الثلاثاء 25-09-2018 18:10:38 م : 15 - محرم - 1440 هـ
بصوت مقروء محاولة للتوسط بين «بوش» والمحافظين الجدد:«الديمقراطية».. وتحولات الفكر السياسي الطارئ
بقلم/ كاتب صحفي/امين الوائلي
نشر منذ: 12 سنة و 3 أشهر و 23 يوماً
الخميس 01 يونيو-حزيران 2006 08:01 م
«الليبرالية» في حد ذاتها وسيلة وليست غاية.. والديمقراطية ايضاً ولكن : كم يلزم من الوقت للوصول الى الديمقراطية بمعناها النموذجي المفترض؟ وهل ثمة نظام ديمقراطي نموذجي بالفعل في العالم؟
وسيكون السؤال المتوقع بعدها هو: كم سيلزم من الوقت ليكتشف العالم ان الديمقراطية ليست هي المتاح الغائي الاعظم؟ بل ان بالامكان صياغات ومتاحات اخرى.. اكثر استجابة لحاجات المجتمعات الانسانية، واصدق تعبيراً عن تحولات الوعي والفكر الانسانيين المطردين في تحولاتهما مع القفزات العملاقة التي يحققها العقل الانساني المتكرس على العلم والتجربة والاختراع.
ان اختصار المسافات.. بات سمة عصر يتقلب الى المستقبل على اكف عقول علمية صافحت العبقرية وانجزتا معاً هذه الثورات العلمية والمعرفية العملاقة التي تشكل العالم وتعيد تشكيل الحياة على نحو لم تشهده عصور الانسانية المتعاقبة طوال مسيرتها الممتدة عبر دروب التاريخ وازمنته الشاسعة.
وان التاريخ ليعلمنا بتفانٍ واخلاص: ان ما اعتقدته المجتمعات والحضارات دائماً، حول نموذجية ما وصلت اليه من تقدم وانجاز في مجالات التشييد المادي، أو ا لادارة المدنية، أو نظريات الحكم والادارة، لم يكن سوى ضرب من انبهار آني بالذات، سرعان ما ثبت تواضعه وقصوره عن مجاراة حياة لا تعرف نهاية أو كمال يمكن ادعاؤه والركون اليه.
ولن يكون عصرنا هذا، وعالمنا الذي نحن فيه عند مفتتح الفية ثالثة من عمر الانسان والحضارات البشرية، الا محطة في درب التاريخ الاكبر، ونقطة في محيطه اللانهائي.. بمعنى اننا لم ولن نشهد النهاية، كما قد يتوقع - أو يتوهم البعض.. وهذا الثراء العلمي والمعرفي والمادي الذي يكتسح حياة البشرية، ما هو الا اشارة بليغة الى ان العقل الذي انجز كل هذا، قادر على ان يأتي بما هو اعظم وادهش واثرى من هذا بكثير، وان كل حديث عن نهاية محتملة لمسيرة اكتمال الجنس البشري ووصوله الى نقطة تطور مستقرة لا يمكن بعدها الحديث عن تطور ممكن أو لاحق، هو ضرب من حديث أمانٍ خرساء مهما اجادت التذويق وامتداح الذات، لا لشيء الا لأن الحياة المتدفقة في مجاري الزمان والعالم ليست مقترنة بأمة من الأمم مهما بدت في لحظتها الآنية سيدة زمانها، ولا مقصورة على حضارة بعينها مهما ظهرت كاملة، قوية، يدور في فلكها الاخرون.
وكما هو شأن ازمنة العالم المتعاقبة.. تظل اشكال التمدن والتحضر، ونظريات الادارة والسياسة والحكم، كلها خاضعة لمنطق الجريان مع التدفق، والتجدد مع الحياة ومقتضياتها اليومية الآنية المتعاقبة.. عند ذلك جاز لنا القول بان الشكل الحالي - أو السائد حالياً على مستوى الحكم والادارة السياسية والمدنية في اجزاء واسعة من العالم، ونعني بذلك النظرية الرأسمالية عموماً.. ومنطقها السياسي الابرز «الديمقراطية»، ليس هو الشكل النهائي ولا الصيغة النموذجية المثالية المطلقة.. بحيث يكون صادقاً او صائباً القول بأن التاريخ وصل الى نهايته المريحة، او ان الانسان انجز مشروعه الابدي في التاريخ.
«بوش/ فوكوياما» وتناقضات «المحافظين الجدد»
اشكل علي تماماً استساغة جملة حماسية وردت ضمن خطاب الرئيس الامريكي جورج بوش الذي كان يتحدث الاسبوع الماضي عن الحرب على الارهاب في حشد امريكي منتقى.. كان بوش قد حصل على دفعة معنوية مناسبة لتجاوز النكسات المتلاحقة التي مني بها في استطلاعات الرأي المحلية الامريكية، والتي اظهرت تدنياً خطيراً وانهياراً كارثياً في شعبية الرئيس الامريكي لتصل في اشدها مأساوية الى اقل من 30٪.
