يشبه الشخصية الانسانية بـــ(جبل تغطيه قشرة جليد) تمثل هذه القشرة الجانب الواعي في شخصيته - لتمرير وتبرير الرغبات المنحرفة، باضفاء تفسير منطقي لها والاحتفاظ بالتصور المثالي عن الذات - فيما يسمى بــــ(آليات الدفاع Defense Mechanisms) والتي ليست في الحقيقة اكثر من (حيل هروبية)- يصعب على المرء ادراكها او الاعتراف بها- لنراه في كل الأحوال مدافعاً عن نفسه، حتى ان اعتى السفاحين يمكن ان يذهلك بمنطقه التبريري - فيكاد يقنعك بأنه (حمل وديع) .. لتصبح (المعايير الاجتماعية) بمثابة المحكات الحدية لقياس مدى التزام الأفراد والجماعات بالقيم الاخلاقية السائدة - واعتمادها كمرجعية لرسم خط فاصل بين (ماهو ذاتي) و(ماهو موضوعي) لتظل للهالة الذاتية حضورها- فـــــ( الحالة النفسية) وتزكية النفس، والتعصب للرأي والاجتهاد والحماس للجماعة او المذهب ، او غلبة العواطف، فلكل منها دوره بتغذية القناعات، وتوجيه الارادة ، واصدار الاحكام والامر كذلك حتى في (البحوث العلمية) التي لاتخلو من إشكالية (التحيز الثقافي) ولو بحدوده النسبية .. ونستطيع الاسترسال في البرهنة على هذا الانحراف المعياري بين حدي المعادلة الحياتية.. فكافة عناصر الكون ومكوناته قابلة للتوظيف السلبي او الايجابي فمثلما يضطرب الكون  ان اختل توازنه، تضطرب القيم مالم يحتكم الناس لجدواها الاخلاقية والسلوكية - وكما ينحرف السلوك ليصور لصاحبه مشروعية (استخدام البارود، الليزر، الذرة، التكنولوجيا المتطورة للإبادة) وتحت طائل من التبريرات التي يوظفها صناع القرارات العدوانية، تستطيع الفطرة السليمة ان توظف نفس المفردات لصناعة السلام - بل ان تحاكم تلك الميول والعقول التدميرية - التي أفسدت المنطق واعتسفت الحقائق- ولاتكفي عبارات حسن أو سوء النوايا لفلسفة التناقضات.. فالتنوع الذي هو سنة الحياة، والعلة السببية للتكامل والاثراء، هذا التنوع قابل لاثارة بؤر الصراع - ليبقى السؤال الجوهري هو: هل محصلة السلوكيات الفردية - او الجماعية - تصب في روافد السلبيات ام الايجابيات - الحسنات أم السيئات - و تضاف الى قائمة الخير أم الشر .. ويبدو ان سؤالاً كهذا غائب عن أذهان الكثيرين - والا لوقفوا موقف الصحابي الجليل(حذيفة بن اليمان) رضي الله عنه وأرضاه ، والذي يلخص موقفه من الحياة بقوله:« كان الناس يسألون رسول الله (ص) عن الخير ليستزيدوا منه، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» ولو فعل المحدثون ذلك لتوقفوا عن المساومات باسم الدين والشريعة والوطن والوطنية ورصيدهم فيها صفر، ولو راجعوا حساباتهم لتقديم ماينفع الناس وماتصلح به أعمال الدنيا والآخرة - فــــ(الزبد والشعارات الجوفاء تذهب جفاء) لذلك ورد في الحديث النبوي الشريف «الحلال بين والحرام بين و بينهما أمور مشتبهات» وحاشا ان تكون المشتبهات دليل ملابسات عصية عن الفهم - بقدرما تصدر عن اهواء لاارادية لتطويع الأحكام العامة للارادات الشخصية - لذلك قيل (صاحب الحاجة أعمى لايرى الا قضاها) كما قيل:
 ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ
 يجد مراً به الماء الزلال
 وقد لخص العارفون هذا التناقض بالقول : «إذا أحببت شخصاً، أحببت حتى الكلب الذي يتبعه، وكل مايتعلق به أو ير تبط بذكراه)والعكس صحيح - ومن نافلة القول ان نضيف:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة
ولكنها في السخط تبدي المعايب
فاعتلال الذوق والمزاج ، والعصبيات والمواقف الأنانية و الافراط في التكالب المصلحي، يحيل الابيض اسود، ويفضي الى ألوان رمادية - ونظرة ضبابية سوداوية تنعدم معها الرؤية - فتشتبه معايير مانريد وماذا يراد منا - فإذا اختلت المقاييس انقلبت الحكمة من ثنائية الانسجام الخلاق لعلاقة الانسان بمجاله الحيوي - رأساً على عقب .. ويحسن بنا ان نتوقف مع مؤشرات هذ الاختلال في التوازن السلوكي العاجز عن تمثل مفردات البيئة لاثراء الواقع- ومنها:-
1- ان (الشمس) مصدر طاقة، وآية من آيات الله واحدى شواهد معجزات تحريك الجمادات، وجمود الحركة، بينما التعرض لها بافراط يؤدي الى (أمراض جلدية، وضربة شمس) وهي بموقعها تحكم وتتحكم بالتجاذبات الكونية - والتي أن تجاوزت احدى مجراتها لموقعها - لاختلت الجاذبية وانعدمت الحياة، كما ان باقترابها اوبابتعادها تتجمد الكائنات او تنصهر الموجودات وكذا (الاكسجين) الذي يمثل ضرورة حياتية لوزاد لانتشرت الحرائق، ولو نقص لانعدمت شروط الحياة - ويصدق ذلك على (زيادة او نقصان ملوحة مياه البحار والمحيطات لحفظ الكائنات الحية فيها).. وما الى ذلك من شواهد الحكمة الربانية لوسطية تحكم ثنائية عناصر الحياة - في كل شيء - ومايصدق على الكون يصدق على الانسان - الذي بيده وحده استثمار السنن الكونية - ليحسن او يفسد هذا الاستخلاف - وشواهد الحال تعزز هذه الميول الثنائية بتوظيف قدراته لصناعة الخير او الشر - السلم او العدوان - الحرب او السلام - فاستخدامات التكنولوجيا، والبارود، الليزر ، الذرة، الطاقة، الطيران.. الخ .. - براهين ساطعة لتطرف يلغي حد الاعتدال.
ان هذا الكون لوحة فنية بديعة - يصعب ان نتصور انتقاص اي من مفرداتها - وألوانها- ومعطياتها - فمن لاتعجبه الصحراء عليه ان يبحث في خزائنها وخصوصياتها ليجد ان لها وظيفة نادرة - ومن لايروقه الخريف عليه ان يعلم ان لاقيمة لفصل الربيع الا بمقارنة بالاضداد - وان تلك هي دورة الحياة بتنوعها وتكاملها- وان محاصيل الشتاء تختلف عنها في الصيف وتتكامل معها - الخ - وهذا التنوع أفسده الانسان بعقليته الشمولية واشاعة ثقافة آحادية - تتعامل مع مشروعية الاثراء برؤية مبتسرة - فإما ان ترفضها وتتقوقع في محار الشك والتشكيك بثوابت العقل والنقل - لتلقي على كل شيء حكماً مطلقاً يلغي العقل، ويحجر عليه موضوعية القراءة المنفتحة في (هذا الكتاب المفتوح الواسع لسعة السموات والارض بما فيها من معجزات التنوع) والتي لاتستثني الانسان بقدراته المختلفة بملكاته المتعددة التي يندر ان تتشابه حتى لدى (التوائم من خلية متحدة) وأما ان يقبل بالتنوع على مضض - كمدخل لاكتساب مشروعية وفرض ارادته مقابل الغاء مشروعية الآخر ورفض حقه في التعبير عن ارادته الحرة وارادته المشتركة.
وتلك مجرد مؤشرات على اضطراب شخصية - الافراد والجماعات- لنشهد هذا الطوفان الصاخب لخطاب سياسي مزدوج يدور في فلك الثنائية الحياتية - لكنها ثنائية هدم لابناء - وتسقط من حساباتها ارادة التوحيد - وان تصنعت الحديث عن (عقيدة التوحيد) (والنضال الوطني الوحدوي), فالعبرة بالحيوية السلوكية.