لكن الاعلان عن تشكيل الحكومة العراقية بعد اشهر طويلة من التعثر والمراوحة تلت اجراء الانتخابات أو علان نتائجها، ورغم ظهور الحكومة بناقص وزارتين (الدفاع والداخلية) - بما لهما من أهمية وسيادية - كان قد منح بوش بعضاً من الرضى والاستقرار الآني لالتقاط انفاسه.. حينها اخذ الرئيس الامريكي يقرأ الاحداث والعالم بتفاؤل لا يخلو من اندفاع غير مفهوم احياناً اذ استشهد باعلان اسماء الحكومة العراقية، على ان ذلك الدليل الحاسم لصوابية الاجراء الامريكي وان العراق بات «نموذجاً ديمقراطياً» في منطقته والعالم الثالث عموماً (...) وان الباحثين عن الديمقراطية يمكنهم الاحتذاء والاسترشاد.
ولا اعلم كم من الحاضرين وقتها كان يود لو يسأل الرئيس: «معذرة.. سيدي الرئيس.. ولكن جنودنا يقتلون يومياً، والانفجارات لا تزال تحصد الابرياء، والقتلى بالعشرات يومياً.. والعراق لا يزال - فوق ذلك - محتلاً!!».
لكن الذي اشكل عليَّ حقيقة ليس ما سبق بل ما سيأتي.. الرئيس بوش اراد ان يتجاوز مرارة المشهد في حلوق الامريكيين، كما اراد القفز على معاناة استطلاعات الرأي وتدني الشعبية، برسمه صورة فضفاضة لانجازات الادارة البيضاوية في الخارج.. قال: «الديمقراطية تعم العالم الآن» وكان بذلك يخاطب الجانب العاطفي اللامرئي في دخيلة انفس الشعب.. اذ انه - وبذكاء اعلامي - راح يدغدغ ما بات يعرف بـ«الحلم الامريكي» في اكتساح النموذج الامريكي لقارات العالم ودوله.
والحقيقة ان الرئيس بوش كان يقرأ ما يحدث في العالم، وكأنه يقرأ في كتاب «فرانسيس فوكوياما» «نهاية التاريخ» الصادر في بدايات العقد الاخير من القرن العشرين.. أيامها كان الاتحاد السوفيتي يتفكك وتنهار امبراطورية الرعب الشرقي، ومعها انهارت - وهو الأهم بالنسبة لقراءة فوكوياما - النظرية البديلة المنافسة للرأسمالية، أي «الشيوعية» بالنسبة الى امريكي مفتون بالحياة الامريكية، مثل مفكر مهتم بالفلسفة.. وفلسفة التاريخ تحديداً كفوكوياما فإنه سيعلن سيادة النموذج الغربي على العالم، بعد زوال كل منافس.. وسيعلن، أو يدشن «نهاية التاريخ» واستقراره عند القمة (المتصورة) في نموذج الحياة الغربية والامريكية، والنظام الديمقراطي.
هكذا كان فوكوياما يعلن في «نهاية التاريخ».. الرئيس بوش تحدث الاسبوع الماضي على نحو يشبه هذا، وبالتوازي معه، وفي مكان آخر كان صاحبنا «فرانسيس فوكوياما» يتحدث عن اخفاقات الديمقراطية والاصلاح أو التغيير الديمقراطي الامريكي في العالم - في العراق تحديداً وكيف كان التغيير بالقوة كارثياً ومأساوياً!!
للتذكير، ليس اكثر، كان «فوكوياما» ضمن خمسة رجال شكلوا نخبة المجموعة السياسية المؤثرة في قرارات وسياسات ادارة الرئيس بوش «الابن» بدءاً من فترته الأولى وظهرت بصماتهم بشكل اوضح خلال الفترة الرئاسية الثانية، وهي المجموعة المعروفة باسم «المحافظين الجدد» وهؤلاء هم اصحاب الكلمة الماضية في سياسات ادارة بوش تجاه العالم.. وهم المدافعون بتطرف عن «مشروع الحلم الامريكي».. وهم - ثالثاً ورابعاً - الذين صاغوا سياسات بارزة وبرامج صاخبة كانت ولا تزال مثار جدل عالمي وامريكي، ومنها: الضربات الاستباقية، والتغيير الديمقراطي بالقوة، وغيرها.. واليهم وحدهم يعود الفضل - ان كان يجوز الاستخدام - في التخطيط والتأليب والتشجيع على غزو العراق واحتلاله.
لكن.. المفارقة هنا ان فوكوياما وزملاءه الآخرين كانوا قبل اشهر قليلة من هذا العام قد انقلبوا جذرياً على بوش وعلى المحافظين الجدد عموماً، ونشرت لهم جريدة المانية ذائعة الصيت رسالة ارتداد عن سياسة بوش وفلسفة المحافظين الجدد.. واكدوا ان الأمر آل في نهايته الى «كارثة»!!
وراح فوكوياما بعدها يكتب ويحاضر ضد ادارة بوش والمحافظين الجدد وظهرت له كتب تنقد وتفند النهج الحالي.. ويعتمد فوكوياما على الموضوع العراقي بشكل اساسي لادانة الادارة الامريكية والغزو والتغيير الديمقراطي بالقوة.. ويشدد ان ذلك كله أدى الى نتائج عكسية تماماً!!
«الابدية».. مغامرة سياسية
الدرس البليغ.. هو ان التناقض الكبير في آراء ومواقف و«نظريات» فوكوياما وعتاولة المحافظين الجدد (بمن فيهم «ريتشارد بيرل» الذي عرف بوصفه «مهندس الحرب على العراق» واكثر المحافظين حماسة لها، ثم عاد بعدها ليستقيل من الادارة ويتنصل عن مسؤوليات الحرب) اظهر القدر البليغ من اخطاء الادارة بالقوة والحماسة والتباهي الآني بالذات، كما اظهر هشاشة الفكر السياسي المعاصر، فالذين اذنوا بالسيادة ونهاية التاريخ هم اليوم يناقضون آراءهم القديمة تماماً.. ولكن بعد «خراب مالطة» كما يقال!.
وفيما ارتد وتنصل المحافظون.. كان يبدو ان الرئيس بوش لا يزال يقرأ من كتاب فوكوياما.. أخطر ما ظهر في حديث الرئيس بوش هي تلك الجملة التي لا تزال غير قابلة للهضم الفكري لديَّ.. قال الرئيس: «ان الديمقراطية هي النظام الأبدي للعالم»!!
لا اعلم الذي يعنيه بوش تحديداً بقوله «الديمقراطية» فالمصطلح عائم ومطاط ويحتمل تفسيرات متناقضة كما ظهر ويظهر باستمرار؟! كما لا اعلم على وجه الدقة ما يعنيه الرئيس الامريكي بـ«الأبدية» هنا؟ ربما احتملت الكلمة أو المفهوم «الابدية» اكثر من تأويل، فهي مصطلح ديني ولاهوتي وفلسفي، لكنني لم اقع قبلاً على تفسير واحد او استخدام واحد لـ«الابدية» باعتبارها مفهوماً سياسياً.. بل ولا اتصور ان السياسة وعلمها يستخدمان «الابدية» كمصطلح خاص.
فإذا كانت السياسة لا تؤمن بالثوابت والدوام، وتؤكد على التغيير والتبدل والمرونة، فإنها بذلك تتنافى او تتصادم مع «الابدية» لغة ومضموناً ومعنى، بما هي «الأبدية» مصطلح يشتغل على الدوام والثبات والاستقرار التلقائي، وعلى الاطلاق والنهائية بمعناها الذي نحصل عليه في «نهاية التاريخ» لفوكوياما أو في «صراع الحضارات» لصموئيل هانتغتون، وكلاهما (الكتابان والكاتبان) حضرا بقوة وتأثير ملحوظ في سياسة الادارة الامريكية.
ماذا يعني الرئيس بوش اذاً بقوله المجازف بأن «الديمقراطية هي نظام ابدي للعالم»؟!
اشك في ان «الديمقراطية» هنا تعني ذاتها.. وحتى هنا، لو كانت تعني ذاتها كما عرفت نظرياً بإجمال، لما جاز اردافها بالابدية.
فكيف الامر اذاً و«الديمقراطية» لا تعني حتى ذاتها العالمية، بل تعني الذات الخاصة.. «الامريكية»؟!
اجزم أن «الديمقراطية» كما يستخدمها قادة الادارة الامريكية تحضر معناها الذاتي ونموذجها الامريكي حصراً، مهما كان رأي أو تقييم العالم، عندها يكون افتراض أبدية النظرية، مغامرة سياسية، بحتة لا يمنطقها الوعي بالتاريخ، ولا تمنهجها رؤية علمية فاحصة وملتزمة.
ايجاز اضطراري
قلنا، لا بل قال التاريخ، ان الديمقراطية، والنظريات السياسية، والاشكال النظامية عموماً، لا تصل وليس لها ان تصل الى مرتبة الغاية ولكنها كلها تظل وسائل متاحة ضمن مجموعة لا نهائية من وسائل وأساليب انتجها الفكر الانساني على الدوام.. ولولا انها كذلك لما عرف العالم شكل «الديمقراطية» ولبقي الشكل البدائي هو السائد.. ولن يتوقف العقل البشري عن التفكير والابداع.. لو حدث ذلك لقلنا ان هذا النظام أو الشكل ابدي مخلد..
«والموضوع مفتوح لنقاش اوسع واعمق»..